قيمة الذبيحة إكرامها.. بين ذابحٍ أكرَمَ ذبيحتَه، وآخَر أهانها.

مازالت غريزة الأمومة، وبروز بطن الحَمل في حالة أن استُجيبَ لها، هوالشبحُ الأرعَن، والمارِدُ الذي لا يُصرِفُه طلسَم، العفريت الذي لا تنجعُ في طرده تعويذة، الذي ما زال يُطارِدُ أرباب رؤوس الأموال، وأولياء نِعمتِها، فيُزعِجهم وسط هدْأة أحلامهم، ويُفسِد عليهم سكناتِ آمالِهم.

فإنه يحتَجِنُ دونهم تلك العامِلة الموظفة، الصبورة الدؤوبة حوْلًا كامِلًا، مُفرِغةً يدها من الفأسِ الذي يحتطِبُ لِمواقِدِهم، ومن القدّوم الذي يَبذُر الحبَّ في حقولِهِم، تاركةً وراءها ثلمة لا تُرقَع، وشرخًا لا يندمِل، فيتجشمون من غيابِها خسائر تُقَرِّحُ مآقيهم، وحسراتٍ تُجفِّفُ بلاعِمهُم، مما جعل هؤلاء المضرورين يقفون على مرِّ الأزمان أمام هذا الخطب موقِف السبع المُفترِس، المُشاكِ بشوكةٍ آلِمةٍ أسفَل قدمه.

المجتَمع الغربي يدعي أنه قد وصل إلى حلٍّ أمثل، أنصَف فيه المرأة كل الإنصاف؛ فقد حثَّت شركات كبيرة، مثل «فيسبوك» و«أبل»، النساء العامِلات فيها أن يُجرينَ عملية تجميد البويضات! بغرض التركيزِ على مآرب وظيفتهن وشؤونها في وقتِهِن الراهِن، دون الخوف من ضياعِ حقِّهِن في الأمومة، رغم تقدمهن في السن.

أما عن هذه العملية، فهي تحدث عن طريق تحفيز مبيض المرأة كيميائيًّا على إفراز البويضة، ثم يُختَرَقُ جدار مبهلها بإبرة مخصصة، أشبه ما تكون بجهاز شفط، يقوم بسحب البويضة من المبيض، فتُستخرَج من المرأة لِتُحفظ وتُجمَّد في ظروفٍ جد دقيقة، وجد مُكلِّفة! على نية أن تعود المرأة لاستخدمها حين الحاجة بعد عشرة أو عشرين عامًا، فيعاد إذابتها لتتمكن من حملِ جنينٍ في رحمها تزامُنا مع قبض ورقة نهاية الخدمة من مقرِّ عملها بعد سن الخمسين أو قبلها بقليل! لأن الرحم لا يشيخ مع تقدم العمر بعكس البويضات.

وقد تعهَّدت الشركات أن يتكلفن مصاريف هذه العملية بالكامل، التي يترتب عليها دفع أتعاب الظروف المُكلِّفة التي تُحفظُ فيها البويضة على مدارِ ليالي السنوات التي فيها جُمِّدَت، فللمتخيِّل أن يتخيل جمع مجموع فواتير الآلاف السيدات العاملات!

وهنا يتأمل المتأمِّل ويتعجب المتعجِّب، ما الذي يحمل صاحب الشأن أن يكلَف بهذه المصاريف التي تعدُّ ضربًا من ضروب الخيال! إلا أنه تيقَّن كل اليقين أن ما هي إلا ثمن الطُّعم الذي يبدله الصياد من ذات جيبه، قبل أن يرميه بصنارته في قعر البحر أن يظفر بعده بما يجاوِزُه أطنانًا.

ما كلف بها كل ذلك الكلف لأنها أتقنُ عملًا من الرجل، أو أوسع منه حيلة، أو أوفرَ منه دُربة، بل لأنه علِم من خلال تجربته معها وهي تأتمِرُ بأوامِره، داخل أسوار معامِله، وبين شبابيك شركته، أن خالِقها أودَعها في سريرة نفسها وديعة ما أودعَ مثلها لغيرها، منها ما تتصبَّرُ به أمام ضوضاء فلذات أكبادها ما لا يقدر رجلٌ عليه أن يتصبَّره مثله، فاشتراه منها ذلك الشاري تتصبَّر به أمامَ ضوضاء زبائنه وجلباتِ عامليه، ومنها تلك العاطفة التي تُضحي بها مجبولة من ذات نفسِها في سبيل راحة من جعل لها الله على قلوبهم سُلطان، فاشتراها منها ذلك الشاري تضحي بها في سيبل ملء خزائنه، وإشباع بزوغ أسهُمِه، ومنها ما تتزيَّن به أن تُطفِئ نار الكَدِّ في صدر من استحقق حقَّ النظر في زينتها، وتُبدِلها بحرِّ الوَجْدْ، فاشتراه منها ذلك الشاري تجبُرُ به خاطِر الشاري الساخِط، وتَرُدُّ به الدائنُ الحانِق، صوتًا عذبًا تُروِّح به عن النفوس المولعات، فاشتراه منها تسترِقُّ به أكباد الزبائن المتصلين من وراء السماعات، فما كان كلفه بها إلا شراءً لبضاعة لا تُعيَّرُ بثمن!

لكن إن حملنا أنفسنا أن ننظر إلى هذا الإقدام نظرة المنصِف المُجرَّد من الأهواء، ورغم كلّ الأعراض العديدة التي تُصاب بها المرأة من جراء حقنها بالحُقن التي تحفز المبيض، منها أنها قد تُبتلى بتضخُّمه فيودي بحياتها، بالإضافة إلى غير ذلك كثير، وأن نسبة نجاح عملية الحمل جد ضئيلة، وبصرف النظر عن مصير طفل في العاشرة ألفى أمه في السنة السبعين إن نجحَت! ورغم أنها صفقة التاجر اللص الماكِر ببضاعة الزبون الساذج المنخوب، فإننا لا يسعنا إلا أن نشيد بأنهم أنصفوها في حقها إلى حد كبير، فعلى الأقل هم لم يغلِبوها على حقها كل الغلب، ولم ينكروه عليها كل الإنكار، بل ما  زالوا يُقِرون بأنه حق من حقوقها، وواجبٌ سامٍ، ولا بد أن يُستجاب له.

أما إن رميتَ بصرك إلى المجتمع العربي، فإنهم سلكوا إليها مُختصَر الطُّرُق وأخسه، فقد أُضيفَ مخلَبُ أربابِ رؤوس الأموالِ إلى مخالِب من كان قد أراد بالأمة شرًّا قبله، فكانوا له خير الدالِّ والمُعين، يُرشِدونه لما أهمَلَ ويُنبِّهونه إلى ما أغفَل، حتى برز بينهم هو أشدُّهم خَلبًا، وأشرسهم نخْرًا، فلم يعترف لها بحقٍّ، ولا سلَّم لها بواجِب، وإنه لم يترك وسيلة نقلِ خبَرٍ مما يُسمَعُ بها أو يُشاهَدُ أو يُقرأ، إلا وأخبرَها من ورائها أن الأمومة سوءة تُساء بها المرأة، وفعلٌ تُشانُ به، وجُرمٌ يُنزَع بها حقها من العيش الرغد الطيب، وأن سلعة المُدير في حجرها أشرف وأحدث من لحمة طفلٍ في حضنها، وأن قلمًا في يدها مستفيضًا لإبرام الصفقات، أخيَرُ من ثديٍ في يدها فيَّاض لإسكات الصرخات، وما زالوا يصوِّغون لها ذلك الرجل الذي كتب عليها عقدًا في أبشع الصور، وأنه في جسدها كل ليل كالغازي الذي يستبيح أرض القساوِسة العُزَّل، وأنه كالكبش الأقرن الذي ينطح الشاة العضباء، حتى لم يبق في الدنيا أبغض إليها منه، وما زالوا يتربصون بها الدوائر حتى استطاعوا أن ينفدوا إلى صندوق الفطرة السوية التي فطرها الله عليها، وإنهم معتكفون على قفله يُبادِلون على فتحاته القُضُب والمفكاتِ حتى عالجوا وَصلتَه، فزحفوا إليه يعبثون بأزراره عبث العازِف بأزرار آلته، حتى لفظتها مجاري الطرقات لفض البلاعات الفئران المفلوجة، وخرجت من مسالِك الممرات خروج البعرِ من مخارِجِه، كلٌّ ذابِح، إلا أن هناك من أكرَم ذبيحته، وآخر أهانها.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد