حول رحلة #هلا_بيكم_بكربلاء

عند الإعلان عن حملة #هلا_بيكم إلى كربلاء كنت أتشوق لأكون أحد المشاركين فيها فتم قبولي وشاركت بها .. لم أكن أصدق أنني سأذهب إلى كربلاء ضمن هذه الحملة، لذلك ليلة سفرنا لم أنم وبقيت مستيقظ إلى الصباح وشوقي يزداد لهذه الرحلة .. إنها رحلة الأمل .. لذلك تجمعنا صباح يوم الخميس 6/1 في منطقة الزهور التي كانت نقطة انطلاق لـ100 شاب موصلي حملوا على عاتقهم أمانة عظيمة وكلفوا بإيصالها إلى كربلاء .. وأية أمانة هذه .. إنها الوحدة الوطنية. في بداية وصولي لنقطة الانطلاق تعرفت على كثير من الأصدقاء وتبادلنا الأحاديث حول هذه الرحلة في الساعة 7:45 صباحًا انطلقت قوافل الموحدين كما اسميتها فكتبت في تلك اللحظات: (الآن انطلقت حملة هلا بيكم متوجهة إلى كربلاء حقيقة مشهد لا يوصف فهذه الحملة هي الأولى من نوعها على مستوى العراق خصوصًا بهذا الحجم والكم الهائل، حيث انطلق 100 شاب من خيرة شباب الموصل معبرين عن حبهم وامتنانهم لأهلنا في الجنوب، نعم إنها حملة أكثر من رائعة لذلك صدم جميع السياسيين وشكلت الحملة مشاكل لهم لأنهم كانوا يعولون على الطائفية والخلافات والفتن لجلب أكبر قدر من الناخبين. نعم هذه الحملة كانت خير مثال للألفة والمحبة بين الشمال والجنوب فمن أبرز ما أدت إليه هو نبذ الخلافات وتوحيد الرؤى .. لا أريد الكلام الآن، لكن انتظروني في الساعات القادمة حيث هي من ستحدد ما سأكتبه.

من الممكن أن يقول البعض سارعت بذكر منجزات الحملة، بالرغم من أني ما زلت في الموصل، ولكن للقلب والأحاسيس دور هام فهي التي أرشدتني إلى ما سيحدث قريبًا.

في الساعة 10:13 صباحًا وصلنا القيارة، لكننا لم نتوقف بسبب ضيق الوقت؛ فواصلنا التقدم ونقطة وقوفنا كانت مطعم ما شاء الله، قرب بيجي، حيث كان نقطة استراحة لنا، فالكثير منا لم يواصل صومه بسبب الإرهاق والتعب خلال السفر، لذلك تناولنا وجبة، ومن ثم عدنا إلى الحافلة؛ لنكمل مسيرتنا وصولًا لسامراء، وأكملنا مسيرتنا .. طبعًا خلال الطريق كان يدور الحديث بيننا، وكان بعضنا يلقي النصائح على الآخر، وألقى المنسقون وبعض الحاضرين محاضرات حول عدة مواضيع؛ فاستفدنا منها كثيرًا.

الساعة 5:00 عصرًا دخلنا بغداد، لكننا لم نتوقف بها لأية لحظة. لا أريد أن أطيل عليكم .. وصلنا كربلاء في الساعة 7:40 بعد تعب وإرهاق كبير تعرضنا له خلال السفر. خلال دخولنا أبهرنا ما رايناه من تقدم وإعمار وتطور، وأيضًا أدهشنا تحشد الناس في الشوارع، والجميع يتناول الفطور سويًا حقيقة منظر لم تتمالك أنفسنا أن تتحمله؛ فسالت الدموع من أعيننا فرحًا وحزنًا في نفس الوقت .. فرحًا على أن بلادنا في خير وتقدم، وحزنًا على مدننا التي تدمرت، والتي لم تعد تشابه هذه المدن بحجم الإعمار والتقدم .. حقيقة كنا متندمين على عدم زيارتنا لكربلاء سابقًا، وقلت لصديقي عمر الذي كان بجانبي: لعن الله من كان سببًا في تفرقنا.

المهم أن كان في استقبالنا جمع من شباب ومثقفي كربلاء، تبادلنا الأحضان معهم، ورحبوا بنا في مدينتهم، وحظينا بضيافة العتبة الحسينية التي خصصت أماكن لاستضافتنا، حيث كان مقر إقامتنا هو مدينة الزائرين، حيث أجلسونا في أفخم الأماكن، وعاملونا أفضل معاملة. لا أخفي لكم وجود بعض التخوف من الذهاب إلى كربلاء، لكنه زال مع مرور الزمن.

لحظة وصولنا تناولنا وجبة عشاء، ومن ثم ذهبنا للعتبة الحسينية بحافلات خصصتها العتبة لنا طوال فترة إقامتنا بكربلاء. أثناء الطريق كنا مندهشين، ونحن ننظر إلى شوارع كربلاء وأهلها الطيبين، عندما وصلنا إلى هناك، لم أشعر بأي نوع من الغربة. كأني أتمشى في وسط الموصل .. عندما أقول أنا من الموصل، فإن الجميع يرحب بي، ويحاول أن يقدم لي أية مساعدة. المهم دخلنا للعتبة الحسينية المقدسة حاملين شعار: هلا بيكم بكربلاء. كان في استقبالنا أمين العتبة، ومسؤولوها، وعقد هنالك مؤتمرًا حول مجيئنا هناك، تبادلنا فيه رسائل المحبة والتسامح. بعدها بساعتين عدنا أدراجنا إلى مقر إقامتنا، وخلال هذه المدة تعرفنا على كثير من شباب كربلاء، ودخلوا في قلوبنا بسرعة، وأحببناهم حبًا شديدًا، والله يشهد على ذلك، وهم أيضًا بادلونا نفس الشعور. هم أيضا تفاجأوا بنا، بتعاملنا، بأخلاقنا، بمحبتنا لهم . في اليوم التالي صلينا في العتبة الحسينية صلاة موحدة شهد لها العالم، وعرضت أمام أنظار الدنيا؛ لتطفئ تلك الصلاة جميع الفتن التي حاول البعض إشعالها، وتم إطلاعنا في العتبة الحسينية على المتحف الذي يعود للعتبة، واستمتعنا بما في داخله.

وقضينا بكربلاء يومين، أجرينا به عدة جولات أخرى، تضمنت عائلات الشهداء، حيث زرنا إحدى العائلات التي استشهد أحد أبنائها في الموصل، لحظة وصولنا كنا خجولين ومحزونين، وزاد من خجلنا الكلام الذي بدر من أخي الشهيد الذي كان يقول لنا إنه فداء لكم ولأرضكم، وسنضحي بكل ما لدينا لأجلكم. حقيقة كلامه كان رائعًا ولا يوصف، وزاد من يقظة ضميرنا وسعينا على تحمل مسؤولية بلدنا.

أثناء فترة بقائنا بكربلاء كان هنالك لدينا عدة نشاطات بضمنها توزيع رسائل على أهالي كربلاء، كنا قد جمعناها سابقًا من أهالي الموصل، وتتضمن الرسائل مضامين عن المحبة والسلام والشكر والثناء والتعازي لعائلات الشهداء، ونحن سبق أن جمعناها من الصغير والكبير، الغني والفقير، العسكري والمدني في الموصل، وعندما كنا نوزعها نوضح لأهالي كربلاء عن كيفية جمعها، وننقل لكم ما تحدثه اهل الموصل عن اهل الجنوب ومدى حب واعتزاز وفخر أهل الموصل بأهلهم في الجنوب وأماكن التوزيع كانت قرب العتبة الحسينية وفي مدينة الزائرين، وبسوق مدينة كربلاء وقابلنا أهالي كربلاء بفرح وسرور، وشكروا موقفنا وسعينا لإخماد الفتن والحث على المصالحة الوطنية، حيث كل من كنا نجلس معه ونعطيه الرسالة يرحب بنا ترحيبًا حارًا، والرسائل، بالرغم من أنها حبر على ورق، لكن كان لها أثر كبير جدًا بعثته في نفوس الناس، وأعطتهم شعورًا رائعًا، وهذا الأمر أسعدنا كثيرًا.

أثناء وجودنا في مدينة الزائرين، كنت أتحدث مع أصدقائي ومجموعة من الشباب، أثناء كلامي انتبه إلينا أحد الأشخاص الجالسين بقربنا، فقال لي: أنت من أين؟ قلت: من الموصل. قال: تعني من تلعفر! (وذلك لأن أغلب أهالي محافظة نينوى المتواجدين هنالك من تلعفر بسبب تهجيرهم من قبل داعش)، قلت: لا، أنا من نفس مدينة الموصل، فقال لي وهو خجول هل أنت سني؟ فقلت له: والله أستحي أن أتحدث بهذه المسميات؛ لأني أعترف بعراقيتي أولًا، ولكن لإيصال الفكرة أقول لك: نعم، أنا سني.

فبدأنا نتحدث عن الوضع، وما الذي أتى بي إلى هناك، وحدثته عن الموصل، وعن أهلها، وعن الأوضاع التي مرت وتمر عليها؛ فأعجبه جدًا كلامي، وأخرج جواله وأعطاني إياه وقال لي التقط لنا صورة سيلفي، لكي تبقى للذكرى بيني وبينك، ومن ثم بعدها صافحته وودعته وذهبت بعدها للمطعم؛ لكي آكل، وصادف وجوده هناك أيضًا، فلما رآني أقسم أن يطعمني، وبالفعل دعاني إلى وجبة عشاء، ورحب بي مرة أخرى، وبعد الانتهاء من العشاء أراد اصطحابي إلى منزله، لكني رفضت بسبب وجودي مع الوفد. حقيقة أثر في هذا الموقف، وفرح ذلك الشخص الذي كان يقول لي: أفتخر بكم كونكم هنا.

في اليوم التالي زرنا مدينة النجف، وأيضًا لم نشعر بأية غربة، وتفرقة بالعكس، أنا دخلت لوحدي لسوق الذهب الذي بوسط النجف، وكنت أمشي فيه وأتسوق، وأي محل أقف لديه أقول له: أنا من الموصل حتى أن أحدهم يبيع (دهينة) عندما قلت له: أنا من الموصل رحب بي أشد الترحيب، وكان هنالك رجلان من الكوت على ما أعتقد، واقفين بجنبنا، وقد فرحوا كثيرًا وأرسلوا لي سلامات لأهل الموصل ولأشخاص أصدقاؤهم من الموصل، يعرفونهم منذ فترة طويلة.

 المهم عدنا في نفس اليوم لكربلاء، وحضرنا احتفالية لشركة زين بمناسبة رمضان، وقدمت الشركة خطوطًا مجانية هدية لكل واحد منا، تلا الحفل مسرحية أقامها عدد من شباب الموصل على مسرح مدينة الألعاب في كربلاء مسرحية لم تبق أحدًا من الحاضرين، إلا وأبكته مسرحية تعبر عن ما حدث خلال الثلاث سنوات الماضية من جرائم، وظلم ارتكبه داعش بحق أهالي الموصل، وأكثر شي أثر في رحلة كربلاء علينا هو هذه المسرحية، حيث قدموها الشباب بأدوار رائعة، ولاقت إعجاب جميع الحاضرين. وبعدها عدنا أدراجنا إلى محل إقامتنا، وانطلقنا في فجر يوم الأحد وسط أجواء مليئة بالحزن نتيحة مفارقة أصدقائنا الكربلائيين، الجميع كان يبكي بكاء الأطفال، مشهد لا يوصف، لكن بنفس الوقت فرحنا فرحًا شديدًا؛ كوننا حققنا هذا النجاح، وهو المحبة بين شباب الموصل وكربلاء، والتي كانت موجودة منذ القدم، ولكن تجددت بإلقاء خلال حملة: هلا بيكم، وصلنا للموصل ظهر يوم الأحد وسط أجواء احتفالية بما حققناه خلال الأربعة أيام الماضية، وأنا عن نفسي أصبت بحالة نفسية خلال اليومين التاليين؛ لأني تعودت بشكل كبير على الأصدقاء الذين تعرفت عليهم بكربلاء، وأحببتهم بشكل لا يوصف، لذلك فراقهم ترك أثرًا كبيرًا في نفسي .. نعم إنها رحلة من العمر من الممكن أن تتكرر لكن المرة الأولى التي تعرفنا فيها على هولاء الأصدقاء كانت أكثر من رائعة.

الشكر والامتنان للقائمين على حملة: هلا بيكم؛ لسعيهم وعملهم الدءوب الذي بذلوه في سبيل إيصالنا لكربلاء وإيصال رسائلنا وأفكارنا، ويعود الفضل لهم بعد الله في التعرف على الشباب الكربلائيين الذين ما زلنا نحن وإياهم على تواصل، ولن ننقطع عن بعضنا البعض، ولن يفرقنا شيء بعد اليوم، وهذا عهد قطعناه على أنفسنا .. وتقبلوا تحياتي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد