على مدار تسع مقالات بحثت المستتجدات السياسية العربية، حاولت فيها توضيح آخر التطورات السياسية في الشرق الأوسط والعالم العربي، في نماذج إيران والعراق ولبنان ومصر والأردن، وتقدم فهمًا معمقًا من خلال الخلفيات التاريخية للأزمات السياسية الأخيرة. فالدراسة ليست قراءة إخبارية للحدث وحسب، بل تحليلًا وتفسيرًا لسير الأحداث والتنبؤ بها من خلال وضعها في السياق التاريخي الرأسمالي.

على سبيل الختام

منذ ما ينوف على قرنين من الزمن طور النظام الرأسمالي أساليب أكثر حرفية في السيطرة على إرادات الشعوب، بما فيها الثورة الرقمية التي ساهمت بشكل كبير في تنظيم الحراك العربي مع مطلع العقد الثاني من القرن، إلا أنها ومن جهة أخرى كانت أداة هيمنة بيد الكتل المالية الكبرى. كما تعدلت النظم المالية العالمية عبر عدة محطات أساسية منذ مأسسة الأعمال المصرفية، حتى إنشاء صندوق النقد والبنك الدوليين، ثم تعويم الدولار. وتفكيك العالم العربي والشرق الأوسط إلى مجاميع بشرية متناحرة ذات طبيعة ما قبل الرأسمالية، والعمل على تجنيد تلك التجمعات الطائفية والعرقية واحدة تلو الأخرى، فتبقى النزاعات قائمة، وحالة التوتر هي السائدة. وربط الحكومات والأنظمة بسياسات صندوق النقد الدولي. ووضعها بشكل دائم على محك الانهيار، بل وأحالتها السياسات النقدية إلى مجرد جباة للضرائب لصالح رأس المال العالمي، وتوريطها في مشاريع «تنموية» من شأنها أن تعزز هيمنة الشركات العابرة للقارات في صياغة القرار السياسي والتنموي الاجتماعي إلى حد كبير. وترسيخ تلك الطبيعة الجبائية للحكومات والانقسامات الما قبل الرأسمالية للمجتمعات دستوريًّا، ومنح معوقات التقدم شرعية قانونية دستورية.

ولكن من ناحية أخرى فإن الرأسمالية لم تستطع تطوير نظم سياسية ذكية قادرة على أداء مهامها دون الغرق في الشعبوية، بوصفه تعبيرًا سياسيًّا عن النمط الاستهلاكي السائد، مما ولد عددًا لا يستهان به من الفشل في أكثر من مكان كما حدث في إيران والعراق وسواهما، بل جاءت بظاهرة تستحق التنويه عنها متمثلة بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ووزير خارجية بريطانيا، وتقدم السذاجة معيارًا حضاريًّا كما في مثال جستن ترودو رئيس الوزراء الكندي، وهو شيء آخر عدا الحمق الذي تأتي به الديكتاوريات والنظم الملكية؛ إذ يلعب الحظ دورًا مهمًا في اعتلاء العرش، كما في سوريا والسعودية. ومن الطبيعي أن يكون من الصعب توصيف تلك الحالة الدولية بالظاهرة، ولكن وبطريق آخر فإن القيادات السياسة الدولية فيما لو استمرت بهذا الاتجاه فسيكون التعبير الفعلي لعبارة أن الرسمالية تحفر قبرها بيدها.

ونفهم من إجمالي الدراسة أن المصالح المالية الكبرى لا تلتقي مع مصالح الشعوب على الإطلاق، بمعنى أنه لا يمكن التعويل على سياسات الولايات المتحدة الخارجية لتحقيق أي مطالب شعبية أو قومية أو وطنية؛ بل على العكس ستعطي نتائج عكسية بل ومدمرة، فهاوية التورط مع مراكز رأس المال لا تأتي على الطموحات القومية والوطنية فحسب، بل تنهي القضية من أصلها.

وإن كانت الدراسة ستخرج بتوصيات محددة، ولا سيما أن البلدان العربية تعاني من أزمات دستورية وخاصة في العراق ولبنان وسوريا. فلا بد من الأخذ بالحسبان نوع الصراع الديني الذي أنهك البلاد والعباد، وبالتالي من العقلاني أن يشدد أي مشروع إصلاح دستوري على تغليظ العقوبات على النزعات الطائفية، ويحدد القانون بدقة خطاب الكراهية العرقية والدينية، ويجرم بأقصى العقوبات أي خطاب يثير نعرات طائفية. كما أنه على الدستور أن يتضمن إطارًا عامًا للأحزاب السياسية المتنافسة في العملية الديمقراطية، فيحظر الدستور الأحزاب السياسية القائمة على الطائفة (الدين)، والعرق، أو العنصر بأي شكل كان. ويوضع الدستور تحت الحماية المشددة لمبادئه من خلال محكمة دستورية مستقلة فلا يصار إلى تجاوز الدستور.

كما يمكن اعتماد مجلسين في البرلمان: الأول مجلس الشعب، والثاني مجلس الشيوخ، يقوم الأول على القوانين السابق ذكرها، بينما يمثل الثاني العشائر والطوائف والأعراق، على ألا يعتمد النسبية بل التمثيل، ويحدد الدستور نسبة المجموعة البشرية التي يحق لها التمثل في مجلس الشيوخ، على ألا يكون لمجلس الشيوخ صفة تشريعية وتقتصر صلاحياته على الاستشارة والاستئناس. ومن ناحية الشرعنة فالمبادئ الما فوق دستورية مهمة للغاية في أي عملية دستورية انطلاقًا من الأزمة ذاتها، فضرورة اللجنة المعدة للدستور ينبغي أن تتألف من المختصين القانونيين والسياسيين المنتمين لأحزاب وطنية والنقابات الفاعلة، وهذا يقتضي وجودها أصلًا، وإن لن توجد نظرًا إلى الظرف القمعي أو سواه؛ فينبغي الانتظار حتى تبلورها وبالتالي يعبر الدستور عن المصالح السياسية الطبقية وليس عن المصالح الطائفية والعرقية.

كما ينبغي التنويه في الختام أن الحالة الديمقراطية في أي بلاد إنما هي نتيجة صراع الشعوب من أجل نيل حرياتها عبر المنابر الشرعية في البرلمان والحكومة والإعلام. وستعمل الطغم المالية دائمًا على تحوير وتشويه الحالة الديمقراطية، وحرفها وتحويلها إلى مكنة تخدم مصالحها الربحية، فالنضال الدائم من أجل تعزيز الديمقراطية والحريات العامة هو الأمر الطبيعي، بل قد يبدأ مع الخطوات الديمقراطية الأولى حتى الوصول إلى الحقوق الإنسانية المبدئية في العدالة الاجتماعية والمساواة، والعيش الكريم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد