أحد أهم تجليات الرأسمالية في حياتنا تظهر بوضوح في خطاب التنمية البشرية والمحاضرات التي تقام في كل بقعة من المعمورة تحث الشباب على ضرورة الإنجاز والنجاح والتقدم، وأنه لا يوجد أحد أفضل منك، مع ضرب عشرات الأمثلة لأناس بدأو من الصفر، وأصبحوا الآن من أغنى عشرة في العالم، بينما أنت مازلت جالسًا في بيتك أيها الكسول! ومما أدى إلى تفاقم الوضع بشكل جنوني دخول شبكات التواصل في حياتنا، والتي بدورها تعزز الشعور بالتفرد والتمحور حول الذات، حتى أصبح من الواضح جدًا وجود خلل معرفي ينخر في ذهن الشباب، وتشوه في مفهوم النجاح؟ لهذا دعونا في البداية نبين أهم ثلاث سمات في خطاب التنمية البشرية الرأسمالي، ونوضح هل هو يعمل على تطوير الشباب ومساعدتهم للوصول إلى السعادة كما يدعي أم لا؟

السمة الأولى: الإنتاجية في مقابل السعادة! لما كانت الرأسمالية هي أحد أهم منتجات الحداثة، فهي بالأساس تركز على الماده وتدور في فلكها، ولا تبالي بأى بعد آخر، فمثلًا خطاب التنمية البشرية يركز بالأساس على كيف تكون ناجحًا، أو بعبارة أخرى كيف تكون أكثر إنتاجًا، ولا يركز على كيف تكون أكثر سعادة، وهذا إشكال خطير يتم التعامل فيه من الإنسان كما لو أنه (ماكينة في مصنع) فكلما كنت أكثر نتاجًا ستصبح أكثر نجاحًا، فهو خطاب في الأساس ينحي جانبا أي بعد إنساني، وكونك سعيدًا أم لا؟ فهو له معيار واحد، وهو الإنجاز والشهرة، فهو بالتالى يحكم على كل من لا يحقق الشهرة والنجاح أنه سيكون غير سعيد، أي أنه يحصر السعادة في الحياة في النجاح المادي والشهرة، بحيث أصبح توجه الشباب للسعي للإنجاز الوظيفي ظنًا منهم أنها تحتوى على إكسير السعادة الأبدية، بحيث أصبح الإنجاز المهني غاية في ذاته، بدلًا عن أن يكون وسيلة، وهذا ناتج بالأساس أن كل كتب التنمية البشرية كانت موجهة في بدايتها إلى الموظفين لزيادة إنتاجهم، ومحاوله لجعل العمل الوظيفي يكسب نوعًا من المعنى في حد ذاته، لكن لما انتشرت التنمية البشرية انتشار النار في الهشيم؛ نقلت هذا الخطاب – الذي لا يصلح إلا في إطار الشركات – إلى الحياة كلها، فبدلًا عن أن يكون الإنتاج والنجاح المادي أحد مسببات السعادة، أصبحت السعادة مقصورة على الإنتاج والنجاح فقط، لتصبح المعادلة: أكثر إنتاجا = أكثر سعادة!

السمة الثانية: عدم مراعاة البعد الإنساني:

ففي خطاب التنمية البشرية الرأسمالي يوجد معيارًا واحدًا للنجاح، معيار ثابت يقاس الناس كلهم إليه باختلاف قدراتهم ومواهبهم وظروفهم الاجتماعيه، وبالتالي يتم التعامل مع شباب مولود في بيئية جيدة مستقرة، وتوفر له كل احتياجاته وتساعده على تطوير نفسه، كما توفر له فرصة تعليم جيدة، وبالتالي فرصة عمل جيدة، بنفس الطريقة التي يتم التعالم بها مع شاب ولد في منطقه عشوائية لم يحظ بالحد الأدنى من احتياجاته، أو فرصة تعليم متوسطة حتى، وبالتالي عمل سيئ بطبيعة الحال!

الاثنان يتم التعامل معهم بنفس المقياس، والمطلوب أن يحققوا نفس النجاح، بل تجد الخطاب القائم متوجهًا إلى الشاب الثاني – الذي سيفشل بطبيعة الحال في تحقيق نفس نجاح الشاب الأول – خطاب ينحي أي بعد إنساني، ويفترض أن كل الناس سواسية، وعليهم أن يحققوا نفس الدرجة من النجاح، وإلا فالمشكلة فيهم، وأنهم لو بذلوا الجهد المطلوب؛ لكانوا الآن أكثر نجاحًا.

 في النهاية أنت تطلب من ساكن (عزبة الصفيح) أن يحقق نفس الرصيد في البنك، مثل ساكن التجمع الخامس، فإن فشل، فلا بد أن العيب فيه!

السمة الثالثة: عدم الغائية، وهو أيضًا أحد أهم منتجات الحداثة، وهو ما يمكن تسميته (العقل الآلي)، وهو يعني باختصار: التفكير في الآليات والوسائل والنتائج، مع عدم التفكير في الغاية من هذه الأفعال، المهم أن تسيقظ صباحًا للذهاب إلى العمل، وأن تطور ذاتك، لكن التفكير في غاية هذا العمل تعتبر أفكارًا ثانوية لا قيمه لها، المهم أن تعمل أكثر.

 أما أن أتسائل: لماذا أعمل أصلًا؟ فهذا يعتبر سؤالًا سفسطائيًا يعبر عن أنك من مجموعة الكسالى الذين لا يفكرون في العمل بالشكل المطلوب، ويجيب تنحيتك في الحال، ففي هذه المنظومة الرأسمالية القاسية لابد من العمل أن يستمر أو أن يتحرك السوق وإن مات في سبيل هذا نصف سكان المعمورة فلا بأس، والمشكلة الأكبر بسبب عدم غائية تلك المنظومة هي انعدام (القيمة المعيارية) فلا يوجد أي معيار أخلاقي في هذه المنظومة، المهم أن تكون أكثر إنتاجًا وتأثيرًا في العالم المادي، وأحد هذه التجليات كانت في مؤتمر إقامته شركة فيسبوك في مصر منذ عدة شهور، وفي هذا المؤتمر كانت الشركه تقوم بتكريم أكثر الشباب تاثيرًا على موقع فيسبوك، وكان بين المكرمين شاب لديه صفحة عليها آلاف المتابعين، والصفحة لا تحتوى إلا على فديوهات يظهر فيها هذا الشاب ليبدأ وصله من السباب والألفاظ القميئة، مع بعض سب الدين، والكثير من الإيحاءات الجنسية لعدة دقائق، ثم لا شيء آخر، ولكن بما أنه لديه عدد من المتابعين؛ فيجب تكريمه على أنه من أكثر الشباب تأثيرًا، حتى لو كان عبارة عن (شوال) من السفالة والبذاءة المتحركة، لكن كل هذا يمكن أن يتغاضى عنه، فنحن في عصر السوق الحرة، فكل شيء خاضع للعرض والطلب، ولا يوجد أي اعتبار لأي معيار أخلاقي! ففي هذه المنظومة أن تكون قاتلًا متسلسلًا مشهورًا خير من أن تكون شابًا عاديًا لا يعرفك إلا جارك ذو القربى! في ظل منظومة تقدم قيم القوة على الحق، والذكاء على الفضيلة!

وبالتالى فيمكن تلخيص ما سبق بأن قوانين الرأسمالية أصبحت تتحكم في حياتنا الاجتماعية:

1_المهم أن تعمل أكثر (العمل غاية في ذاته).

2_أن تستهلك أكثر.

3_كل شيء خاضع للعرض والطلب (انعدام القيمة الأخلاقية).

المشكلة الأكبر أن هذه المفاهيم أصبحت من المسلمات بين جيل الشباب بحيث يصبح الكلام عن – عوار هذه المنظومة، وأنها جائرة، ولا تهدف إلى خدمة الإنسان، ولكن إلى تنمية سوق العمل، حتى لو ذهب الناس كلهم إلى الجحيم – كلام غير مقبول، ويصف صاحبه بالجمود الفكري، وعدم مسايرة ركب الحضارة، ولأن الرأسمالية هي الثقافة الغالبة، فإنها تصدر قيمها إلى كل الشعوب حتى وإن كانت منظومتهم الأخلاقية والدينية تضاد هذه القيم الدخيلة، لكن مع بعض التعديلات وأسلمة هذا الخطاب المادي من قبل مروجي التنمية البشرية، وبعض حمقى مشايخ الأعلام والدعاة الجدد، بحيث يصبح الإسلام مع الوقت داعيًا إلى ما تدعو إليه الرأسمالية، ويزول الخط الفاصل بينهما، فمع الوقت لا يمكن التفريق، لذلك سنحاول رسم أهم معالم الخطاب الإسلامي حول مفهوم الأحلام والواجبات:

1_الغائية المطلقة: في المنظومة الإسلامية لا يكفي أن يكون الفعل صحيحًا في ذاته حتى يكون مقبولًا، فسؤال الغاية حاضر بقوة في هذه المنظومة، ففي هذه المنظومة سؤال: لماذا أفعل؟ هو سؤال ملح لا يمكن تجاوزه أبدًا، حتى أن رسول الله أخبر أن أول من تسعر بهم النار يوم القيامة: عالم ومجاهد ومنفق. لاحظ أن كل هذه الأعمال ممدوحة للغاية في منظومة الدين الإسلامي، وهي صحيحة في ذاتها، لكن لما تعكرت الغاية بأن فعلوا أعمالهم الصالحة من أجل الشهرة والرياء كان هذا كفيلًا، ليس فقط بإحباط أعمالهم، ولكن أيضا أن يستحقوا العقاب، ونتيجة لهذه الغائية الشديدة والمركزية، فإن هذه المنظومة تمتلك معيارًا أخلاقيًا صارمًا لا يمكن تجاوزه، فلا وجود هنا لمفهوم الغاية تبرر الوسيلة، وبالتالي يلزم كل فعل أن يكون صحيحًا في ذاته، تبعًا لهذا المعيار الأخلاقي، وله غاية شريفة، وإلا كان مضيعة للوقت!

2_مفهوم فرض الكفاية: وهو مفهوم شريف، ففي هذه المنظومة الغائية يوجد استنفار للمجتمع بسد كل احتياجاته، من أبسط الأشياء، كالحياكة إلى أعظم الأشياء كصناعة الصواريخ، ففي هذه المنظومة على المجتمع أن يعد من يستطيع أن يسد هذه الثغور، وإلا وقع المجتمع كله في الإثم والحرج، لاحظ أننا هنا نتكلم عن منظومة تراعى الاختلافات الفردية للأفراد، ولا تطلب منهم أن يكونوا على قدر ثابت من النجاح الرأسمالي الذي يقاس برصيدك في البنك وشهرتك في المجتمع، لكن بدلًا عن هذا يتم مراعاة أن الناس لهم قدرات مختلفة، وظروف متنوعة، لكن الأهم أن هذا المجتمع في مجموعة يوفر بيئة مناسبة، حتى يخرج منه الأفراد الذين يرفعون الحرج عن المجتمع كله، كما أنه بذلك يؤسس لمفهوم الجماعة في مقابل الفردانية، فالمجتمع يتحرك ككتلة واحدة، النجاح نجاح الكل، والفشل يذوق مرارته الكل أيضًا، فمشكلة المسلم الذي يعيش في بلاد ما وراء النهر هي مشكلتك من الدرجة الأولى، وهذا طبعا مخالف تمامًا للمنظومة الرأسمالية الفردانية بالأساس، بحيث يصبح كل شخص مركز نفسه، وإذا نجا هو، فلا مانع أن يأتي طوفان ليأخذ هؤلاء الضعاف الذين لم يستطيعوا أن يصمدوا، ففي النهاية هذه سنة الحياة: البقاء للأقوى، ولا عزاء للضعفاء!

3_مفهوم (وأعدوا لهم ما استطعتم): ياأى هذا المفهوم تباعًا لمفهوم الغائية، فبعد أن حددت لك تلك المنظومة شروط العمل المقبول في السمة الأولى، ثم استنفرت جهود المجتمع لسد حاجاته في السمة الثانية، فإنها لم يفتها الإجابه عن سؤال مهم سيظهر الآن: ما المطلوب بعد ذلك؟ هل المطلوب التوقف عند هذا الحد أم استنفار جهود المجتمع والأفراد لأبعد من هذا؟ وهنا تأتي السمة الثالثة في إرشاد المجتمع أن يعمل كل فرد ما يستطيعه من أجل رفعة المجتمع ككل، ويظهر جليًا أن مفهوم (الاستطاعة) مفهوم نسبي يختلف من شخص لآخر، فالمطلوب من الصحيح ليس هو المطلوب من المريض بطبيعة الحال، المهم هنا أن كل فرد يفعل كل ما يستطيعه في حدود قدراته، ففي حين أن القرآن يعنف بشدة الصحابة الذين تخلفوا عن غزوه لرسول الله، يقول في سياق آخر (ليس على المريض حرج) فمفهوم الواجب نسبي، ويتحدد تبعًا للاستطاعة، وهنا تظهر المسئولية العظيمة الملقاة علينا، فليس من علم كمن لا يعلم!

بهذه السمات الثلاث يمكننا رسم تصور صحيح عن مفهوم الأهداف والأحلام في ظل المنظومة الإسلامية، فبالرغم من أن هذه السمات الثلاث تقيد أحلامنا في الظاهر، إلا أنها تضعها على الطريق السليم، فكما يشبه الدكتور محمد عبد الله دراز مفهوم الواجب في القرآن بأنه يشبه القواعد في لعية الشطرنج، فهي تحدد القواعد العامة التي على اللاعبين اتباعها وقت اللعب، ولكن لكل لاعب أن ينتج عددًا لا نهائيًا من التراكيب من الحركات المختلفة، ففي حين أنها تخبرك أن للحصان مثلًا حركة محددة، فإنها تترك لك حرية أن تحرك الحصان أولًا أم العسكري، ففي ظل هذه المنظومة يكون لكل شخص تجربته الفريدة المميزة له عن غيره، مع ضرورة الالتزام بالقواعد الأساسية!

في النهاية تجب الإشارة للاختلاف الجوهري بين منظومة الرأسمالية، والمنظومة الإسلامية، وأن أية محاولة للجمع بينهما من قبل مروجي التنمية البشرية، وبعض الدعاة الجدد، ما هي إلا مراهقة فكرية، وعجز عن تصور الأصول الكلية لكل منظومة، وانسحاق أمام الثقافة الغالبة!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد