يقع الكثيرون في أسر التجارب السابقة سلبًا وإيجابًا. فذلك الذي نجح في إدارة تجربة ما فإنه يُقْدِم في كل تجربة مشابهة على استنساخ الخطوات التي أدت للنجاح على اعتبار أنها طريق النجاح الوحيد والمضمون، أما الآخر الذي لم ينجح في إدارة موقف معين على النحو المرضي سابقا فإنه يبقى أسيرًا للخوف الذي ينتابه من عدم النجاح في كل مرة يقع فيها في موقف مماثل.

ورغم أن العوامل المؤثرة في التجربة قد تتغير من مرة إلى أخرى عند تكررها، إلا أن فخ (أسر التجربة) يبقى هو المهيمن سواء حدث ذلك شعوريا أو لا شعوريا.

والمتفحص للحال الذي آلت إليه الأوضاع في مصر بعد 30/ 6 يرى ذلك الفخ حاضرًا بقوة في المشهد وعند جميع الأطراف بلا استثناء تقريبا.
فلو أننا تفحصنا جانب النظام القائم فإننا يمكننا أن ندلل على ما قلنا بمثالين في منتهى الوضوح.

المثال الأول هو ما جرى من محاولة استنساخ ما يسمى بالتجربة الناصرية في تقديم قائد الانقلاب العسكري لجموع الشعب على اعتبار أنه (عبد الناصر) الجديد. فعلى الرغم من الاختلاف الكبير بين الشخصيتين – عبد الناصر والسيسي – على المستوى الشخصي، وعلى الرغم من اختلاف معطيات الواقع من حيث القدرة على السيطرة المنفردة على ما يبث لجماهير الناس على المستوى الإعلامي للتأثير في وعيها، بل وتغير موازين القوى العالمية أيضا؛ إلا أن تكرار التجربة بنفس الخطوات والأدوات والمحتوى ظل هو المسيطر.

فذاك كان المنقذ من الملكية، وهذا هو المنقذ من الأخونة. وذاك هو عدو الإمبريالية العالمية، وهذا هو عدو السيطرة الأمريكية. وذاك هو المسئول الأول والأوحد عن المصريين، وكذلك هذا. وذاك هو صاحب الشعبية الجارفة والكاريزما التي لا تُضاهَى وهذا أيضًا.

وعلى الرغم من عدم وجود دلائل حقيقية على الأرض سواء تلقائية أو مصطنعة على تلك الصفات فيما يظهر للعيان، إلا أنه تم غرس ذلك في عقول الناس عن طريق الإلحاح والتكرار الإعلامي والكذب الفج، وبالتالي نجحوا في الوصول إلى الصورة الذهنية التي يريدونها له في عقول الكثيرين، إلا أن الفجوة الكبيرة بين الصورة الذهنية والواقع، وكذلك تغير واقع المناهضين من حيث الكم والكيف، إلى جانب التغير الذي حدث في النظام العالمي القائم؛ كل ذلك كان كفيلا بتغير نتائج التجربة عن سابقتها. فكانت المحصلة النهائية هي صورة مشوهة غير واضحة المعالم وباهتة الألوان عما أرادوا. كانت المحصلة هي (صنم من ورق) بلا شك ولا جدال.

أما المثال الثاني فهو تجربة تحالف نظام السيسي مع روسيا، فعلى الرغم من أن روسيا التي كانت قطبًا في عالم ثنائي القطب تختلف تماما عن روسيا في عالم أحادي القطب يسمح لها بالتحرك في المساحة المرضية له، ويحدد لها خطوطها الحمراء، ويكبح جماحها إن أرادت التحرر من سطوته؛ إلا أنه تجري محاولة من نظام السيسي بالإيحاء بإمكانية تكرار تجربة روسيا – عبد الناصر!

فلا شك أن كلا الرجلين – عبد الناصر والسيسي – قد وصل إلى سدة الحكم في مصر بمباركة الإدارة الأمريكية ورضا العم سام، ولا شك أيضًا أن خلافًا حدث بين كلا الرجلين وداعمه العم سام عندما أراد كل منهما تجاوز الخطوط الحمراء الموضوعة له من أجل مكاسب شخصية له، ولا شك أن تجاوز كل منهما للخطوط الحمراء ومحاولتهما الخروج من القالب المراد لهما كانت نقطة تحول في موقف العم سام منهما من الدعم المطلق إلى ممارسة الضغوط الإخضاعية.

ولكن روسيا عبد الناصر التي كانت قلب الاتحاد السوفيتي، قطب القوى العالمية المناطح للإدارة الأمريكية، كان من المنطقي النظر إليه على اعتبار أنه سبيل لمقاومة ضغوط العم سام. أما في الوضع الحالي، وبعد تفكك الاتحاد السوفيتي وانهياره اقتصاديا ثم خضوعه للعم سام وتنازله عن موقعه في قطبية القوى العالمية مقابل المساعدات المقدمة له من الإدارة الأمريكية، والتي يضمن بها إقامة صلبه؛ تجعل محاولة استنساخ نفس التجربة معه الآن نوعًا من العبث السياسي. ويجعل أيضًا فخ (أسر التجربة) هنا واضحا جليًا.

أما في الجهة الأخرى من المشهد – الجهة الثورية – فليس أدل على الوقوع في (أسر التجربة) من المحاولات المستميتة والمستمرة لتكرار ما حدث في الفترة من 25 يناير إلى 11 فبراير 2011! فما زالت فكرة اقتحام الميادين الكبرى والاعتصام بها هي المهيمنة على الحراك الثوري، وما زالت السلمية المنعوتة بها تلك الأيام هي المسيطرة على عقول قادته. وعلى الرغم من تغير معطيات أساسية تجعل من المستحيل انتظار نجاح الحراك بتكرار تلك التجربة، إلا أن قيادة الحراك لم تعترف بذلك التغير حتى الآن، ولم تسلم بفكرة ضرورة البحث عن بدائل مناسبة للتعامل مع الوقت الحالي.

فالعسكر الذين تجنبوا الصدام الدامي مع الحراك الثوري في تلك الأيام بحثا عن استغلاله والاستفادة منه في إزاحة نظام مبارك، أصبحوا هم الآن في مواجهة مباشرة دامية مع ذلك الحراك دفاعًا عن مصالحهم المباشرة ومصالح أسيادهم بلا خجل أو مداراة. بل لقد أعلنوا بمنتهى الوضوح والدموية أنهم لن يسمحوا بتكرار ما حدث في التحرير في 25 يناير بما فعلوه في فضهم لاعتصامي رابعة والنهضة بلا أي سقف للردع. ولذلك فمحاولة تكرار التجربة واستنساخها هنا هو إهدار للوقت والجهود.

يبقى أن نقول أن الوقوع في فخ (أسر التجربة) من النظام القائم حاليًا ليس من المستغرب حدوثه، أما الوقوع في ذلك الفخ ممن يفترض فيهم أنهم (نواة) التغيير الحقيقي ودعاة الثورية ، فهو ما لا يمكن قبوله أبدا بأي حال. فكيف يمكن لحراك ينتظر منه تحرير أمة أن تبقى عقول قادته وأبنائه قيد الأسر؟!

حرروا عقولكم من الأسر لتتمكنوا من تحرير أمتكم وأوطانكم. فاستيعاب ما سبق من تجارب والاستفادة منها يختلف تمامًا عن الوقوع في قيد أسرها المقيت.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد