تتبدل أحوال الناس والعباد بمرور السنين والأيام، فهذا اليوم يعلو، وغدًا لا يأمن عقباه، فعلى مدار التاريخ المصري تعرضنا لفترات من المجاعات أو الشدة الاقتصادية فتغيرت عادات الناس وتقاليدهم خلالها، وياليت التغير كان في المعاملات الإنسانية بينهم وبين البعض، فهذا له عذره بحكم الظروف والضغوط الأقتصادية، بل الأسوأ من ذلك أن التغير شمل كافة ما يتعلق بالطعام والأكل!

فهذه امرأة تبيع حليها من أجل قليل من الدقيق، وهذا يأكل لحم أخيه، وأصبح الإنسان الضعيف كحيوان الصيد؛ إن هرب من مصيدة  يكاد لا يفلت من الأخرى، وهذا يأكل لحم الخيل، إلى أن انتهى بنا الأمر بأكل لحم الحمير، فإذا كان المصريون أكلوا لحوم البشر والخيول بمحض إرادتهم، فإنهم يأكلون الآن لحم الحمير وهم مجبرون على ذلك، فماذا حدث؟ وكيف تبدلت بنا الأحوال؟ ووصلنا إلى هذه المرحلة!

فى زمن المستنصر تعرضت مصر لشدة عظيمة تسمى «الشدة المستنصرية»، فقد نقص منسوب المياه في النيل، حتى بارت الأرض وقل القوت، وانتشرت الأمراض والأوبئة، وبلغ سعر الرغيف خمسة عشر دينارًا! وبحث الناس عن القطط والكلاب ليأكلوها! وبلغ سعر الكلب خمسة دنانير والقطة ثلاثة!

واشتدت المحنة حتى أكل الناس بعضهم بعضًا وكان الرجل يخطف ابن جاره فيشويه ويأكله. وضبطوا رجلًا من السود كان يقف على سطح بيته حتى رأى امرأة فى الطريق فقذفها بحبل في نهايته كلابات من الحديد ثم جذبها حتى سقطت في يده، وأخذها إلى داخل بيته وأخذ يقطع من جلدها قطعًا من اللحم، ليأكله، فسمع الناس استغاثتها وخلصوها منه وقتلوه في الحال.

واشتد القحط والوباء؛ فأكلوا الجيف والميتات، وأفنيت الدواب، ولم يبق لخليفة مصر سوى ثلاثة خيول بعد العدد الكثير، ونزل الوزير يومًا عن بغلته، فغفل الغلام عنها؛ لضعفه من الجوع، فأخذها ثلاثة نفر وذبحوها وأكلوها، فقبض عليهم، ثم صلبوا، فاغتنم الجياع ستار الليل فهجموا على جثث المصلوبين وأكلوا لحومهم ولم يبق إلا  عظامهم.

وفي عصرنا المجيد، نمر بأزمات اقتصادية طاحنة، نكاد لا نفيق من واحدة، حتى ندخل في الأخرى، إلى أن وصل بنا الحال إلى بيع لحوم الحمير للناس، تحت دعوى يرفعها أصحاب مزارع الحمير: أنها حلال أو من أجل مكافحة الغلاء قائلين في سرهم: «خلي الناس تاكل وأهو كلها لحمة».

فإذا كنا في الشدة المستنصرية، اضطررننا لأكل لحوم القطط والكلاب ولحوم البشر والخيل، فذلك يرجع إلى القحط الشديد والنقص العظيم في جميع أنواع الطعام والمحاصيل، فقد يكون هناك شماعة للأعذار ممكن أن نعلق عليها جميع ما حدث.

أما الآن على مدار الأيام السابقة يكاد لا يخلو يوم ونسمع عن ضبط رؤوس من الحمير المذبوحة ولا نعلم من الجاني، إلى أن وصل إلينا خبر عن صاحب مزرعة للحمير في الفيوم، يستخدمها في الذبح وبيع الحمير للمواطنين، كل هذا لمن يقرأ قد يبدو منطقيًا نوعًا ما، ولكن أن يصل الاستخفاف بعقولنا أنه تم ضبط تاجر ومعه لحوم حمير منتهية الصلاحية! فهذا يدعو للقلق: المسؤولون منزعجون من أكل لحوم الحمير، أم منزعجون فقط من أنها منتهية؟!

وتكاسل الهيئات المسؤولة يدفعني للتساؤل: هذا التكاسل يرجع إلى قلة الحيلة وقلة الصلاحيات، أم أنهم لهم مصالح فيما يحدث، أم أن الأمر لا يهمهم لأن يتقاضون مرتبات مهولة تجعلهم يشترون اللحوم من أماكن موثوق منها بأسعار عالية، وإذا عم الأمر لا قدر الله لن يفشلوا في شراء مجموعة من الماشية (البقر، الجاموس… إلخ) ويتم ذبحها مناصفة بينهم، مادام هؤلاء بعيدون عن خطر لحم الحمير وأكله!

وذلك عكس ما حدث للمستنصر الذي ذهب الناس لقصره ونهبوا ما في داخله، وأصبح بين عشية وضحاها يعاني مثلهم ويتضور من الجوع مثلهم، وأصبح يعيش على رغيفين كل يوم من صدقة إحدى السيدات، وهنا تحرك المستنصر واستعان بوزيره بدر الدين الجمالي، الذي قضى على الأزمة نسبيًا بمعاقبة التجار المحتكرين للسوق، ثم جاءت الانفراجة الكبرى بفيضان النيل فعم الخير من جديد.

ولكن يبدو طالما أن علية القوم لا يعانون مثل عامة الشعب وصاروا بمنأى عن الأزمات ولحوم الحمير، فإننا بصدد فصول أخرى من فصول أكل الحمير وذبحها والتي بدأت بأغنية «بحبك يا حمار» وكانت آخر فصولها الآن «القبض على تاجر ومعه لحوم حمير منتهية الصلاحية»!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد