تعتبر هوليوود أكبر إمبراطورية إعلامية في الوقت المعاصر، ولا تخفي هوليوود تشبعها بالروح الاستعمارية، حيث تقوم بتمجيد الاستعمار وتصويره على أنه نشر للحضارة بين الشعوب الهمجية وخير مثال على ذلك الأفلام التي تصور الحرب ضد الهنود الحمر كفتوحات عظيمة للإنسانية المتحضرة، وإعطاء صورة خاطئة للهنود كهمجيين متوحشين يتلذذون بشرب الدماء، بالتوازي مع تحسين صورة الرجل الأبيض وإضفاء صفة الكمال والشهامة عليه، وهو ما يعتبر تزويرًا لأحداث التاريخ والذي يشهد على الغزوات المتوحشة للأوروبيين على الشعوب الهندية في أمريكا واستغلالهم بأبشع صور الاستغلال التي عرفها التاريخ نظرًا للفرق الهائل في القوة العسكرية بين الطرفين.

فالأوروبيون كانوا يمتلكون أسلحة نارية متطورة وفي مواجهة الهنود الحمر بأسلحتهم البدائية حيث توالت الحروب بين الطرفين والتي انتهت بمذابح كبيرة واسترقاق للهنود وتطورت إلى إبادة كاملة لشعوب استوطنت أراضي أمريكا لآلاف السنين، هذا ناهيك عن تصوير الخونة والمرتزقة كأبطال عظماء كبوكاهانتس الأميرة الهندية التي قامت بخيانة شعبها ومساعدة المستعمرين الأوروبيين على احتلال بلادها، وفي آخر المطاف تزوجت أحد الجنود الأوروبيين وأصبحت أول هندية تعتنق الديانة المسيحية، هنا نجد أن هوليوود تقدس “بوكاهانتس” وتصورها كأميرة لطيفة حسناء تحب الخير رغم الخيانة العظمى التي اقترفتها اتجاه بلادها والمآسي التي جلبتها على أبناء جلدتها.

من خلال تشخيص هوليوود للقائد المسلم خير الدين بارباروس والمعروف بالكابتن بارباروسا والذي يظهر في فيلم “قراصنة الكاريبي” كقرصان شرير وسارق وواقع تحت لعنة ذهب الأزتيك المسحور بعد قيامه بسرقته، وعرفه الفيلم تحت اسم “هكتور بارباروسا” قبطان لسفينة “اللؤلؤة السوداء” حيث يقوم باستخدام علم “الجمجمة والسيفين” الذي يعود للقرصان السيء السمعة “كاليكو جاك” الذي كان يقوم بنهب السفن في البحر الكاريبي في القرن الثامن عشر، وتظهر محاولة هوليوود إظهار القائد الإسلامي خير الدين بارباروس بمظهر قبيح وشائن بآلة إعلامية ضخمة، حيث بلغت ميزانية سلسة أفلام “قراصنة الكاريبي” أكثر من 915 مليون دولار، وهو ما مكنها من جني أرباح هائلة تفوق 5 مليار دولار في شباك التذاكر، وهنا تظهر قوة الآلة الإعلامية الهوليوودية في تزوير الحقائق التاريخية بثوب هوليوودي فاضح عن طريق زج ودس شخصيات قيادية حقيقية في أفلام خيالية بهدف ترفيهي لتحقيق أغراض دعائية وترويج أجندة خاصة.

بالرجوع إلى سيرة خير الدين بارباروس أو المعروف لدى الإيطاليين بذي اللحية الحمراء يمكن اعتباره أكبر رموز الجهاد البحري في العهد الحديث، حيث إنه كان الأخ الأصغر للمجاهد البحري عروج الذي اتخذ من جزيرة جربة مركزًا للجهاد البحري، وقام بتحرير السواحل الجزائرية من الاحتلال الإسباني وتأسيس دويلة مستقلة عن الاحتلال الإسباني في شمال الجزائر، واستطاع إنقاذ آلاف المسلمين في الأندلس من محاكم التفتيش الإسبانية عن طريق أسطوله البحري ثم أعلن ولاءه للعثمانيين في إسطنبول وهذا ما هدد المصالح الاستعمارية الإسبانية فقامت هذه الأخيرة بالتوغل في الجزائر والاستيلاء على تلمسان؛ مما مكنها من أسر عروج ثم إعدامه لاحقًا.

بعد استشهاد عروج ترك هذا الأخير تركة ثقيلة لأخيه الأصغر خير الدين فكان عليه مجابهة الاحتلال الإسباني للسواحل الجزائرية، فما كان من خير الدين إلا الاستنجاد بالخليفة العثماني سليمان القانوني في إسطنبول، وهو ما تحقق له فعلًا فقد أرسل الخليفة العثماني السلاح والعتاد والمدد لمواجهة الإسبان في شمال أفريقيا.

فقد استطاع خير الدين بارباروس طرد الإسبان من السواحل الجزائرية والتونسية وضم كل من تونس والجزائر تحت الإيالة العثمانية، ولم ينتهِ الأمر هنا فقد استطاع بارباروس غزو السواحل الإسبانية وتحرير أزيد من سبعين ألف مسلم أندلسي من شبه الجزيرة الإيبيرية والعبور بهم من البحر الأبيض المتوسط ثم إعادة توطينهم في الجزائر مستخدمًا الأسطول العثماني، ونظرًا لخدماته الجليلة في دحر الاستعمار الأوروبي ومساعدته للمستضعفين من أهل الأندلس قام سليمان القانوني بمكافأته بتعيينه قائدًا للأسطول البحري العثماني، وبفعل غاراته المتلاحقة على السواحل الأوروبية فقد عقدت الممالك الأوروبية حلفًا صليبيًّا للقضاء على خير الدين فقام حلف مكون من إسبانيا، والبرتغال، والبندقية، والقوات الباباوية بمواجهة الأسطول العثماني بقيادة برباروس في معركة “بروزة” البحرية، والتي انتهت بانتصار ساحق للأسطول العثماني وسيطرته بشكل كامل لمدة ثلاث وثلاثين سنة بعد المعركة على البحر الأبيض المتوسط.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد