هل كانت دولة القاهرة حقا دولة؟ بالتحديد هل كانت دولة خلافة كمثيلاتها في المدينة ودمشق وبغداد؟ أم كانت مجرد دويلة إسلامية مثلها في ذلك مثل الدولة الأخشيدية أو الطولونية؟ في الحقيقة إجابة هذا السؤال تكشف الكثير عن مفهوم الخلافة في أذهان الجماهير وصورتها النمطية التي تناقلتها الأجيال جيلا وراء الآخر حتى انتهى بها الأمر لمجرد اسم يدعى له على المنابر – على استحياء – جنبا إلى جنب مع اسم السلطان الحقيقي.

مع سقوط بغداد ودولتها صار منصب الخلافة شاغرًا، وصارت الفرصة سانحة لأي ذي قوة أن يرث المنصب ويتوج به عرش عائلته من بعده.

كان الأيوبيون قد انحصر ملكهم في الشام بعد زوال دولتهم في مصر، وكان الموحدون واقعين بين شقي الرحى حيث الحفصيون شرقا والمرينيون غربا، ولم يلبث الزيانيون أن أتوا وقضوا على الدولة الموحدية تماما، حتى سلاجقة الروم كانوا على وشك أن يلفظوا أنفاسهم الأخيرة بل لم يمر خمسون عاما على عين جالوت حتى كانوا فعليا قد فارقوا الحياة. هكذا صارت دولة المماليك الوليدة هي الوريث الشرعي المنتظر للدولة العباسية بحكم القوة التي برهنوا عليها أمام التتار والمجد الذي نالوه حين رفعوا راية الإسلام وحافظوا عليها في مصر والشام دون أن يدنسها هولاكو كما دنسها في بغداد.

سيف الدين قطز، ثاني سلاطين المماليك بعد عز الدين أيبك، بطل عين جالوت ومنقذ مصر – ومن ورائها شمال أفريقيا ربما – من الغزو المغولي، ربما كان من المبكر خلال الفترة التي حكم فيها أن يعيد الخلافة وربما لو أمهله القدر بضعة أشهر أخرى لكان أقدم على هذه الخطوة، لكن خلفه بيبرس كان له الفضل في ذلك؛ كان هو من أعاد الشجرة التي طالما استظل المسلمون بظلها في شتى بقاع الأرض، كانت الشرف الذي تسابق حكام الولايات الإسلامية غير التابعة للخلافة بإعلان ولائهم وانضمامهم تحت لوائه.

لكن بيبرس كان من الذكاء والحنكة ما كفل له أن يعلم أن الخليفة المملوكي ربما لن يكون مقبولا في عالم لازال يحيا فيه بنو قريش، ورغم أن الخليفة في آخر عصور الدولة العباسية كان إلى حد كبير منصبًا شرفيًا، يسكن بغداد ويحكمها لكنه لا يستطيع بسط نفوذه على باقي أنحاء دولته إلا من خلال سلاطين أخر، سلاجقة كانوا أو أيوبيين، رغم ذلك إلا أن أول تطبيق عملي حقيقي للخليفة الذي لا يحكم، بل ولا يملك حتى، بدأ على يد بيبرس واستمر قرابة الثلاثة قرون.

ربما شعر العباسيون بخطورة الموقف وحملوا المسئولية – اسميا – للم شمل الأمة الإسلامية مرة أخرى، وربما كان المجد هو غرضهم، لكن يبقى في النهاية الدور الذي لعبه لقب الخليفة القرشي سببا في استمرار دولة الخلافة بدون انقطاع يذكر منذ وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام وحتى تسلُّم بني عثمان لها عام 1517. يبقى سببا في بقاء الإسلام ودولته في أراضي الخلافة متدثرا بردائها ومحتميا بشرعيتها.

لكن يبقى هنا التساؤل الرئيسي الذي طُرح في البداية، ما هو الاختلاف الحقيقي بين دولة القاهرة وبين تلك التي أقامها الإخشيديون في مصر أو الحفصيون في المغرب أو حتى الأشراف لاحقا في شبه الجزيرة؟ ما الذي ميز دولة المماليك إذا ما رفعنا عنها مظلة الخلافة؟
الجواب من وجهة نظري هو لا شيء، بل ربما كانت دولة الغزنويين في الهند أو الخوارزميين في وسط آسيا وإيران أو المرابطين في المغرب قد حققت شهرة ومجدًا أكثر مما حققه بنو قلاوون وبنو برقوق وغيرهم من سلاطين المماليك. لم تكن القاهرة ودولتها كتلك التي أسسها جوهر الصقلي، لم تكن كدمشق القرن الثامن ولا بغداد القرن التاسع ولا إسطنبول القرن السادس عشر.

لم تكن إلا دولة من ضمن عدة دول إسلامية قامت في هذا العصر وقبله فحققت بعض الرخاء لشعبها أحيانا وبعض الشقاء أحيانا أخرى، ثم انزوت في جنبات التاريخ. صحيح أن القاهرة قد انضمت إلى سجل شرف عواصم الخلافة لمدة قاربت الثلاثمائة عام لكن مساحة الأراضي التي حكمتها القاهرة هي الأقل بين نظيراتها وحجم الإنجازات التي تحققت للدولة هي الأقل، ويكفي أن يسجل التاريخ أنها الدولة الوحيدة التي لم تتوسع فيها حدود دولة الخلافة إلا في أضيق الحدود.

وكما بدأت دولة القاهرة بنصر عسكري جاء بعد تهديد طال الدولة الإسلامية وحدودها بعد ضعف سلطة الخلافة، انتهت هذه الدولة بعد تهديدات برتغالية لحدود الدولة من الشرق، تلك التهديدات التي بدا جليا كم هي خطيرة بعد هزيمة المماليك وحلفائهم العثمانيين في معركة ديو البحرية عام 1509. هنا كانت دولة القاهرة على موعد مع الرحيل تاركة أرضها ومعها تاج الخلافة بين يدي بني عثمان. عندها بدأت دولة إسطنبول.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد