تمثل فكرة زنجي البيت عند مالكوم إكس التعبير عن طبقة من العبيد كانت مسؤولة عن إدارة باقي العبيد الذين يعملون عند السيد الأبيض ويطلق عليهم زنوج الحقل.

وتستلزم وظيفة زنوج البيت تمييزها عن زنوج الحقل لكي تقوم بمهامها حيث يكون التمييز بعدة أمور واضحة مثل أن تقيم في المنزل وليس في الحقل بما يجعلها تنعم بمستوى إقامة مرتفع ومختلف عن زنوج الحقل وكذلك أن تكون ملابسها مشابهة لملابس السادة وليست ملابس العمل الرثة التي يلبسها زنوج الحقل وأن يمارسوا أسلوب السيد الأبيض في مأكلهم وتعاملاتهم.

وينتج عن تمييز زنوج البيت سلوكيات معبرة عن مكاسبهم وتمسكهم بهذه المكاسب كالولاء التام للسيد الأبيض والشدة في إدارة زنوج الحقل بما يحقق أعلى استفادة للسيد الأبيض وكذلك الذوبان التام في السيد الأبيض من خلال انتهاج طريقة في الحديث تتميز بالتوحد مع هذا السيد فيكون استخدام صيغة الجمع للتعبير عن مختلف الأحداث، فإذا مرض السيد الأبيض كان التساؤل الذي يوجهه زنجي البيت لسيده «هل نحن مرضى يا سيدي؟» وإذا أصابته مصيبة أو مشكلة كان تساؤل زنجي البيت هو «هل نحن بخير سيدي؟». أما زنجي الحقل فهو طامح دائمًا إلى الهروب من سيده طلبًا للحرية وإنهاءً لجحيمه الذي يحياه في ظل هذا التقسيم.

وبالرغم من انتهاء العبودية بشكلها المباشر إلا أن الرأسمالية الإمبريالية أعادت إنتاج فكرة العبودية في ثوب جديد. فالسيد الأبيض توارى خلف كيانات عملاقة سُميت بالشركات الدولية أو متعددة الجنسيات حيث أقامت العديد من الفروع في الدول الفقيرة لخفض التكلفة، حيث أصبحت هذه الدول موردًا لعبيد الحقل منخفضي الكلفة بسبب ظروف العمل والمعيشة غير الآدمية في كثير من الأحيان بالإضافة إلى انخفاض الأجور بما يكفي بالكاد لسد الحاجات الأساسية.

ثم استبدلت هذه الكيانات العملاقة زنجي البيت بطبقة من المديرين تحيا في مستوى اجتماعي يشابه مستوى السادة وتعمل على الحفاظ على الكيان الذي تديره وفق رغبات السادة وتعمل على استمراريته وتقدمه، أما زنوج الحقل فهم ببساطة صغار الموظفين والعمال الذين يعملون تحت إمرة السيد الأبيض بإدارة زنجي البيت.

ويظهر تطابق السلوك بين نموذج زنوج الحقل وزنوج البيت من جهة وبين واقع الشركات الدولية من جهة أخرى تطابقًا تامًا في كافة المظاهر، فالسيد الأبيض يمارس تسلطه وزيادة ثروته من وراء حجاب الشركة التي كونها في معظم الأحوال من واقع التمييز الطبقي بوجوده في طبقة الملاك ميلادًا ونشأة وإرثًا بالإضافة إلى انتسابه للدول المستعمرة التي تعيش إلى الآن على موارد مستعمراتها كما تُمارس طبقة المديرين دور زنوج البيت من حيث التماهي مع السيد الأبيض ملبسًا ولغة وسلوكًا تماهيًا يصل لدرجة التوحد حيث تمثل الشركة لهم مرجعية نهائية في أوامرها ونواهيها بما يحقق مصلحتها واستمراريتها فتشتد في إدارة صغار الموظفين والعمال من زنوج الحقل بما يحقق مصالح وأهداف السادة.

ومن أشد الإدارات تجسيدًا لدور زنجي البيت، إدارة الموارد البشرية والتي يظهر من اسمها سمتان رئيسيتان: السمة الأولى  توصيف البشر في صورة مورد من موارد الشركة كالمعدات والآلات والسيارات والمباني مع الاحتفاظ بتمييزها البشري عن باقي الموارد غير البشرية، أما السمة الثانية فهي تحديد وظيفتها في اختصاصها بإدارة المورد البشري بكل الطرق الممكنة لتحقيق أهداف الشركة (السيد الأبيض).

ورغم ما ينسب لهذه الإدارات خاصة في نموذجها الغربي من العمل على تدريب الموظفين وزيادة مهاراتهم وتحقيق سبل الرعاية الاجتماعية والإنسانية الخاصة بهم، إلا أن واقع الأمر أن هذه الأعمال لا تهدف إلا لتحسين ظروف عبيد الحقل لتحقيق إنتاجية أعلى ومحاولة إقناعهم بوجود إمكانية للترقي إلى مصاف زنوج البيت.

أما في المستعمرات بلاد عبيد الحقل منخفضي الكلفة فتهتم هذه الإدارات بمتابعة العاملين ومراقبتهم من خلال أنظمة عقابية شديدة بهدف الحفاظ على مستويات العمل المطلوبة دون النظر إلى الاحتياجات الإنسانية للعامل الذي يحيا فقط كوقود لإدارة دولاب العمل الضخم على حساب إنسانيته وحياته، ففي نهاية اليوم تكون مكافأة العامل عن مدى تنازله عن حياته الخاصة لصالح الشركة أما هاجس هروب هذا العامل فيكاد ينتفي تمامًا لإدراك زنجي الحقل أن هروبه لن يكون إلا إلى سيد جديد وجحيم جديد فلا فائدة من الهرب.

لقد أعادت الرأسمالية إنتاج العبودية في شكل جديد براق من خلال خلق تنافسية بين العبيد للترقي في السلم الوظيفي من طبقة زنوج الحقل إلى طبقة زنوج البيت في الدول المستعمِرة (بكسر الميم) وتثبيت الهياكل الوظيفية في المستعمرات لصالح إنهاء أي احتمال للهروب من قبضتها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الرأسمالية
عرض التعليقات
تحميل المزيد