بعد استقلال الجزائر سنة 1962 خلف الاستعمار الفرنسي اقتصادًا منهارًا كليًّا، بل دولة كاملة منهارة كليا، لهذا كان يستلزم وضع برامج صارمة بعد الاستقلال للنهوض بالدولة الجزائرية وبعثها من جديد خاصة في الجانب الاقتصادي، فتوجب تبني نهج اقتصادي مناسب للوضع الذي كانت تعيشه الجزائر آنذاك. ومع التقهقر الكلي مع البنى التحتية وظاهرة الفقر المدقع والجهل المتفشي، كان يرى قادة ذلك الوقت أن النظام الاقتصادي الاشتراكي هو الأنسب لتلك الفترة.

فبعد تولي الرئيس بن بلة الحكم الذي كان هو الآخر اشتراكيا أصبحت الجزائر في فلك الدول الاشتراكية لكن هل نجح فعلا هذا النظام الاقتصادي؟ وهل تعتبر الجزائر دولة اشتراكية إلى يومنا؟

إن الوضع الذي كانت تعيشه الجزائر في فترة ما بعد الاستقلال، هو الذي فرض تبني النهج الاشتراكي كونه يقوم على توزيع الثروات بشكل متساوٍ وعلى الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج وكون الشعب الجزائري كان يعيش تحت خط الفقر في تلك الفترة بإلاضافة إلى أن الدول المتحررة حديثا كانت تتجه للاشتراكية للتخلص من النظام الاستعماري وبقاياه، خاصة وأن الدول المستعمرة كانت رأس مالية، بالإضافة إلى أن الدول الاشتراكية دعمت بقوة الثورة الجزائرية. فرأى صناع الثورة أنه من غير اللائق الانحراف عن المحور الاشتراكي الذي كان داعمًا له في وجه قوة رأس مالية كانت تستهدف دحض الدولة الجزائرية. وبهذا أضحت الجزائر من الدول الاشتراكية في العالم.

 لكن لم تكن اشتراكية بالمعنى الكامل فبن بلة اختار أن تكون اشتراكية مشرعنة من خلال استحضار مشاهد من التاريخ الإسلامي والربط بينها وبين الاشتراكية التي لم تكن نتاجا إسلاميا بالطبع، هذا في بداية الأمر لكن تأثر الرئيس الأول للجزائر المستقلة بالثقافة الاشتراكية اليسارية إلى حد كبير جعله يشرع في تطبيق الثقافة الاشتراكية اليسارية بحذافرها مما سبب تصادمًا بينه وبين بعض المفكرين الإسلاميين، أمثال البشير الإبراهيمي. ومن هنا بدأ التوتر بين الشخصيات الفاعلة في ثورة التحرير وجاء سقوط أحمد بن بلة إثر الانقلاب العسكري الذي قاده هواري بومدين الذراع الأيمن لبن بلة يوم 19 يونيو (جوان) 1965 الذي أسماه بالتصحيح الثوري لأنه رأى أن رفيق دربه بن بلة بدأ يحيد عن المبادئ الأساسية للثورة من خلال محاولته تطبيق أفكار الاشتراكية اليسارية. وتولى بعدها الحكم واستمر في النهج الاشتراكي وهو ما كان متوقعًا لأن بومدين كان يرى أنه حامل رسالة العدالة وخدمة الفقراء وأنه سيطبق «اشتراكية مثالية» غير التي سعى إليها بن بلة.

لجأ بومدين إلى مشروع تنموي خص به القطاع الزراعي، فأطلق شعار الأرض لمن يخدمها. وهو ما لاقى إقبالا شعبيا واسع النظير خاصة مشروع القرى الاشتراكية التي تم تأسيسها في السبعينيات في المناطق الداخلية النائية وهو عبارة عن أراض يسكنها الفلاحون ويشتغلون فيها لصالح الدولة. لقد كان يرى أن مشروعه هو التوزيع العادل للثروات وهو الذي سيملأ به خزينة الدولة، لأن القطاع الزراعي كان هو العنصر المحرك للمجتمع وقتها.

تميزت فترة حكم بومدين بالتأميمات وبمصادرة الأملاك الخاصة وهو ما أثار حفيظة المواطنين وعبروا عنه من خلال تخريب الممتلكات العامة.

توفي بومدين سنة 1978 ولم يكتمل مشروعه الزراعي وتولى بعده الحكم الشاذلي بن جديد، الذي كان شخصية عسكرية ليبيرالية والذي حاول تغيير الأيديولوجية الاشتراكية من خلال إلغاء مشاريع بومدين الكبيرة فقد أرجع الأراضي المؤممة إلى أصحابها وأرخى العنان للقطاع الخاص. كما قام بن جديد بزيارة العاصمة باريس والذي كان في تلك الفترة السابقة الأولى من نوعها فهو خالف بذلك البروتوكول الجزائري الذي يقضي بعدم زيارة عاصمة العدو الفرنسي، حيث قال عنها بومدين سابقا: «بيننا وبين فرنسا جبال من الحبال وأنهار من الدماء».

كان بن جديد يهدف من خلال سياسته إلى التخلص من النظام الاشتراكي والانتقال إلى الليبرالية، فبدأ بترميم العلاقات الجزائرية مع الغرب بعد أن تخلص من كل الشخصيات السياسية الاشتراكية التي كان يعتمد عليها بومدين.

ولسوء حظ الشاذلي بن جديد أنه في فترة حكمه عرفت الجزائر تراكم الديون وانخفاض أسعار النفط وأزمة التضخم، مما دفع بالشعب إلى الخروج إلى الشارع ورفض واقعه والمطالبة بجملة من الإصلاحات ومساحة أكبر للحرية وهو ما عرف بأحداث أكتوبر 1988 الشهيرة والتي تعتبر نقطة التحول من الأحادية إلى التعددية حتى وإن كانت شكلية وافتراضية إلى يومنا.

تخلت الجزائر بعد أكتوبر 88 عن لقب الاشتراكية والأحادية الحزبية وأجرت أول انتخابات تشريعية في زمن جزائر التعددية التي ألغيت بعدها وعاشت الجزائر عشرية دموية، وأتت فترة حكم بوتفليقة أطول فترة حكم في الجزائر والتي دامت 20 سنة ظلت فيها الجزائر تحت مسمى الرأسمالية وهو ما لم يكن إطلاقًا.

فشلت الاشتراكية في الجزائر، لأنها نشرت الفساد والبيروقراطية والديكتاتورية ولم تقض على الفقر ولم تنمِ الاقتصاد الوطني بل زادته سوءا، فأصبحت كل مؤسسة عمومية رمزًا للفشل والرداءة وحتى الرأسمالية بالمعنى الجزائري لم تنجح، لأنها في الحقيقة اشتراكية في ثوب الرأسمالية، فالدولة تتدخل في تسيير المؤسسات الخاصة وتفرض عليها ضرائب خيالية.

فلم ننجح في هذا ولا ذاك بعد 58 سنة من المحاولة وإعادة المحاولة، والتي باءت كلها بالفشل، يحق لنا أن نطمح في جزائر ليبرالية رأسمالية تقدس الحرية الفردية وتشجع الجهد الفردي الخاص. فهل كانت ستنجح الجزائر لو تبنت النهج الرأسمالي الحقيقي؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد