تختلف دولة إسطنبول اختلافات جذرية عن الدول التي سبقتها، ربما لم تكن هي الأطول عمرًا بينها لكن لو أضفنا لها عمر شقيقتيها بورصة وأدرنة لتعدي عمرها بذلك الستة قرون، وصارت هي الأطول بلا منازع. لكن الاختلاف الأكثر أهمية هو كونها أول دولة غير عربية ترفع راية الخلافة، صحيح أن الكثير من الدول غير العربية حكمت فعليًّا بعض الأراضي التابعة لبني العباس من قبل، فالسلاجقة مثلا كانوا هم الحكام الفعليين لفترة طويلة من عمر دولة بغداد، لكنهم لم يدعوا أبدًا الخلافة ولم يحاولوا منازعة آل العباس فيها. لم تكن الأصول غير العربية هي الاختلاف الوحيد، فقد كان لجغرافيا الدولة أيضًا دورًا هامًا في تغيير خارطة دول الخلافة، فهذه هي إسطنبول الأوروبية تقود العالم الإسلامي الواقعة أراضيه في آسيا وأفريقيا.

هذه هي القسطنطينية التي كانت عاصمة لواحدة من أقوى إمبراطوريات الأرض لقرون طويلة تخلع جلدها وتستبدل به جلدًا إسلاميًّا مدهشًا، بل وتسبغ على الأراضي المحيطة بها سيطرتها وتمنحها صبغة جديدة لم تعتدها هذه الدول.

هل كانت دولة إسطنبول دولة خلافة؟

يظل هذا السؤال هو الأبرز كلما تطرق حديث للدولة العثمانية، يظهر كسؤال استنكاري إلى حد ما خاصة إذا ما أخذ في الاعتبار الاختلافات المذكورة أعلاه من جنسية وجغرافية هذه الدولة واختلافها البين عن أسلافها، بل وحتى نسب عاصمة الدولة إسطنبول – ذات الأصل البيزنطي- يظل محل انتقاد كلما قورنت بأنساب بغداد ودمشق والقاهرة العريقة الذين سبقوها إلى الإسلام بثمانمائة عام. تظل ذكرى معركتي مرج دابق والريدانية في بدايات القرن السادس عشر موضع اتهام لسليم الأول ودولته التي لم يكن لها أن تحارب دولة القاهرة ومماليكها إلا طمعًا في السلطة والخلافة كما يقول الكثيرون.

لكننا حتى وإن سلمنا بهذا الأمر – وهو يبدو إلى حد بعيد غير صحيح- لا ينبغي لنا أن نتجاهل أن دولة بني عثمان في بورصة هي الدولة الوحيدة التي نشأت وترعرت وعاشت أكثر من قرنين دون أي مطامع في لقب الخليفة، بل إن دولة إسطنبول نفسها – وريثة بورصة وأدرنة- لم تفكر في الاحتكاك بدولة القاهرة إلا بعد ثلاث وستين سنة كاملة منذ مولدها في 1453 على يد محمد الفاتح، ذلك المقاتل العظيم الذي ربما لو أراد السيطرة على المشرق لما منعته دولة العباسيين الهشة في القاهرة، وما استطاع المماليك ردعه خاصة إذا ما علمنا أنه خلال فترة حكم محمد الفاتح والتي دامت ثلاثة عقود، اعتلى عرش السلطنة في القاهرة ثمانية من سلاطين المماليك دامت فترة حكم بعضهم شهرين، وكانت المؤامرات والثورات دائمًا صاحبة اليد الطولى في تغيير هؤلاء السلاطين حينها.

بالطبع لا يمكننا تجاهل بعض فترات القوة في عهد دولة القاهرة خاصة في عهد السلطان الأشرف أينال، كما لا يمكننا تجاهل اتساع مساحة دولة القاهرة حينها مقارنة بدولة إسطنبول الوليدة، لكن يبقى زهد محمد الفاتح هو السبب الرئيسي في عدم إعلان إسطنبول عاصمة للخلافة. بل إن الفاتح قد أرسل إلى الديار المصرية رسالة لتهنئة السلطان أينال بالملك أخبره فيها بفتح القسطنطينية، وهو ما أسعد الأشرف أينال، ودقت البشائر لذلك، وزينت القاهرة أيامًا.

لم يكن الفاتح فقط هو من لم يطمع في الخلافة، بل إن ابنه بايزيد أيضًا سار على نهجه وكان همه الأول هو الإسلام والمسلمين، حتى إنه شارك قبل عدة أعوام من زوال دولة القاهرة في معركة ديو البحرية (1509) جنبًا إلى جنب مع المماليك لصد هجمات البرتغاليين. لكن هزيمة العثمانيين هناك إضافة إلى استشراء خطر الصفويين ودولتهم الوليدة بقيادة الشاه إسماعيل كانت من الأسباب الجوهرية التي دعت سليم الأول لاحقًا للإغارة على أراضي المماليك وضمها إلى ملكه.

لكن هذه الأسباب لم تكن الوحيدة ولا يمكننا نفي شبهة رغبة سليم الأول في السيطرة على مصر والشام وضمهما إلى دولته تمامًا، بل إن هذه الأسباب دعمت هذه الرغبة في السيطرة؛ حماية لأهل دولة القاهرة وللقاهرة نفسها من السقوط أسيرة في أيدي البرتغاليين أو سقوط دولته هو أسيرة في أيدي الصفويين المدعومين من المماليك. إضافة لما سبق ذكره فقد كان للماليك دور معادي لسليم في صراعه على السلطة مع والده وإخوته أحمد وكركود، وهو ربما ما أضاف سببًا – شخصيًّا – إضافيًّا له للقضاء على دولتهم.

بانتهاء دولة القاهرة ومقتل طومان باي وتنازل الخليفة العباسي المتوكل على الله عن الخلافة لسليم، طويت صفحة آخر دولة عربية في مشوار الخلافة وبدأ عهد آخر دول الخلافة. بدأت إسطنبول خلافتها بعهد أقوى سلاطينها على الإطلاق، سليمان القانوني ابن سليم الأول والذي تولى عام 1520 وحكم قرابة الخمسة عقود، تمددت فيهم رقعة الدولة بصورة لم تشهدها منذ عهد الأمويين وضمت أراضٍ لم يرفع فيها الأذان من قبل مثل المجر ورودس، كما أعاد سليمان بغداد إلى كنف الدولة الإسلامية ودخل تبريز مرة أخرى وضم الجزائر وتونس إلى أراضي الخلافة فكانت أوروبا ترتجف من ذكر اسمه.

مات سليمان وماتت معه روح الدولة مبكرًا، وبالرغم من استمرار الجسد لأكثر من ثلاثمائة عام بعد ذلك، إلا أنها لم تشهد فترات قوة متواصلة ومبهرة مثلما شهدت في عهد سليمان. مات سليمان وقبله ماتت الأندلس فلم يستطع أحد إنقاذها، ثم مات أهلها ورحلوا فلم يستطع أحد أيضًا إنقاذهم من هذا المصير، وعلى مدار قرنين من الزمان (القرن السابع عشر والثامن عشر) حاربت دولة إسطنبول من أجل الحفاظ على حدود دولة القانوني ولم تستطع إضافة أي مدينة خارج هذه الحدود، بينما كان القرن التاسع عشر هو قرن الانهيار أو بداية الانهيار، ففيه فقدت الدولة أراضيها في صربيا والبوسنة وشبه جزيرة القرم، ودخلت مصر تحت الاحتلال الإنجليزي، والجزائر تحت نظيره الفرنسي، وانتهى الحال بالدولة قبل بداية الحرب العالمية الأولى، وقد فقدت البلقان وصارت أراضيها في المشرق قاب قوسين أو أدنى من الضياع التام. هكذا اقتربت دولة إسطنبول من أوروبا في فكرها ومظاهرها وابتعدت عن أراضيها.

وكما تميزت الدولة العثمانية في بدايتها المختلفة عن دول الخلافة العربية، تميزت في نهايتها أيضًا. كان مشهد النهاية أليمًا بالرغم من خلوه من أي دماء، فبينما صبغ اللون الأحمر مشهد الزاب الكبير ومشهد الريدانية، وبينما قُتل علي ومن بعده قُتل مروان بن محمد فالمستعصم بالله وأخيرًا طومان باي، فقد كان رحيل عبد المجيد من شواطئ إسطنبول عاصمته وعاصمة دولته المحتضرة معبرًا أقسى تعبير عن نهاية دولة الخلافة لأجل غير معلوم، هذه النهاية التي بدت جلية يوم أن عُزل عبد الحميد الثاني، لكنها احتاجت خمسة عشر عامًا كاملة لتُكتب في كتب التاريخ بعد أن أنهكت الدولة تمامًا وفقدت أراضيها وأهلها وحتى ما تبقى منها (تركيا الحديثة) فقد هويته.

انتهت دولة الخلافة بانتهاء دولة إسطنبول، وانتهى معها حلم الوحدة. قامت دولة أنقرة والقاهرة ودمشق وبغداد وعمان وضاعت القدس ولم تعد بعد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد