تعرف الليبرالية أنها هي الوعاء النظري للرأسمالية، وأن الرأسمالية هي التطبيق العملي لليبرالية، وخصوصًا في الاقتصاد، ولكننا اليوم لن نتحدث عن الاقتصاد، سوف نتحدث عن الثقافة الرأسمالية المتولدة من مفهوم الليبرالية ومظاهرها في حياتنا. فنحن نرى مظاهر الثقافة الرأسمالية في حياتنا في كل شيء حولنا، فنراها مثلًا في قصص وأفلام الأبطال الخارقين «Superheroes» التي ترسخ الثقافة الفردية وفكرة الإنسان السوبر، أو في المراكز التجارية العملاقة «Malls» ومحلات الهايبر ماركت التي تخاطب شهوة الشراء والتسوق، أو مطاعم الوجبات السريعة «Fast Food»، أو حتى في الشركات الضخمة العابرة للقارات «Corporates»، كل هذه المظاهر نراها ونعرفها جميعًا.

ولكن ما لا يعرفه أغلبنا أن الثقافة الرأسمالية متوغلة في حياتنا أكثر من تلك المظاهر بكثير، لذا فسوف نستعرض سويًا أهم الملامح المميزة للرأسمالية.

1- الفردية

هي روح الأنانية، أن يهتم كل فرد بنفسه وبتحقيق رغباته حتى لو على حساب الآخرين، أن تكون مصلحة الفرد دائمًا مقدمة على مصلحة المجموع، فأنت البطل الخارق، وأنت «إله» نفسك، تفعل ما تريد ولا تفعل ما لا تريد.

2- البقاء للأقوى

القانون الأول للرأسمالية: «Laissez faire et laissez passer» أو «دعه يعمل دعه يمر»، فالسوق حر وكل شخص يفعل ما يحلو له، وتحقيق مصلحة الجميع يكون بتحقيق مصلحة الفرد، والسوق يصحح نفسه بنفسه، وبرغم أنه قد حدثت تدخلات من حكومات بعض الدول لضبط الأسواق، ولكن يظل قانون «دعه يعمل دعه يمر» ساريًا، فلا قواعد ولا مبادئ ولا أخلاق سواه، فنصل إلى أن نعيش في حالة من الصراع يكون البقاء فيها للأقوى.

3- التسليع

هو تحويل كل شيء إلى سلعة قابلة للبيع، تريد السعادة، حسنًا يمكنك أن تتناول الشيكولاتة أو المياه الغازية من ماركة كذا فهي تجلب السعادة، أو يمكنك أن تشترك في مسابقة كذا لتربح آلاف الجنيهات وتكون سعيدًا، بل حتى الإنسان في حد ذاته أصبح سلعة، وليس هناك مثال أوضح على تسليع الإنسان أكبر من سوق العمل، بداية بطريقة التقدم للعمل وكيف تسوق لنفسك ولقدراتك بطريقة أشبه بـ«سوق النخاسة» في العصر الحديث، ومرورًا بطريقة التعامل بين الموظفين وبعضهم البعض، والتعامل بين الرؤساء ومرؤوسيهم، وحتى إهدار حقوق العمال والموظفين من قبل المؤسسات الرأسمالية التي يعملون بها، وهناك علم كامل – إن جاز لنا أن نسميه علمًا – هو علم إدارة الموارد البشرية «human resources» (لاحظ التعبير) يتناول كيفية تصنيف الشخصيات وكيفية التعامل في المقابلة الشخصية «interview» من وجهة نظر الشركة، وبعض التفاصيل الأخرى المتعلقة بإدارة شئون الموظفين، ولا تكاد تخلو شركة من قسم لإدارة الموارد البشرية الذي يكون مكروهًا من كل العاملين بها.

حتى الرياضة، وتحديدًا كرة القدم، أصبحت صناعة كاملة تتدفق فيها رؤوس أموال واستثمارات ضخمة، بيع وشراء لاعبين (لاحظ التعبير أيضًا)، برامج تحليلية، ومواد إعلانية، ورعاة، وممولون و… و…

مثال صارخ آخر هو العارضات «Models»، اللاتي تتحول أجسادهن إلى مصدر ربح يتكسبن منه، وسلعة تباع وتشترى في الإعلانات وعروض الأزياء.

بل وحتى الأخبار تحولت لسلعة يتم تسويقها، والإعلام أصبح صناعة لإمبراطوريات ضخمة تسيطر عليه.

4- الاستهلاكية ومخاطبة الغرائز

لو ألقينا نظرة على الإعلانات فسنجد أنها تهتم اهتمامًا عظيمًا بالثقافة الاستهلاكية ومخاطبة الشهوات، وتصوير السعادة والرفاهية التي ستحدث لمن يشتري هذه المنتجات، التي هي في الأغلب ليست ضرورية لحياة الإنسان، بل أغلبها تكون منتجات رفاهية.

مثال آخر هو البرامج والمسابقات التي تخاطب شهوة الكسب السريع، أن تكون محظوظًا وتربح الملايين بضغطة زر أو إرسال رسالة أو البحث داخل منتج ما، والتي تجعل المتلقي أسيرًا لرغبته في الربح، فيشتري منتجًا لا يحتاجه فعليًا، أو ينفق مبلغًا من المال في اتصال تليفوني أو إرسال رسالة، بينما في الحقيقة هذه التصرفات تدر الملايين على أصحاب هذه المسابقات.

لذا فكل ما يتضمن تلك الملامح الأربعة – أو بعضها – هو أمر رأسمالي بحت، وهذه القواعد الأربعة للثقافة الرأسمالية هي بالضرورة منافية للفطرة وللدين وللأخلاق، فالفردية وهي السعي لتحقيق مصالح الفرد فقط هي أمر منبوذ والصحيح أن تسعى لتحقيق المنفعة لك ولمن حولك «يد الله مع الجماعة»، و«البقاء للأقوى» مقابله الرحمة والتواضع، والرغبة في الربح السريع يقابلها العمل والكد، والاستهلاك يقابله عدم الإسراف.

الحقيقة أننا نشهد تدمير منظومة القيم والأخلاق لصالح تحقيق المكسب المالي، فيصبح هو القاعدة الرئيسية لمنظومة الأخلاق التي تحكم تعاملاتك مع الآخرين، وتصبح العلاقات الإنسانية مرتبطة بتحقيق المكسب والخسارة، ويصبح تحقيق المكسب هو القاعدة، حتى لو كان بالتحايل، ونشهد تسليع كل شيء حولنا، ونشهد صناعة سعادة مادية تتحقق بالأكل والشرب والشهوات، ونشهد انتشار ثقافة «السرعة» و«السهولة» وتحقيق المكسب بأقل مجهود ممكن. باختصار تجد الرأسمالية تضع بصمتها على كل ما هو حولك، في التليفزيون والسنيما، في الأسواق والمحلات، في الشركات، في الإعلام، بل وحتى في المعاملات بينك وبين الآخرين.

كيف تحافظ على روحك؟

والآن بعدما عرفت أنك محاط بالرأسمالية من كل جانب، فهل تقبل الاندماج والتعايش وأن تتحول إلى ترس صغير داخل آلة رأسمالية ضخمة؟ وتتحول إلى كائن استهلاكي لا يهتم سوى بنفسه وبتحقيق متعته الشخصية بلا أخلاق ولا مبادئ عليا؟ فإذا كنت ترفض ذلك، فأين المفر؟ وماذا تفعل للمحافظة على روحك؟ هل الحل في أن تعتزل العالم، وتعيش وحدك في جزيرة وسط المحيط؟ أو تحبس نفسك في مسكنك ولا تقابل أو تتعامل مع أي أحد؟

الحقيقة أن الحل يوجد في ما هو عكس ذلك تمامًا، وهو بسيط جدًا، ولكن عليك بأن تلتزم به دومًا لتحقيق النتيجة المطلوبة، ويمكننا أن نلخص الحل في النقاط التالية:

1- التحديد، هل هذا سلوك رأسمالي فردي أم لا؟ فإن لم يكن فلا بأس، وإن كان فحاول أن تتجنب فعله.

2- الرفض والإنكار، فإن كنت مضطرًا فيجب عليك أن تنكر بقلبك ما تفعله أو تراه (إنكار المنكر بالقلب).

3- أن تكون لك منظومة القيم الخاصة بك التي تكون نابعة من الدين والأخلاق، ولا تتأثر بالاتجاه العام السائد، وألا تكون نسبية تتغير بتغير الحال، فالأخلاق هي الأخلاق في كل زمان ومكان.

4- الاستعلاء، فأنت بما تحمله من قيم وثقافة إنسانية أفضل وأقوى من هذه الرأسمالية الفردية.

5- المقاومة، أن تسعى لمحاربة هذه الثقافة والأنماط المتولدة منها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك