في مواجهة الانتشار المفاجئ والسريع للوباء، أبسط ما يمكن عمله هو توفير بيئة نظيفة والبقاء بالمنازل مع تناول الغذاء الصحي، وتناول العلاج المناسب في حالة الإصابة بالعدوى، ولكن هذه الشروط البسيطة ليست في متناول جميع البشر، ونظرة سريعة على تاريخ الأوبئة في المائة عام الماضية، سنكتشف أن معظم الأوبئة الجديدة ظهرت وانتشرت نتيجة لغياب هذه الشروط، فمثلا ظهرت وانتشرت الإنفلونزا الإسبانية على أنقاض أوروبا المحطمة بعد الحرب العالمية الأولى، وضرب سارس وإنفلونزا الطيور وكورونا المناطق الرأسمالية التي تعتمد على العمالة الكثيفة مع ضعف إجراءات الأمان الشخصي والمجتمعي للعمال مثل الصين وهونج كونج وكوريا الجنوبية، وظهر الإيبولا والكوليرا والإيدز وإنفلونزا الخنازير في المناطق التي يقع سكانها تحت خط الفقر ويعانون من سوء التغذية ونقص الشديد في وسائل النظافة الشخصية والصحة العامة، مثل دول جنوب آسيا وجنوب الصحراء الأفريقية وأمريكا اللاتينية.

الحرب العالمية الأولى

ضربت الإنفلونزا الإسبانية أوروبا المحطمة، في الشهور الأخيرة من 1918، وقرب نهاية الحرب العالمية الأولى التي قتلت 20 مليون من البشر في الصراع الإمبريالي على الأسواق الناشئة والمواد الخام بالمستعمرات، انتشر المرض عبر الخنادق خلال المعارك الأخيرة ليصيب في عامين ما يزيد على 500 مليون شخص ويقتل حوالي 50 مليون، وترجع ضخامة أعداد وفيات هذا الفيروس إلى سوء التغذية، والمخيمات الطبية والمستشفيات العسكرية المكتظة بالمصابين مع سوء النظافة الصحية التي اتسمت بها تلك الفترة بين الجنود والضباط المحاربين، بالإضافة إلى حالة الفقر التي ضربت معظم سكان أوروبا والعالم في هذا الزمان.

التنين الصيني

منذ الثمانينيات، تحولت الصين تدريجيا عن رأسمالية الدولة، وتبنت الحكومة قانون السوق، ومنحت المديرين التنفيذيين وأصحاب الأعمال والمستثمرين حرية كبيرة في السعي من أجل تعزيز الأرباح، ولو كان هذا على حساب أجور العمال وأمنهم الوظيفي والوقائي، وهو ما جعل من الصين هدف لاستثمارات الشركات الرأسمالية الكبرى التي تريد عماله كثيفة بأجور زهيدة وشروط عمل واهية، ولهذا نجد أنه على الرغم من التباطؤ الملحوظ في الاستثمار الأجنبي المباشر على الصعيد العالمي في 2018 والأعوام التالية، شهد الاستثمار الأجنبي المباشر في الصين ارتفاعا كميا ونوعيا، فوفقا لبيانات مصلحة الدولة للإحصاء ووزارة التجارة الصينية، زادت الاستثمارات الأجنبية المباشرة في الصين بنسبة 4% في عام 2018، ووصلت إلى أعلى مستوى لها بقيمة 139 مليار دولار أمريكي، أي ما يعادل أكثر من 10% من الاستثمار الأجنبي المباشر في العالم. للتتحول الصين إلى ثاني أكبر دولة مستقبلة للاستثمار الأجنبي المباشر في العالم.

ولكن هذا كان على حساب العمال، عبر حالات التكدس الكبير داخل مواقع العمل والإنتاج، التي صارت قائمة على استخدام العمالة الرخيصة بكثافة ولساعات طويلة، حيث يعمل العامل الصيني بمتوسط 2200 ساعة سنويا وهو معدل كبير مقارنة بالولايات المتحدة الأمريكية 1790 سنويا، وهولندا 1419 ساعة، وألمانيا 1371، واليابان 1719، وهذا وفقًا لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. في ظل تدن شديد لشروط السكن، والإقامة الجزئية بأماكن العمل، مثلا شركة بايشانكلاور تضع أسرة دورين بمكان العمل لنوم العمالة، وشركة علي بابا تنصب الخيام في مواقع العمل، وشركة هواوي اشتهرت بأنها صاحبة فلسفة الفراش حيث تضع تحت كل طاولة عمل فرش رقيق للنوم.

يضاف إلى هذا، الاختلاط الدائم والكثيف بين البشر والحيوانات بالأحياء الفقيرة، والعدد الكبير من أسواق الحيوانات الحية التي تفتقر لأبسط مقومات السلامة الصحية. كل هذا أدى إلى حدوث عدوى جماعية متكررة، نتج عنها طفرات كمية ونوعية في طبيعة فيروس مثل الإنفلونزا الموسمية الذي يستوطن هذه المناطق، خاصة وأن هذا الفيروس ذو شريط RNA أحادي قصير، لتنتج هذه الطفرات فيروسات جديدة.

مثل فيروس سارس في 2003 الذي ظهر في الأسواق المزدحمة بالصين، منتقلا من الخفافيش إلى البشر لينتشر إلى 24 دولة، ووصلت نسبة الوفيات نتيجة الإصابة به إلى 10% من المصابين. وفيروس إنفلونزا الطيور، الذي ظهر في المزارع الرأسمالية المزدحمة بالصين وهونج كونج، منتقلا من الدواجن والطيور البرية إلى البشر، ووصلت نسبة الوفيات نتيجة الإصابة به إلى 60%
وأخيرا فيروس كورونا، الذي خرج من الأسواق المكتظة بالبشر والحيوانات بمدينة وهان الصينية التي تعد من أكبر المراكز الاقتصادية كثيفة العمالة بالصين، لينتشر منها إلى معظم دول العالم ويصيب ملايين البشر، بمعدل وفيات يتراوح ما بين 0.5% في بعض الدول ويتخطى الـ4% في دول أخرى، ومعدل الوفيات يتوقف بالأساس على مدى قوة المنظومة الصحية بهذه الدول.

أوبئة تحت خط الفقر

وفقًا للبنك الدولي 85% ممن يعيشون تحت خط الفقر المدقع يعيشون بجنوب آسيا وجنوب الصحراء الأفريقية وأمريكا اللاتينية، وتتجاوز نسب الفقر في دول مثل بوركينا فاسو وتشاد وأثيوبيا والنيجر وجنوب السودان 90% من عدد السكان، وهناك 368 مليون يعيشون تحت خط الفقر المدقع في خمس دول هي الهند ونيجيريا والكونغو وأثيوبيا وبنجلاديش، كما يعيش 167 مليون من سكان أمريكا اللاتينية تحت خط الفقر المدقع وفقا للجنة الاقتصادية لأمريكا اللاتينية «إبلاك».
في جنوب السودان كان أول ظهور لفيروس الإيبولا عام 1979، ومن بعدها شهدت أفريقيا 24 حالة تفشي حتى 2013، نتج عنها 1716 حالة وفاة، ثم كان التفشي الأكبر في 2014 عندما اجتاح الوباء غينيا وسيراليون وليبريا ونيجيريا والسنغال ووصلت نسبة وفيات من أصيبوا به إلى 90% في غرب أفريقيا الوسطى.

ظهر مرض نقص المناعة المكتسبة (الإيدز) للمرة الأولى، واليوم هناك37.9 مليون مصاب بالفيروس يعيش 67% منهم (حوالي 25.7 مليون) في دول جنوب الصحراء الأفريقية، حيث تصل نسبة الإصابة ببعض تلك الدول شخص من كل ثلاثة أشخاص، وصلت أعداد الوفيات نتيجة الفيروس إلى 32 مليون شخص 75% منها جنوب الصحراء الأفريقية.

مرض الكوليرا الذي ينتج بالأساس عن تلوث الطعام والمياه، أصاب 5 مليون نسمة في الهند وبنجلاديش واندونيسيا وأمريكا الجنوبية في الفترة ما بين 1961 و1975 ووصل عدد الوفيات نتيجة الإصابة به إلى 300 ألف وفاة سنويا، ثم تطور إلى شكل جديد في 2010 وضرب المكسيك وسيراليون وجنوب السودان وباكستان وكلها دول بها نسب فقر وتلوث عالية ولا يتوفر لسكانها رعاية صحية كافية.

فيروس إنفلونزا الخنازير، ظهر في 2009 بالمزارع الرأسمالية الضخمة للخنازير بالمكسيك، وانتقل منها إلى البشر، لينتشر منها إلى العالم ويودي بحياة 575 ألف شخص حول العالم، وتعد المكسيك من البلاد كثيفة السكان والتي تصل نسبة الفقر بها إلى 41%.

هل البشر أمام الأوبئة سواء؟

وهنا تجب الإشارة إلى أنه من الصحيح أن كل البشر بيولوجيا أمام الأوبئة سواء، حيث إن المرض ينتقل بنفس الطريقة إلى الجميع، ولكن هناك بشرًا أكثر عرضة للإصابة من آخرين، وهم من يعيشون تحت خط الفقر مكدسين في بيئة غير نظيفة وغير صحية، يعانون من أمراض سوء التغذية وضعف جهاز المناعة، كما أنه عند الإصابة بالمرض، مستوى الرعاية الصحية عند الفقراء أقل بما لا يقاس بمستوى الرعاية الصحية عند الأغنياء، وبالتالي نعم الفيروس لا يفرق بيولوجيا بين البشر، ولكن المجتمع يفرق بينهم على أساس دول غنية ودول فقيرة، وحتى داخل الدولة الواحدة يتم التفرقة بينهم طبقيًا إلى أغنياء وفقراء.

فمثلا في دولة مثل أوغندا تصل نسبة الفقر في العاصمة كمبالا إلى 6% بينما ترتفع النسبة إلى 96% في منطقة كاراموجا، بل أن 20% من سكان إنجلترا نفسها يعيشون تحت خط الفقر وينتظر أطفالهم وجبات المدارس.
إن ظهور وانتشار الأوبئة، وعدم جاهزية الأنظمة الصحية للدول لمواجهتها، أحد النتائج المترتبة على الدمج غير المتكافئ لاقتصاد الدول النامية، الأقل تقدما على طريق الرأسمالية، في النظام الرأسمالي العالمي، وهو ما خلق طبقات رأسمالية هشة بهذه الدول ترتبط مصالحها بالمراكز الرأسمالية على حساب إفقار باقي السكان، نتاج فرض سياسات التقشف والإفقار وإلغاء الدعم لفتح الأسواق للقطاع الخاص، نتاج خفض الإنفاق العام على الصحة والتعليم لصالح الاستثمار في الصحة والتعليم، نتاج فرض شروط عمل مجحفة لتوفير يد عاملة رخيصة تكد في خدمة رأس المال.
أعلنت منظمة الصحة العالمية أن العالم شهد في الثلاثين عامًا الماضية ظهور ما يعادل مرض وبائي جديد كل سنة، وهو مؤشر خطير على أن الرأسمالية تدخل الكوكب عصر الأوبئة.

ولكن بدلًا من أن يتكاتف سكان العالم من أجل تسريع عجلة التطور العلمي لمواجهة المخاطر والكوارث التي تهدد الكوكب الآن وفي المستقبل، والإنفاق على تحسين منظومة الرعاية الصحية بالدول النامية، والقضاء على الفقر وتحسين شروط وبيئة العمل بدول جنوب شرق أسيا وأمريكا الجنوبية وأفريقيا، ينشغل النظام بإنفاق المليارات من أجل إنقاذ أقلية من الأزمة المالية، حيث ضخت الحكومة الأمريكية حزمًا اقتصادية بقيمة تريليون دولار وأعلنت فرنسا عن حزم مساعدات بقيمة 300 مليار يورو لحماية الشركات من الإفلاس، وفي مصر خصصت الحكومة 100 مليار جنيه لمواجهة كورونا، خصص منها 187 مليون فقط للصحة والباقي لدعم البورصة ورجال الأعمال.
ليس هذا فقط، بل إن ما يدور داخل النظام من نقاشات وقت انتشار الوباء، يكون حول تأثيرات الوباء على الاقتصاد، فتجد الحوارات داخل أنديتهم تتكلم عن التباطؤ والركود وخروج شركات من السوق، كما أن ترتيب أولويات النظام العالمي الحالي ترتبط بمدى ما يحدثه الوباء من ضرر على الاقتصاد، بل وأحيانا عن كيفية توجيه النشاط الاقتصادي للاستثمار في تأثيرات الوباء بهدف تحقيق الأرباح.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد