كي تنجح الرأسمالية فلا بد من دولة لديها قانون حقيقي ولا مركزية حكومية، الفساد الإداري والمالي يحول أصحاب رأس المال لجبابرة وطواغيت ملعونة في ظل مستوى تعليمي غير مناسب للمشروعات الصغيرة الخاصة التي تعتمد على الابتكار والتفكير الإبداعي، وعدم وجود القوانين الصارمة يؤدي لعدم الثقة في العمل الخاص وانعدام الأمان الوظيفي؛ فتلجأ الكفاءات إلى الهروب من سوق العمل.

الحقيقة المواطن لا يعلم من يكون؟

الوجه يقول إن المواطن يتلقى دعمًا في التموين والتعليم والصحة، وهذا أقرب إلى اقتصاد اشتراكي، وقبل أن أذكر الباطن، فالوجه نفسه يظهر أن الدعم غير حقيقي، فماذا تفعل 20 أو 30 أو… دعمًا تموينيًّا للسلع الأساسية في ظل كيلو سكر كسر حاجز الـ15 جنيهًا، أيضًا الوجه نفسه يبين أن الدولة منعت فعليًّا أي نشاط تنموي للبنية التحتية والعملية الإنتاجية وتوجيه المجتمع للاستهلاك بتغييب الوعي كأكبر عوامل دمار الأمم، هذا ما جعل المجتمع شهوانيًا له حاجة لا يستطيع تحجيمها.

-عدم الاستقرار السياسي وقمع الحريات بجانب مجتمع الاستهلاك الكبير، كان لهما دور كبير في هروب رؤوس الأموال أو توجيهها للتربح من عملية التجارة وحركة السلع للداخل أي الاستيراد فقط.

إن كانت تواجهنا مشكلة في توزيع الثروة، أو تحديد أجور عادلة، فهذا أمر حقيقي، إنما الكارثة الأكبر تتركز في إهدار الموارد الموجودة، أو سوء استغلالها – مع العلم بكفاية تلك الموارد.

يمكننا توفير مليارات الجنيهات فقط من وضع إطار اقتصادي طبيعي للبيئة التعليمية «السيطرة على مافيا الدروس الخصوصية»، والبيئة الصحية «المستشفيات والعيادات الخاصة» في مصر، وضبط الأسواق «الاحتكار»، وحماية القانون «تعديل القوانين الباهتة وهيكلة القضاء»، والتعديل في النظام الإداري بالدولة «إعمال التكنولوجيا».

سيطرة رأس المال لن تنتهي طالما أنها تغلغلت في كل مفاصل الدولة «الأمنية والقضائية»؛ فحينما ترى الجيش أكبر مقاول أنفار في الدولة، وترى الشرطة موظف جباية، والقضاء يحكم بقوانين تم إصدارها ببرلمان أعضاؤه هم أصحاب رؤوس الأموال، فهنا لن يتغير شيء.

إن المشكلة ليست في موظف فاسد؛ فلو كان لتم تغييره، لكن المشكلة في نظام أجبر الموظف على الفساد وسهل وقنن له فساده.

نظام «البركة» المتبع في القرارات الاقتصادية أو الإملاءات الاقتصادية من البنك الدولي سوف يدمر الاقتصاد في الشهور القادمة باعتراف البنك الدولي نفسه.

لو أن المنح والمساعدات الخليجية تم توجيهها لاستثمار حقيقي، لكان الوضع تغير للأفضل، لكن دائمًا ما نذكر قول الله «إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ».

الرأسمالية تعني نظام السوق المفتوح؛ إذ يقوم التجار بعرض بضاعتهم بأسعار تنافسية، فيقوم المشتري باختيار السعر والجودة المناسبين، دون تدخل الدولة في عملية البيع، نظرًا لأن آليه السوق هي العرض والطلب، وليس الإجبار على شراء سلع معينة.

إنما يفترض أن تدخل الدولة يتلخص في وضع القوانين المانعة لاحتكار تاجر لسعلة معينة؛ فيسقط بهذا شرط التنافسية، ويكون المشتري مجبرًا على الشراء بجودة وسعر محددين من قبل التاجر المحتكر، كما أن الدولة يفترض أن تضع الحد الأدنى من شروط جودة المنتج والخدمة المقدمة لجمهور المستهلكين؛ إذ إن هذا يدخل تحت إطار مهام الحكومة في الحفاظ على المواطن من عمليات الغش التجاري والمساس بالحقوق الصحية للمواطن.

بعد أن فرضت القوة الاحتكارية نفوذها على الاقتصاد في ظل «الرأسمالية» التي تدعم الملكية الخاصة في مواجهة الملكية العامة لموارد ولوازم الإنتاج أصبحت قوة المال تعتلي فراش السياسة، وأصبحت الدولة تحت سيطرة التجار «رأس المال».

بعد تضاؤل أرباح القطاع العام وزيادة النفقات «غلاء الأسعار وزيادة الحاجات في سوق الاستهلاك الكبير الذي فرضه المحتكرون لتحقيق الربح» وتغلغل الفساد للجهاز الإداري عن طريق استغلال احتياج الموظفين «الرشاوى- المحسوبية» أدى في النهاية لتفكير الحكومات في تقنين الفساد عبر صياغة قوانين تخدم مصالحهم الاقتصادية. ودخلت الحكومة السوق عن طريق وجه كاذب يدعى «الاقتصاد الاجتماعي» التي تظهر فيه في ثوب الورع الذي يخدم الفقراء ويدعمهم عن طريق «المصانع الحربية»، وكما ظهر الجيش موفرًا لـ«لبن الأطفال- اللحوم –ياميش رمضان- حل أزمة البوتاجاز» هذا الثوب الذي استطاع منه دخول السوق كأكبر محتكر اقتصادي يمتلك قوة المال، والقانون، والسلاح.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد