ليست المشكلة فقط بتغول الأنظمة الإمبريالية التي اجتاحت الجوانب المختلفة لعالمنا الإسلامي بل الطامة الكبرى هو اقتحامها لهذا العالم المميز “وهو بحالة اللاوعي” ونقصد بها فترة انهيار الخلافة العثمانية لتنتج لنا واقعا مسخا فاقدا لحقيقة فهم التأثيرات السلبية لهذه النظم، وفاقدا لهويته المميزة فلا هو قادر على دخول النمط الإمبريالي، ولا هو يحتفظ بهويته المميزة، وهذه الإشكالية فتحت علينا بابا كبيرا لتفكيك الثنائيات التي نشأت عن هذه الظاهرة في التصادم الحضاري؛ مما أوجب كشف الصورة الرمادية لهذه الظاهرة التي تزداد يوما بعد آخر وتسبب إشكاليات كبرى في محاولات التغيير، وتزداد شراسة على الذين استضعفوا بالأرض الذين لا يوجد لديهم من الوقت ما يسعفهم لمطاردة هذه الثنائيات بدل رغيف الخبز.

ولا ننسى أن غياب تأثير المؤسسات الفكرية على الحكومات وصناع القرار الذين يوقعون على المعاهدات التي تسمح بهذه النظم بالدخول لمجتمعاتنا قد جعل السعي وراء كشفها مرتبطا “بالترف الفكري أو العمل النظري” فابتعد البعض عن طرق بابها أو بحث سبل ممنهجة لمقاومتها في الجامعات والمدارس الإسلامية، ولسنا بصدد فتح الباب على مصراعيه في كشف الثنائيات وتداعياتها بقدر ما أننا نحاول أن نقف على إحدى التأثيرات التي مزقت قيم العمل والعمالة والسوق والمتعلقة بالسواد الأعظم من أبناء الأمة.

وفي ظل وضع التعاريف المعجمية أو الحركية أمام معطيات الهوية المميزة لعالمنا الإسلامي والعربي بأبسط أوجه المقارنات والتمايز وبقليل من التأمل يمكن الكشف عن أن هنالك ممانعة حقيقية لفكرة الاندماج الإمبريالي وتحقيق عالم ذي قطب أوحد كما تمنى الآباء الأوائل والحكام الجدد للدول الإمبريالية، وهذه الممانعة تتجاوز فكرة الإنسان الحالي لتصل إلى التاريخ والأخلاق والموروث الاجتماعي والحضاري، وهذا الشعور يتحقق في كل من الإنسان الأكثر بساطة والإنسان الأكثر تركيبا وعقلانية فضلا أن الإنسان الغربي أصبح مثقلا من هواجس التأثيرات الظلامية لهذه الأيديولوجية. فكيف بالإنسان العربي المسلم الذي لديه ممانعة أكثر قوة أمام استضافة هذه النظم.

بيد أن الإنسان العارف بكواليس هذه الصورة ينأى بنفسه قدر المستطاع لتجنب التأثيرات الناتجة عن هذا التزاوج اللاشرعي، وعلى أقل تقدير يكون مدركا لهذه التأثيرات فيستطيع بهذه المعرفة التخلص مما يؤثر عليه سلبا، ولكن تبقى الأكثرية من أبناء الأمة تواجه هذه التأثيرات بصورة غير واعية؛ مما يخلق لديهم ردود فعل عشوائية وفهما خاطئا ولكنه يولد إيمانا عميقا في النفوس نتيجة عمق كبت المشاعر المتأثرة من هذا الزواج اللاشرعي وتأثيره الكبير على اللاوعي لهذه الفئة من أبناء الأمة.

فبتعدد المستويات الوظيفية يكون هنالك نماذج تفسيرية توضع بها نتاجات هذه التأثيرات والبيروقراطية التي هي وليدة النظم الرأسمالية لديها من القيم الوظيفية المتعددة المستويات من صقل وبلورة رؤى وقيم وفق النماذج الشعورية التي تظهر لدى العاملين في “المعتقلات الرأسمالية” بحيث تظهر الصورة أنها حتمية وفق هرم العمالة المتبع في الدول التي تتبع النظم الرأسمالية، ومن أهم الستائر التي توضع أمام كشف الحقائق أن حتمية الفروقات الفردية تخلق مستويات معرفية ووظيفية؛ مما يؤدي لظهور صراعات وظيفية ولتجاوز هذه الصراعات والحفاظ على دوران محركات الآلات تعمل يتم كبح أي تحرك ثوري داخل هذه المعتقلات ببث قيم وطنية ومهنية لتقبل المشاعر السلبية المتدفقة للذات الإنسانية، هذا فضلا عن وجود كم هائل من القوانين التي تضع رأس المال فوق أي اعتبار إنساني أو قيمي آخر وتعطي الأولوية للإنتاج على حساب حرية وسعادة العاملين.

إنني مؤمن أن كاميرات وعدسات المفكرين والمثقفين بعيدة كثيرا عن تصوير حقيقة الصراعات داخل “معتقلات الرأسمالية” على الصعيد البيولوجي والسيكولوجي للإنسان، ومهما أخذت منظومة الدول الإسلامية من دعمها لهذه المعتقلات تحت ستار الاستثمار أو ربطه بدعوى قيم تنموية وتطوير وتقليل للبطالة إلا أنها ستبقى في لاوعي شباب الأمة مجموعة من مصاصي الدماء “إشارة إلى الرأسماليين أو المستثمرين”، وهذه الفكرة أو التفسيرات الأخرى ناتجة عن عدة أسباب ولعلها تنشأ بصورتين: الأولى وهي ضمن العلاقة المباشرة من بيئة العمل وتؤدي إلى اضطرابات فكرية ونفسية وتردي المستوى المعيشي وتدني الأجور ومستوى الجهد وطول فترة العمل والكثير.

وأخرى بصورة غير مباشرة وهي الأكثر فتكا، وتأتي من خلال الشعور بالغربة والعزلة والغياب الطويل عن “الذات” وعن المثل الاجتماعية المرتبطة بذات الفرد وإنسانيته ونموذج تفسيره للمعني الإنساني الخاص به وموروثه الديني والأخلاقي، فمن أخطر ما يؤثر على الإنسان بسبب مؤسسات الإمبريالية أنها تعلي من القيم الفردية وفق سلم الطبقات الوظيفية وتختزل قيمة الإنسان بمدى ما يمكن أن يحققه لصالح الإنتاج المادي أو خدمة الآلات وزيادة الأرباح، وفي ضوء هذه القيم تصبح العزلة والأنانية الفردية هي الأساس في تطور الذات لرفع المستوى الوظيفي وتقليل الجهد ورفع المستوى المعيشي، ومع مرور الزمن يتم تدجين هذه الذوات وفق قيم وأخلاقيات السوق الحديث؛ مما استدعى المفكر الكبير عبد الوهاب المسيري لصياغة عدة مقولات تختزل في معانيها عمق التأثير بسبب هذه الظاهرة.

“إن المطلوب هو حداثة جديدة تتبنى العلم والتكنولوجيا ولا تضرب بالقيم أو بالغائية الإنسانية عرض الحائط، حداثة تحيي العقل ولا تميت القلب، تنمي وجودنا المادي ولا تنكر الأبعاد الروحية لهذا الوجود، تعيش الحاضر دون أن تنكر التراث”. المسيري– رحلتي الفكرية
تفكك مقولة المسيري تآكل القيم الاجتماعية في ظل التبعية العمياء لحقيقة الحداثة والنظم الإمبريالية، وتأتي هذه المقولة وفق رؤية مركبة بحيث إن الذاتية والفردية الأنانية هي الرأس مال الحقيقي لتغيير المجتمعات وخلق النموذج الذي يتماشى وفق قيم السوق التي تغولت بحيث أنه أصبح لا يمكن تحقيق الذات بالمستوى البيولوجي إلا بتقبله للواقع السيكولوجي المصمم وفق رؤى الحداثة الغربية، والتي يتم تصنيعها في داخل المعتقلات للرأسمالية.

ولم يغفل المسيري عن هذا حيث قال: “بطبيعة الحال، فالإنسان الذي لا هوية له لا يمكنه أن يبدع، فالإنسان لا يبدع إلا إذا نظر للعالم بمنظاره هو وليس بمنظار الآخرين، لو نظر بمنظار الآخرين، أي لو فقد هويته، فإنه سيكرر ما يقولونه ويصبح تابعًا لهم، كل همه أن يقلدهم أو أن يلحق بهم ويبدع داخل إطارهم، بحيث يصير إبداعه في تشكيلهم الحضاري”. المسيري- رحلتي الفكرية

لسنا بصدد إطلاق صرخة إسلامية على نمط الماركسية ونقول يا عمال العالم اتحدوا. فهذه الدعوة نحو التوحد ضد الإمبريالية هو لخلق الشيوعية التي لن تغير الكثير في حياة الأمم والشعوب، فهي أيضا تقضي على فكرة الهوية المميزة وتضع فكرة الإنسان بقالب آخر وفق الرؤى الخاصة بالفلسفة المادية، وهي أيضا تقدم رؤية فلسفية للعالم والكون ولديها نظم تؤهلها لإبداع فكرة للحياة على المستوى البيولوجي، ولديها شرائع سيكولوجية ورؤى وأحلام سيسيولوجيا “الحتمية الشيوعية” كنظام عالمي، فهي في حقيقة الأمر تضع الكثير من العراقيل نحو تحقيق الذات بما جبلت عليه وفطرت عليه، وفي نفس الوقت تنكر الموروث الحضاري أو أنها تضعه وفق رؤية ما بحيث تشكك بحقيقة أي رؤية أخرى.

وهنا نشير إلى أن من بين النقاط التي تلتقي عندها الشيوعية أو الإمبريالية أو الإنسان الحديث فكرة “الدارونية الاجتماعية”، وهي يمكن اعتبارها المؤسس الحقيقي لفكرة العلمانية الشمولية، وهي أكثر عمقا ووضوحا خصوصا إذا ما كنا بصدد البحث في هوية الإنسان الحديث، ولعل ما ذهب إليه المفكر العبقري الدكتور المسيري في موسوعته يلخص أثر وعمق هذه الرؤية بقوله: “وهي فلسفة علمانية شاملة، واحدية عقلانية مادية كمونية تنكر أية مرجعية غير مادية، وتستبعد الخالق من المنظومة المعرفية والأخلاقية وتَرُد العالم بأسره إلى مبدأ مادي واحد كامن في المادة وتدور في نطاق الصورة المجازية العضوية والآلية للكون.

والآلية الكبرى للحركة في الداروينية هي الصراع والتَقدُّم اللانهائي وهو صفة من صفات الوجود الإنساني. وقد حققت الداروينية الاجتماعية ذيوعًا في أواخر القرن التاسع عشر، وهي الفترة التي تَعثَّر فيها التحديث في شرق أوروبا، وبدأ فيها بعض يهود اليديشية في تبنِّي الحل الصهيوني للمسألة اليهودية، كما بدأ التشكيل الإمبريالي الغربي يتسع ليقتسم العالم بأسره. ويمكن القول بأن الداروينية هي النموذج المعرفي الكامن وراء معظم الفلسـفات العلـمانية الشاملة، إن لم يكن كلـها”. عبد الوهاب المسيري – الموسوعة اليهودية

ومن خلال هذه الرؤية الشمولية تم خلق النظم الرأسمالية والإمبريالية لتوافق القواعد العامة للعلمانية الشمولية أو الداروينية الاجتماعية لأنها قادرة على تبرير الفوارق الاجتماعية وتبرير المعتقلات الرأسمالية بوصفها أنماط طبيعية، ويترتب على ذلك أنه يمكن وبكل بساطة الادعاء أن أي إنسان ينكر هذه الأنماط من الأعمال شخص عديم المسؤولية وغير جدير للعمل والكثير من التهم التي تبرر رميه بالشارع أو استغلاله بشكل نيتشوي.

ونحن كمسلمين يمكننا تفهم هذه الحالة أو الظاهرة في بيئتها “الأم” وهي الحضارة الغربية، ومن الممكن أن يكون هنالك وعي لأسرارها ونتائجها وحتمياتها ويمكن قبولها للإنسان الغربي الذي يمجد ما وصل إليه وقبول بعض سلبياتها فهي تحقق رؤيته المادية لذاته، ولكنها في ظل المجتمعات الإسلامية فإنها لا تنتج لنا سوى وعي مسخ وأفراد يعانون الكثير من سوء الفهم وتضارب القيم الإنسانية والوطنية والدينية. وتبقى الأرباح لأولئك الذين يجلسون حول طاولة القمار، ومن الممكن في ظل حالة ضعف الطرح الفكري والتوعوي لهذه الظواهر والثنائيات أن تزيد من فكرة المؤامرة في نفوس الناس.

ويمكن القول أخيرًا أن فائض القيمة للمعتقلات الرأسمالية هو القيمة الحقيقية التي تكمن وراءها فلسفة الاقتصاد الإمبريالي، وهو تصنيع النماذج البشرية وفق الرؤية الغربية قبل صناعة أي منتج أو سلعة أخرى، وفائض القيمة ليس سوى هبة من قبل الحكومات العربية والإسلامية التي تقدم شباب الأمة كقربان للتقرب به إلى الحضارة العلمانية وقيم “الداروينية الاجتماعية”.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد