عزيزتي كاراميلا،

لا أعلم إن كنتِ ستأتين إلى هذا العالم أم لا، أخشى أن تنقل مشيمتي جذور الألم لكِ لتُغرس في عقلك وقلبك، وعندما تشقين طريقك خارج رحمي ستصرخين كشفرة تدعو الحزن ليلتصق بكِ للأبد، أخشى أن يقابلك الناس بتساؤلات عن لعنة وجهك المتجهم فتأتين بلا حيلة لي لنبكي سويًا دون إجابة واضحة.

لكنني أحبك بالرغم من عدم وضوح حقيقتك، فأنتِ ما زلتِ فكرة في عقلي. ربما من السهل أن تحب مجهولًا، عدمًا، شيئًا لا يبلغ من الوضوح درجة تُذكر، على أن تحب حقيقة تتحرك أمامك تطالبك بمستقبل ووعود لن تستطيع تنفيذها. لذلك لا أضمن لكِ شيئًا في هذا الخطاب.

أختبر بداية العقد الثالث، تجربة سيئة حتى الآن. فالجميع سينظر لكِ بتوقعات مثالية قد تفوق قدرتك، ستشعرين بضغط هائل للسير على الطريق الصحيح دائمًا فهذا يجب أن يحدث وفلان يجب أن يفعل ذلك وعِلان يجب أن يقوم بهذا وهكذا، هوس الإجابة الصحيحة/اللغة الصحيحة… لن أكذب فبعد كل هذا الضغط، أردت أن أخطئ، أن أسقط، أن أصبح نقيض ما أنا عليه، أن أرفع قدمي فأرى الوحل الذي يغرقها، أن أعاقبني حتى الموت. «وأني لأفضّل أن أكون مهرجًا على أن أكون قديسًا» (1)  في البداية كانت قيامتي تبض أمامي فالتشويش الذي أمر به مؤقت ومنعطفات التجربة ستنتهي يوما ما، أما الآن فلم تعد هامة بهذا القدر، شيء من السبات جعلني أمكث في ظلمة أبدية، أبكي في مقاومة سريعة تنتهي قبل حدوث شيء، أصرخ وأتحدث بحلق جاف ليصبح السقوط موطنًا لا عيب فيه، «لقد كنت معافى في كلّيتي، لكنني من وجهة أجزائي وتفاصيلي، وكحالة خاصّة كنت متدهورًا».(2) لم أعد أعلم الإجابة الصحيحة، تكاد أن تخنقني شكوكي دون أن أرى اليقين. هل هناك إجابة لأي شيء؟ أين اليقين؟ أين يجده هؤلاء؟ أكرههم أكثر من أي شيء، أكره ثقتهم التى لا أعرفها ولا أظن أنني سأتذوقها يومًا ما، أخشى أن تصبحي مثلهم، أو -أسوأ من ذلك- مثلي.  «ما زلتُ هشًا، إنسانًا افتراضي الوجود، حامض، ومن السخرية أن يسأل أحد عما سأفعل عندما أتكوّن».(3) أتكوّن ببطء، كجنين متشبث في رحم أمه لا يريد الخروج فيمكث هناك في صمت مهيب. قد يطول صمتك في حياتك غير المؤكدة، يغمرك فتغرقين به، لن أنقذك، لن أقدر على ذلك، سأصمت معكِ لنُبحر سويًا دون كلمة واحدة.

أبحث عن رائحة لكِ فاسمك مرتبط برائحة الكارميل، لكنني أريد أن يكون لكِ رائحة خاصة، كرائحة بيت جدتي المنسابة في ملابسها وملابس أمي القديمة، تلتصق بي عندما أرتدي واحدة من ملابسهن فأتساءل إن كانت هناك رائحة حقًا أم أن عقلي خلق هذا الانبعاث السحري ليذكرني بها، وببيتها، وبليلة العيد هناك، وبكيس العجوة الذي أسكتني يوم بكائي على ثوبي الملون المهترئ.

ذكريات كثيرة لا تحضر إلا بهذا العبق، وكأن كل شيء يمكن إسكاته إلا النسيم.. أحب رائحة أبي أيضًا، لا أقصد رائحة عطره فأنا أكره هذا العطر إذ أنه يخبئ عبقه كأن جلده يُنبت طيبًا. لذلك أريد أن أجد خاصتك ليذكرني بكِ! حتى إن تحولتِ إلى ذكرى وهمية لا أريدكِ أن تتبخري مثل كل شيء… أكذب، لا يتبخر كل شيء، سيذهب أحد يومًا ما دون أن يترك لكِ شيئًا يمنع تبخره لكن ذكراه ستتشبث بكِ ولن تتركك! خلقتُ منها رائحة لا أتبينها، لكنها ملتصقة بي، أبدأ كل يوم بها لتحرق قلبي ببطء شديد، ظننت أنه العذاب الأبدي وأنني سيزيف وأن هذه الرائحة هي الصخرة الضخمة –عقاب الألهة العظيم- التى يجب على سيزيف دحرجتها لأعلى على منحدر وما أن يصل للقمة –نهاية اليوم بالنسبة لي-، تنجذب للأرض لوزنها الثقيل فيبدأ من جديد مرة أخرى… هراء أليس كذلك؟ أن تحترقي كل يوم بسبب ذاكرة قوية، لا يسقط من عقلي شيء، أخشى عليكِ من ذاكرة تلبس ثوب الخالق وتظن أنها لا يمكن أن تخطئ فتستمر في فعلتها بأن تحافظ على كل شيء في موضعه إلا توازنك.

من السخف أن يختل عالمك الآن، فأنتِ افتراض قد لا يتحقق لكنني أتساءل هل اختلال عالمي يبعث اضطرابًا لافتراضاتي فتنشق على نفسها وتتخبط هي الأخرى؟ هل كونك فتاة في عقلي يجعل جسدك يعاني حتى قبل ولادتك؟ هل يحترق قلبك الآن مثلما يحدث لي؟ من أنتِ حقًا يا فتاة؟ ابنتي، أم مجرد انعكاس لي؟ أتجلسين وحدك الآن؟

أنظر للماء عندما يختلط بأوراق الكركديه الحمراء –الكجرات كما يسمى في العراق- كيف يرقص لونه بهدوء ويشق طريقه في الماء بذيول حريرية حتى يسكنه تمامًا، كما تفعل الوحشة بي.

هل خلقتك أم أنكِ هنا منذ البداية وتشكلتِ في عقلي لأول مرة عندما تذوقت الكراميل وأحببته فأصبحت افتراضًا يؤنسني؟

كذرات سكر ذائبة على النار، تشبهينني دون عناء، كأنك عالمي وكأنني عالمك، نشبه كل شيء نراه في شحوب عاديّ لا شامة تميزه ولا أمل يُكسيه.

لكن في أمنية صغيرة أرسلتها إلى النجوم أردت أن تصيري حقيقية، أن تتكوني سريعًا لتزدهري دائمًا، أن تعرفي طريقك، وأن تنفصلي عن جذوري وتبحثين عن خاصتك، ألا تعرفي الوحشة أبدًا، وأن تعلمي أنني هنا دائمًا لنعبر المجهول سويًا،

إلى لقاء غير مؤكد يا حلوتي..

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

(1) -(2) هذا هو الإنسان - نيتشه /(3) كتاب الرسم و الخط - ساراماجو
عرض التعليقات
تحميل المزيد