الرأسمالية

فرضت الحياة على أغلبنا مسارًا يوميًّا موحدًا. يبدأ يومك مبكرًا، تصحو لتذهب لعملك الذي ينتهي بنهاية اليوم وتعود لتنام، وفي اليوم التالي تصحو لتعيد الكرة ذاتها، تعمل وتنام لترتاح من العمل لتصحو في اليوم التالي لتواصل العمل، وفي نهاية الشهر تحصل على أجرك لتنفقه على المتطلبات الأساسية للمعيشة.

هذا تحديدًا ما أسماه كارل ماركس ونعوم تشومسكي بعبودية الأجر، وهي عبودية ناعمة مقنعة تظل أسيرًا لها دون أن تدرك وتتخلى طواعية عن عمرك وصحتك من أجل تحصيل حاجاتك الأساسية وإثراء فرد آخر.

مرحبًا بكم في واحة الرأسمالية، حيث استُبدل بالعبيد العمال والموظفين الذين تستهلك أعمارهم في العمل لسنوات طويلة من أجل إثراء فرد واحد أو مؤسسة دون أدنى مشاركة فعلية ملموسة في الربحية. فقط السعي الأكبر هو تأمين المعاش اليومي والاحتياجات الأساسية لهم ولأبنائهم. كما تسعى الرأسمالية إلى زيادة الأنماط الاستهلاكية الزائفة التي تعمد إلى تسليع وترويج كل شيء عبر الوسائط الإعلانية، واستخدامها في السلب الطوعي لمدخرات الناس في شراء سلع يستطيع الإنسان الاستغناء عنها تمامًا ليظل الإنسان مسجونًا في دائرة العبودية الجديدة لتلبية احتياجاته ومتطلباته.

الرأسمالية هي نظام عالمي وضعي (من تصميم الإنسان) ونظام اقتصادي ونمط إنتاج يقوم على مبادئ الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، والمبادرة الفردية، والمنافسة الحرة، وتقسيم العمل، وتخصيص الموارد عبر آلية السوق، دون الحاجة إلى تدخل مركزي من الدولة.

وتعد الرأسمالية هي النظام الاقتصادي السائد في كل بلدان العالم منذ نهاية القرن العشرين، مع بعض الاختلافات في تطبيقها من دولة إلى أخرى. وأنتجت الرأسمالية أشكالًا جديدة من العبودية، وهي الاستغلال الشديد للعمال بالعمل ساعات طويلة لكسب قوتهم فقط.

ومن أهم سلبيات الرأسمالية أنها ساهمت في ظهور الطبقية واستغلال العمال بسبب مبدأ الأسعار الحرة، وأعادت من جديد شكلًا من أشكال الإقطاع المقنع بتركيز الثروة في أيدي مجموعة قليلة من أفراد المجتمع، وتوسيع الفجوة بين الأغنياء والفقراء. وطغيان الماديات على حساب كل شيء. وارتفاع مستويات البطالة والأزمات الاقتصادية، بالإضافة إلى ظهور الطبقية، واستغلال العمَّال من أجل الربح.

وأيضًا ضعف الحكومات والسياسات أمام الكيانات الاقتصادية الرأسمالية الضخمة، والتأثير في القرار السياسي والتحكم فيه؛ مما يؤدي إلى انحياز السياسة لطبقة بعينها، وهو ما ينتج منه ضعف الخدمات العامة، وخصوصًا في الدول النامية.
وقال الكاتب الأمريكي جون بيلامي فوستر عن الرأسمالية: «يبدو لنا أن الرأسمالية قد فشلت كنظام اجتماعي، فالعالم غارق في الركود الاقتصادي، وأعظم معدَّلات اللامساواة في تاريخ البشرية، وكلّ ذلك مصحوبًا بالبطالة الهائلة والبطالة المقنّعة وبالأعمال غير المستقرّة، وبالفقر والجوع والحياة المهدورة، وقد وصلنا إلى ما يسمّونه في هذه المرحلة (دوامة الموت) حيث دمرت الرأسمالية حياة الإنسان الاجتماعية والنفسية، وأدخلته في دوّامة الإنتاج والاستهلاك، وسلبته حقوقه وسعادته فأصبح الإنسان يبيع حياته من أجل أن يلبي احتياجاته الأساسية، ويتحمل أعمالًا فوق طاقته وساعات إضافية بدون تعويض خوفًا من التعرّض للطرد أو خشية اتهامه بأنه لا يقوم بعمله على أكمل وجه، أو إن هو طالب بحقه في التعويض. ويشتكي آخرون من ساعات العمل الطويلة التي لا تدَع لهم مجالًا للراحة وقضاء الوقت مع عائلاتهم، بل حتى لقضاء أغراضهم الضرورية
وقد يصل الضغط الذي يعاني منه الموظفون في العمل أو خوفهم من فقدان الوظيفة إلى مستوياتٍ كبيرة. ففي اليابان مثلاً ظهر ما سمِّى بالـ«كاروشي» وتعنى الموت من العمل، وهى ظاهرة الموت المفاجئ أو الانتحار بسبب العمل لفترات طويلة تحت ضغوط كبيرة.

وبالرغم من عيوب الرأسمالية وأزماتها المتكررة فما زال لهذا النظام الكثير من المؤيدين لاستمراره بحجة تحقيقه نموًّا اقتصاديًّا من الصعب تحققه في ظل أى نظام آخر.

أخيرًا، ومن وجهة نظرى، أيًّا كان النظام الاقتصادي القائم فيجب أن يظل الدين والإنسانية والرحمة أساسًا لأي نظام. مع إدراك قوله تعالى ﴿وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَىٰ (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَىٰ (9)فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ (10) وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (11)﴾ على الأقل في بلادنا ذات الأغلبية المسلمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد