نشأتُ في منزل أبي – يرحمه الله – كنشأة غالب المصريين، آكل مما يأكلون منه، وأشرب مما يشربون. نركب القطار عند السفر ونفرح بركوب عربة الحنطور في تنقلاتنا داخل المدينة. في ليلة عيد الفطر نحتضن ملابسنا الجديدة، وفي صباح العيد تسعدنا قروش العيديات التي جمعناها من الأعمام والأخوال. نصرف منها ببذخ في شراء (الطراطيع). والجريء منا من يرتفع بالمرجيحة فيقلبها أو يكاد.

بدأتُ أُكونُ ثقافتي بقراءة المجلات الملونة (ميكي، وسمير، وتان تان)، وعندما كبرتُ قليلًا غرقتُ في الألغاز و(المغامرون الخمسة). وكعادة الشباب حينئذ أدْمَنا لفترة ما قراءة (أرسين لوبين، وشرلوك هولمز)، ثم جاءت روايات أجاثا كريستي لتوهمنا بأننا أصبحنا كبارًا نحل المعضلات.

التلفزيون أبيض وأسود، وهكذا كانت كل تفاصيل الحياة التي نعيشها. لا نعرف الأخضر إلا في المزارع المترامية على ضفاف النيل. ولا نعرف الأحمر إلا أنه ملابس النادي الأهلي. الأزرق يعني السماء الصافية مثل قلوبنا، والرمادي لا وجود ولا معنى له إلا عندما نشاهد الآثار الناتجة عن خبز ساخن أو صينية خارجة للتو من الفرن البلدي.

النكتة هي ما تخرج من فم إسماعيل ياسين، ولما تتطورنا كنا نضحك من صواريخ حمادة سلطان. الرومانسية معناها عبد الحليم حافظ وفاتن حمامة. والذكي فينا من يفهم كلمات يوسف وهبي، والناضج هو الذي يستطيع سماع ساعة ونصف تغني فيها كوكب الشرق أغنية الأطلال.

الجريدة بقرشين ونشتري عدد الجمعة خصيصًا لأجل قراءة بريد الأهرام لعبد الوهاب مطاوع. وقصصه العبثية، ونشتري يوم السبت أخبار اليوم لأن صفحاته أكثر لنستفيد منها في نظافة زجاج المرايات والنوافذ. وربما نجمعها لنبيعها بالكيلو. فقد كنا وقتها نمارس سياسة التدوير دون أن نعرف اسمها.

عندما نتابع أحاديث الكبار ونجدهم يتكلمون في السياسة كنا نسمعهم يرددون كثيرًا (الحرب الباردة)، وكنتُ أتعجب كيف تكون حربًا؟ وكيف تكون باردة؟ وبعد عشرات السنين عرفتُ أنها لم تكن أبدًا حربًا، بل كانت أدوارًا متفق عليها، وعندما يشيخ الممثل عندهم يأتون ببطل جديد فتتغير الحبكة الدرامية قليلًا.

في تلك الأيام الخوالي جذبني خبر جميل. وصول شاب لمنصب وزير خارجية الجزائر. العجيب أن هذا الشاب مازال يرتقي حتى صار حاكمًا للجزائر مع فارق بسيط أنه دخل السياسة شابًا ولم يخرج منها للآن، رغم كهولته البغيضة.

كنا نستمتع (بمصّ) القصب ونجد في شربه عصيرًا رفاهية سخيفة. وكنا نتلذذ بأكل الذرة البيضاء المشوية، ونسارع في تحميص بذور البطيخ والشمام ونجدهما أحلى مذاقًا من لُب عباد الشمس أو حتى اللب الأسمر.

كنتُ أحب المشاركة في زيارة أحد الأقارب في زيارة شتوية فعندها سأفوز بكوب ساخن لذيذ من مشروب السحلب الأبيض الممزوج بالحليب الطبيعي، وفي أول رشفة ستصادف شفتيك بعض المواد الصلبة فاستمْتِع بها. فهي مكسرات أو على الأقل حبات فول سوداني وسمسم وحبيبات جوز الهند المبشور.

تذكرتُ ذلك عندما جاءت ابنتي تسألنُي عن كلمة غريبة سمِعتها ولم تفهم معناها وقال لها قائُلها اسألي أباكِ يخبرك عن ذاك المشروب العجيب. لم تعرف ابنتي السحلب، ولم تتذوقه طيلة حياتها، فعندما كَبُرت لم أعرف من أين اشتريه ولم تعرف أمها كيف تصنعه.

اختفى الفطير المشلتت عندما ظهرت البيتزا، وولى التمر هندي هاربًا عندما شاهد السلاش الملون. وفي نفس اللحظة انزوت البقلاوة المنزلية وحل محلها الكروسان والدونات. وهوت زجاجات الكازوزة صريعة بالضربة القاضية وهي تعاني من ركلات البيبسي والكاكولا والإسبرايت وكل (السوفت درنك).

اختفى السحلب – أو يكاد – فلم يقوَ على خوض منافسة شريفة مع الكابتشينو. وكيف تكون منافسة شريفة والخصم اللدود تسانده الدول الكبرى. اختفى السحلب بمكسراته وحليبه وخلطاته المفيدة ليحل محله الأسبرسو والموكا واللاتيه.

صارت غالب مشروباتنا المفضلة بنية داكنة بعد أن كانت بيضاء ناصعة. لتمثل جزءًا من الحقيقة وانعكاسًا صادقًا لشكل أيامنا. استبدلنا الذي هو خير بالذي هو أدنى لأننا تشبعنا بثقافة غيرنا وزرعوا فينا ما ليس منا.

السحلب جزء من هويتنا، متى عاد عادت ريادتنا بكل محاورها الثقافية والاجتماعية والدينية. لم يكن اختفاء السحلب إلا نتيجة طبيعية لمشوار طويل قطعناه دون أن نشارك في وضع معالمه، ولا حتى وضع إشاراته التحذيرية للمارِّين عليه. اختفاء السحلب جاء تعزيزًا لسياسة التغريب التي مارسوها علينا بدءً من ميكي وتان تان ووالت ديزني ورومانسية العندليب وعظمة (الست).

الآن بعد أن وهن العظم وشاب الشعر وضاعت قوى الصد والممانعة. الآن استوعبتُ أنها لم تكن تطورًا طبيعيًا أبدًا في المشروبات، بل كانت إستراتيجية طويلة المدى لهدم ثقافة أجيال وتغريب أمة . فمازال الساكي – رغم رداءته – المشروب الياباني المفضل رغم أنها ضُربت بالقنبلة النووية . ومازالت الفودكا المشروب الأول للروس رغم سقوط الاتحاد السوفيتي.

الساكي والفودكا – رغم تحريمي لهما – تعبر كل منهما عن هوية شعب ظل متماسكًا رغم انهيار دولته في وقت ما. صحيح أن المقارنة قد لا تعني شيئًا بالنسبة لمن وجدوا لذتهم في الكابتشينو على حساب السحلب.

لكن المؤكد أن أصحاب العقول الواعية يدركون تمامًا أن الوصول للعالمية يمر من بوابة التمسك بالمحلية. وأننا لن نعود نركب صهوة المجد مرة أخرى حتى تتفنن نساؤنا في صنع أنواع حديثة من السحلب. ولن نرجع لهويتنا المغتصبة حتى يستنكف شبابنا شرب الكابتشينو ويتلذذون بمذاق السحلب.

واستوعبتُ أخيرًا أنه لم يكن ذاك الزمن (الزمن الجميل) أبدًا. بل كُنا نُصنَع على أعينهم ونحلم بما يقررون لنا من مستقبل. ويستغلون سذاجتنا؛ لنرسم واقعًا باهتًا، ونتحسر على زمن فارغ؛ لنستشرف مستقبلًا تائهًا.

ولأني أتوقع طول فترة ما قبل العودة فقد قررتُ الانتظار في شرفة منزلي المطلة على محطة (مترو الأنفاق) وأنا أستمتع برشفات ساخنة من كوب الكابتشينو الذي صنعته ابنتي بمهارة فائقة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد