“أما بعد أيها الناس فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أريح عليه حقه إن شاء الله، والقوى فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه إن شاء الله، لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم قط إلا عمهم الله بالبلاء، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم”.

هكذا بدأ الصديق عهدًا جديدًا لدولة الإسلام بعد وفاة خاتم النبيين وحامل رسالة الإسلام ومؤسس دولته محمد عليه الصلاة والسلام، بدأها الصديق وهو يحمل في جعبته خبرة سياسية تبدو ضئيلة، فدولة المدينة لم تصل إلى مرحلة الاستقرار إلا بعد فتح مكة ونمو الإسلام في شبه الجزيرة.

 

ربما اكتسب أبوبكر بعض الحنكة منذ رافق الرسول في رحلته الدعوية قبل أكثر من عقدين من توليه دفة قيادة الدولة الإسلامية، لكن هذه الحنكة افتقدت إلى التجربة العملية تمامًا كما افتقدت للقداسة الدينية التي انتهت بوفاة سيدنا محمد بالرغم مما لأبي بكر من احترام وتقدير عند الصحابة أنصارًا كانوا أو مهاجرين.

لم تكن خطبة أبي بكر التي استهل بها خلافته لرسول الله هي بداية الرحلة التي استمرت ثلاثة عشر قرنـًا فيما بعد، فقد بدأت الرحلة في سقيفة بني ساعدة بل ربما قبل ذلك بعدة أيام، منذ أن مرض رسول الله – صلى الله عليه وسلم – واختار أبا بكر لإمامة المسلمين.

كان جليًّا أن الصديق – أول من دخل الإسلام من الرجال ورفيق رسول الله في رحلة الهجرة – هو الخليفة المنتظر، لكن الرسول لم يصرح بذلك أو يأمر به من بعده ليضع – في رأيي – أسس اختيار الخليفة/الحاكم ويعزز من ضرورة ترك الأمر شورى بين الناس. لذلك لم يكن من الصعب على من حضر السقيفة أن يبايع أبا بكر بالرغم من الخلاف المبدئي الذي دار بين الأنصار والمهاجرين على هوية من يحمل راية الإسلام كقائد وحاكم للدولة بعد رسول الله.

ربما يدور النقاش الآن بصورة أكثر أريحية عن أول انتخابات رئاسة في تاريخ الإسلام – لو جاز لنا أن نسميها كذلك – بل ربما عُقدت المقارنات بين المرشحين الأوفر حظـًّا حينها لتولي منصب الخليفة وهم أبو بكر وعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وسعد بن عبادة الأنصاري وأبو عبيدة بن الجراح، وتعرضت لهؤلاء المرشحين بل وللعملية الديمقراطية – بمفهومنا العصري – برمتها بالانتقاد الحاد فتخرج بالموضوع عن سياقه التاريخي وتتجاهل الظروف والخبرات والأوضاع القائمة حينها.

يظهر ذلك واضحًا حين يتهم المعاصرون حادثة السقيفة اتهامات جسيمة منها طمع الأنصار في السلطة وفي خلافة رسول الله ثم اغتصاب الصديق والفاروق لهذه السلطة منهم، بل يذهب البعض الآخر لاغتصابهما السلطة أيضًا من علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
لكننا وبنظرة موضوعية إلى الأحداث نجد أن عملية اختيار أول خليفة للمسلمين إنما كانت من أفضل العمليات الانتخابية وأكثرها نزاهة، بل موضوعية بمفهومنا العصري، ربما لا ينافسها في ذلك إلا عملية اختيار خليفة لعمر بن الخطاب رضي الله عنه.

فمعظم مقومات عملية الاختيار توافرت في هذا الحدث بداية من اجتماع جماعة الحل والعقد كممثلين للمسلمين (المجمع الانتخابي في الولايات المتحدة).

ومرورًا بوجود أكثر من مرشح (سعد بن عبادة مرشح الأنصار وأبوبكر وعمر وأبو عبيدة من المهاجرين) وانتهاء بمبايعة الحضور لأبي بكر. لكن ومع نقاء هذه العملية لا يعيبها أن نذكر أن سعد بن عبادة لم يبايع، وأن الأنصار كانوا يتطلعون في بداية الأمر أن يكون خليفة الرسول منهم بحكم ما قدموه للإسلام طوال أحد عشر عامًا هي عمر دولة المدينة المنورة في عهد الرسول، في الحقيقة لا يوجد أدنى غضاضة في أن تشوب عملية اختيار الخليفة بعض الاعتراضات أو الخلافات.

بل على االعكس تمامًا فمحاولة التنصل من هذه الصفات البشرية وإضفاء صفة الملائكية على التاريخ وشخصياته هو أحد الأسباب الرئيسية التي جعلت من الخلافة بمفهومها السياسي معضلة على مر العصور وسهلت من مهمة معارضيها في التعرض لها والانتقاص منها.

لو عدنا إلى لحظة المبايعة يتضح لنا كيف كان حرص أبوبكر على وحدة المسلمين وكيف كان هدفه لا أن يحكم هو بشخصه، وإنما أن يحكم من يرضى عنه جموع الشعب العربي المسلم، وقد كان في اعتقاده – وهو لحد كبير صحيح – أنهم لن يرضوا إلا بقريشي، لذلك كانت إحدى مراحل انتخابات الثقيفة هي مرحلة الفرز وفيها خرج سعد بن عبادة من دائرة المرشحين واستبعدت فكرة الأنصار تمامًا. وقد سبق خطوة وضع شروط الترشح وضع نظام الانتخابات نفسه حيث تم رفض اقتراح أن يتولى المسئولية أميران أحدهما من المهاجرين والآخر من الأنصار، وتم الاتفاق على أن يتولى القيادة رجل واحد.

جرى بعد ذلك محاولة من أبي بكر لتنصيب إما عمر أو أبي عبيدة تبعها مبايعة عمر لأبي بكر خليفة ثم مبايعة الجمع كله له. هكذا تم الاتفاق والتوحد في لحظات كان أخطر ما فيها هو الفرقة، هكذا حفظ أبو بكر الإسلام ودولته من التشتت واستطاع أن يجمع كلمة المسلمين كافة عليه بالرغم مما يقال عن رفض علي بن أبي طالب والعباس مبايعته.

“أني وليت عليكم ولست بخيركم”، هكذا يؤسس أبو بكر لمبدأ هام جدًّا في النظام السياسي الإسلامي وهو ضرورة اجتماع كلمة المسلمين على شخص حتى وإن كان هناك من هو أفضل منه، وبرغم اختلاف الكثيرين مع ما قاله الصديق بما فيهم الصحابة أنفسهم، الذين رأوا في اختيار الرسول له إمامًا للمسلمين في مرضه تفضيلاً له على كافة الصحابة، برغم ذلك فإن ما قاله أبو بكر قد أرسى قاعدة هامة مفادها أن وحدة الكلمة أكثر أهمية من الأفضلية التامة للخليفة المختار.

لم يكتف الخليفة الأول بذلك بل أضاف ثلاث قواعد أخرى أكملت الإطار السياسي لعملية الاختيار وما بعدها لخصها حين قال: “فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني، أطيعوني ما أطعت الله فيكم فإن عصيت الله فلا طاعة لي عليكم”. هنا يوضح أبو بكر الفارق بين الإخفاق السياسي والخروج على الشريعة فيجعل جزاء الأولى هو التقويم بينما جزاء الثانية هو العزل.

يؤسس الصديق بذلك لعدة مبادئ مجتمعة على رأسها رفع هالة التقديس عن شخص الخليفة وإضفاء صفة البشرية عليه، فكونه بشر يجعل من إمكانية أن يخطئ في اتخاذ بعض القرارات احتمالاً واقعيًّا سواء أكان ذلك الإخفاق دنيويًّا بحتـًا كقرار حرب أو قرار اقتصادي وغيرها، أم كان إخفاقـًا شرعيًّا.

كذلك يظهر جليًّا من لفظتي “قوموني – لا طاعة لي عليكم” السلطة الممنوحة للشعب والقدرة على مشاركة الخليفة في الحكم واتخاذ القرار عن طريق الشورى التي أرساها الرسول في حياته، بل تتخطى هذه السلطة أحيانـًا سلطة الخليفة نفسه إذا عصى الله فيصبح للشعب الحق في عصيان الخليفة وربما استبداله.

لم يكتف أبو بكر بوضع اللبنة الأولى للنظام السياسي للحكم في الدولة الإسلامية في بداية توليه دفة القيادة، وإنما عمد قبل وفاته إلى إثراء هذا النظام وقواعده بأسس جديدة فتحت الباب من بعده للاجتهاد والتطوير في هيكل هذا النظام وبنيته وسبل تداول السلطة، فها هو الصديق على فراش المرض مازالت وحدة الدولة تشغله فيقر مبدأ جديدًا في الحكم وهو اختيار الخليفة في حياة سلفه درءًا للمفاسد وخوفـًا من تفرق كلمة المسلمين من بعده، وهو ما أخذته عنه النظم الديمقراطية والجمهوريات الحديثة بعدها بأكثر من عشرة قرون؛ حيث يتم فتح باب الترشح للانتخابات الرئاسية قبل انتهاء فترة الرئيس الحاكم.

صحيح أنه بداية من عهد الدولة الأموية بدأ الحكام أيضًا باختيار من يليهم في الحكم، لكن فقدان هذه الدولة لمبدأ الانتخاب والاختيار الحقيقي جعل مما فعله أبو بكر شيئـًا مختلفـًا ومميزًا. خاصة إذا ما علمنا أن أبوبكر لم يفعل ذلك منفردًا وإنما تشاور مع من حوله من كبار الصحابة الذين أيدوا اختياره للفاروق خليفة له. ولم يكتف أبو بكر بذلك بل جنح إلى أخذ تفويض من شعبه يكفل له اختيار أو ترشيخ خليفته فصار اختياره نابعـًا من رغبة الشعب إلى جانب رغبته الشخصية.

 

أما الفاروق فكان عهده نموذجًا مثاليًّا للنظام السياسي الذي تجسدت فيه كل عوامل النجاح وتبلورت معالم النضج، لكن بعيدًا عن الشكل السياسي والهيكل التنظيمي للدولة – التي اتسعت رقعتها كثيرًا في عهده – وبغض النظر عما أدخله من تعديلات وتطويرات على بنية النظام الإداري بما فيها النظام الفيدرالي الذي بدأ في تطبيقه إلى حد كبير مع ولاته وولايته، تبقى طريقة اختيار خليفته محل اهتمام ودراسة أضافت للحالتين السابقتين بعدًا جديدًا يجعل من الخلافة وتفصيلاتها السياسية أمرًا إداريًّا بحتـًا لا دخل كبير للشريعة به، فبينما تضع الشريعة شروطـًا لتولي هذا المنصب، يبقى الجانب الأكبر من الأمر محل اجتهاد بشري.

فها هو الفاروق يبتدع نظامًا جديدًا ويختار ستة ليخلفه أحدهم، وقد جعل أمر اختيار أحدهم شورى بينهم وأضاف ابنه عبد الله سابعًا ليكون رأيه الفيصل في حال انقسمت أصواتهم بين رجلين، ثم يمنحه حق الترشح وإنما أعطاه فقط حق التصويت.

 

ولم يكتف عبد الرحمن بن عوف – وهو أحد الستة – بذلك وإنما حاول الوصول بما أوصى به عمر لصورة أفضل وأيسر وقلل من احتمالات التصادم أو الفرقة، فقد استطاع أن يقلص قائمة المرشحين إلى ثلاث بعدما أمر أهل الشورى بأن يجعلوا أمرهم إلى ثلاث فاختار الزبير علي بن أبي طالب واختار طلحة عثمان بن عفان، واختار سعد بن أبي وقاص عبد الرحمن بن عوف، بعدها قام عبد الرحمن بإخراج نفسه من دائرة المرشحين حتى تكون مساعيه فيما بعد حيادية لا تشوبها شبهة المصلحة، وأبقى على عثمان وعلي.

وقد أخذ على كل منهما عهدًا أن يحكم بالعدل ولا يظلم، ثم قام بخطوة جديدة تتشابه كثيرًا مع أنظمة الانتخابات الحالية في معظم ديمقراطيات العالم حيث قام باستطلاع رأي أهل المدينة حتى قال: “والله ما تركت بيتـًا من بيوت المهاجرين والأنصار إلا وسألتهم فما رأيتهم يعدلون بعثمان أحدًا”، هكذا أعلن عبد الرحمن بن عوف نتيجة المرحلة الثانية من الانتخابات بعد مضي مهلة الثلاثة الأيام التي منحها عمر إياهم.

عقد كامل من الزمان حكمه عمر فأبلى فيه بلاء حسنـًا، حتى جاء ذو النورين فحكم اثنا عشر عامًا اجتهد فيها وأجاد وأعلى راية الإسلام وبسطها على أراض لم يرفع فيها أذان من قبل، لكن بعض الرعية كان لهم رأيًا آخرًا، حيث أنكروا على عثمان بعضـًا من أفعاله وقراراته وطلبوا منه التنحي في واقعة جديدة على المجتمع المسلم. هنا تبرز أهم وأخطر اللحظات في التاريخ الإسلامي، اللحظات التي غيرت من شكل النظام السياسي وهيئته لاحقـًا.

يدعي البعض أن قرار عثمان كان خاطئـًا وأنه ربما لو جنح إلى رغبة معارضيه ربما لكان ذلك أفضل للأمة الإسلامية فيما بعد، لكن وبالعودة إلى منهج أبي بكر الذي وضعه في يومه الأول يظهر لنا الفارق الضخم بين دور الرعية تجاه الحاكم في حال أخطأ سياسيًا أو شرعيًا، فلو سلمنا بأن عثمان ربما لم يرض رعيته سياسيًّا فرد الفعل المتوقع والمفترض في هذه الحالة تبعًا لمنهج الصديق هو التقويم وليس العصيان.

لذلك فقد وضع عثمان بقراره الشجاع – والذي دفع ثمنه حياته فيما بعد – القاعدة قبل الأخيرة في دستور الدولة الإسلامية ونظامها السياسي، وأغلقت بوفاته صفحة الدولة الإسلامية في المدينة وبقى سطر واحد كتبه علي بن أبي طالب لاحقـًا قبل أن ينهي سبط رسول الله – الحسن رضي الله عنه – الدولة الراشدة ومنهاجه النبوي ويبدأ بعده عهدًا جديدًا سماه رسول الله الملك العضوض.

هكذا انتهت دولة المدينة المنورة بعد خمس وثلاثين عامًا منذ وطأت قدما رسول الله أرضها وحتى صبغ اللون الأحمر قميص خليفتها الثالث، انتهت بعدما أضافت مخزونـًا هائلا للنظام السياسي لدولة الخلافة، هذا المخزون الذي لو يعره أحد اهتمامًا يذكر بمجرد انتهاء دولة الراشدين، بل ربما حتى قبل ذلك وبمجرد انتقال عاصمة الدولة إلى الكوفة في عهد علي بن أبي طالب. انتهت دولة المدينة وتفرقت كلمة المسلمين قرابة الست أعوام حتى عادت من جديد، عادت ومعها بدأ عصر دولة دمشق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد