المشهدُ الأول:

في سنِ الخامسة عشر، أرسلوا إلى والد صديقي في الصف يطلبون حضوره لأن ابنه أجْرَم أثناء إلقاءِ الإذاعة المدرسية وتجرأ على قراءةِ قصيدة للكاتب عبد الرحمن يوسف، مطلعها:

يا من لعرضي هتك .. فقدتَ شرعيتَك
من ربع قرن كئيب .. لعنتُها طلعتك

مدير المدرسة – كغيره من أصنام المناصب – يتحدث إلى والد صديقي بصوت خشن، غليظ يطلب حضوره حتى يقوموا بتسوية أمر هذا الطالب المتهور: سنقوم بفصله من المدرسة إن تكررت الواقعة، أين كنتَ حينما كان ابنك يحفظ قصائد سياسية قد تذهب به وبمنصبنا وتجلبُ لنا ما لا يُحمد؟ وكأن البُعْدَ عن التحدثِ بالسياسة رُكن من أركان التربية القويمة التي أغفلها هذا الوالد أثناء تنشئته لهذا الصبي.

المشهد الثاني:

في سن السادسة عشر، وبالتحديد في الخامس عشر من مايو عام 2011، انطلقت نداءات بمصر والأردن وسوريا وغيرها من الدول العربية مطالبةً بتحرير فلسطين وتطهير المسجد الأقصى تحت عنوان: الانتفاضة الثالثة. تسابقت وصديقي، وقضينا ليلة باردة – حتى نكون في الصف الأول من صفوف المتظاهرين – في شوارع العباسية بجوار مسجد النور، المسجد الذي سيؤدي فيه المتظاهرون صلاة الفجر ثم ينطلقون إلى فجر حلمهم البريء.

صلينا الفجر وسط عدد مهيب، أذكر جيدًا أن الأكتاف كانت متلاحمة جدًا، حتى يظن الرائي أن الواقفون في الصفوف هم جسدٌ واحد برؤوس متعددة، لكنهم -أيضًا- بقلب واحد. تحركنا بعدها نحو ميدان التحرير سيرًا على الأقدام، وعَيْنَا كل واحدٍ منَّا لا ترى إلا جدار البراق عن اليمن والمسجد العمري عن الشمال وقبة الصخرة بين الأيدي. انقضت الليلة، ثم عدنا لنسمع من يسخر ويقول: القدس؟ لقد مات صلاح الدين.

المشهد الثالث:

في نفس الفترة العمرية، التاسع من سبتمبر عام 2011، بعد مقتل عدد من الجنود المصريين على الحدود بين مصر وفلسطين المحتلة، قضينا ليلة كامل حول سفارة الكيان الصهيوني لمحاولة إيقاظ الحكومات النائمة، ويبدو أن رد الفعل لم يتغير كثيرًا، فنحن مخربون ومتهورون أيضًا ونحتاج إلى استدعاء ولي أمر ليضبط أفعالنا.

آسف إن بدا لك الموضوع كثرثرة شخصية، لكن هذه المشاهد الثلاثة كانت إشارات إلى أن تحقيق الحلم ليس بالشيء السهل، كنا صغارًا حينها، العدو كان واضحًا، نعرفه ويعرفنا وليدنا من الثأر ما يكفي لأن ندخل بيت المقدس بين ليلة وضحاها فقط إن أعطونا السلاح. اتضحَ الآن أن الأمر ليس بهذه السطحية، فالرؤية الواضحة أصبحت الآن باهتة يشوبها كثير من الدخن.

أن تحارب أعداء كُثُر واضحون خير من أن تحارب عدوًا واحدًا يُخفي عداوته. فما بالك بأعداء كُثُر يخفون عداوتهم؟ أعداؤنا في الداخل متمثلون في المنظومة التربوية والأخلاقية والتعليمية وبلا شك في المنظومة الحكومية أو السياسية. ألا قاتل الله هؤلاء الخونة، يلبسون ثوب الوطنية والكرامة والقومية، وإن هذا النوع من الأعداء أشد خطرًا علينا من المحتل نفسه، لأن المحتل هو عدو ظاهر تسهل محاربته، لكن أشد المصائب، في هذا المهادن الذي يثبط العزائم ويفرغ الطاقات.

 معدات الحرب الآن ليست أسلحة ثقيلة، والذخيرة اليوم لم تعد معدنية ذات بارود بداخلها، ولكن الصراع الآن هو صراع فكري والذخيرة هي أفكار يتم بثها في أذهان الفرد العربي.

يقول المفكر علي شريعتي في كتابه (العودة إلى الذات): الغربي نفسه يقول للزنجي المفكر: لستَ صاحب ماضٍ، كنتَ دائمًا عبدًا، عبدًا للعرب أو للمصريين والآن أنت عبد للأوروبي. إذن فماذا يصبح معنى العودة إلى الذات بالنسبة للزنجي؟ إنه يقول للإفريقي: لستَ صاحب حضارة، لكنه يقول لنا: كنتم أصحاب حضارة. يقول له: إنك لا تستطيع أن تصنع حضارة، لكنه يقول لنا: لقد صنعتم حضارة. من هنا أنكر على الإفريقي حضارة ماضية. أما بالنسبة لنا فقد مَسَخَ ماضينا، والمسخُ أسوأ من الإنكار! ليته قال لنا: لم يكن لكم في الماضي دين عظيم، ولم يكن لديكم حضارة، أو علم، أو كتاب، أو آداب، لم يكن لكم شيء قط، حتى نُثبتَ لجيلِنا أننا كنا نمتلك كل شيء، إنهم لم يفعلوا ذلك.

ولا شك أن المفكر (علي شريعتي) مُحق، جعلنا الغربي نركن إلى حضارتنا الزائفة التي لم نشارك فيها بشيء سوى بسردها والعُجب بها، وصرنا نرتمي في أحضان الغربي كما يرتمي الرضيع في حضن أمه خوفًا منها.

لا حاجة لنا في أن نقول أن القدس عاصمة فلسطين، يرسمون في أذهان الشعوب أن الصراع ليس إلا صراع بين دولتين على عاصمة جميلة! يصورون الصراع على أنه صراع مادي بين جيرانين على قطعة من الأرض ربما يكون الحل الوسط له هو اقتسام هذه الأرض بالتساوي. وحقيقة الأمر هي أن فلسطين كلها لفلسطين، وفلسطين كلها للعرب وللمسلمين.

نزعم حب القدس وحب المسجد الأقصى، ومع كل تجاوز أقوم مزمجرًا ويبدو الغضب على قسمات وجهي! ما هكذا يُفقه الحب، الحب يعني أن تبذل وأن تحارب وألا تستسلم ولا تَخذُل. لن تكون النصرة بكلمات كهذي التي أكتبها، النصرة بالوعي والعمل. حتى قال أحد الأساتذة: تعلموا قبل أن تسودوا، ومن لم يقرأ تاريخه فسيعيش طفلًا ويموت طفلًا.

تبقى القضية في نفوس الصادقين الثائرين الراغبين في استرداد الحق، الحالمين بالسير على آثار أقدام عمر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد