تأثير التفسير التطبيقي على فكر كارل ماركس في الوطن العربي

منذ أن بدأت تتبلور الأفكار المادية في قالبها الاشتراكي والشيوعي على الساحة الفكرية والفلسفية العالمية إبان القرن الثامن عشر على يد ماركس وأنجلز اللذين طورا النظريه المادية، وخطيا بها خطوات كبيرة نحو جعلها قابلة للتطبيق على أرض الواقع في شكل نظم ومؤسسات تنفيذية ومشاريع اقتصادية وسلطوية.

قام حولها جدل صاخب في الغرب من معسكر الرأسمالية الذي كان يرى في الأفكار الناشئة تهديدًا لمصالحه وأرباحه التجارية ونظامه الاقتصادي القائم على تعظيم الأرباح على حساب حقوق العمال، ومعسكر المسيحية الذي كان يرى في ماركس وأفكاره خطرًا وتهديدًا لسلطان الدين في النفوس؛ لأن ماركس كان يجعل من الدين بسبب استغلال الرأسماليين له سببًا في بؤس حال الطبقة الكادحة؛ لأنه كما يزعم يسهم في تخديرهم عن المطالبة بحقوقهم.

كان هذا الحال بالنسبة للغرب في بواكير تبلور الأفكار الاشتراكية وربما لم يشارك الشرق في هذا الحين بهذه المعركة، وهذا الجدل الفكري القائم، ويرجع السبب في ذلك إلى أن الشرق لم يتعرف على الاشتراكية تعرفًا تامًا، ولم يحتك بها إلا إبان تأسيس أول دولة تأخذ بهذا المنهج، ألا وهي روسيا القيصرية التي سعت منذ ذلك الحين إلى التبشير بهذا الدين الجديد في الشرق الإسلامي مستهدفة بذلك منازعة نفوذ الإسلام أملًا في إبعاده عن دائرة التأثير؛ مما حدا بها إلى بذل جهود كثيرة كانت سببًا في بداية الصخب الفكري حول الاشتراكية التي سمع صداه بقوة في البلاد العربية والإسلامية على وجه الخصوص بين مؤيد ومعارض للمذهب الوليد والظاهر من وقائع السرد التاريخي أن المبهورين بالاشتراكية من ساسة ومفكرين شرقيين كانوا مبهورين بالشكل الذي تبلورت فيه الأفكار كسلطة، وكانوا مأخذوين بتفسير هذه السلطة لمبادئ المذهب أكثر من انبهارهم بالأفكار المجردة للاشتراكية غير المتلبسة بأي تفسير يخدم سلطة ما. فكان انتماؤهم للتطبيق العملي للفكرة المتمثل في الاتحاد السوفيتي، ولذلك فعندما تفكك الاتحاد السوفيتي انهارت معظم جبهات الاشتراكية في الشرق.

وكذلك نرى على الجانب الآخر أن المعارضين للاشتراكية، وكان جلهم من الذين انطلقوا في مجابهة هذا المذهب من منطلق الدفاع عن الدين الإسلامي الذي تستهدفه الدولة الشيوعية في إطار سعيها إلى إفناء كل الأديان.

انطلقوا أيضًا في هجومهم على الفكرة العامة من خلال التطبيق العملي لها المتمثل في ممارسات الاتحاد السوفيتي، وكذلك من خلال التركيز في بعض الأحيان على سمات شخصية في منظرها ماركس من حيث كونه يهوديًا ويتعاطى الخمر، وله علاقات نسائية متعددة بالرغم من أن هذه الأمور كانت توصف بكونها عادية في المجتمع الأوروبي آنذاك.

وقليل جدًا من المفكرين الإسلاميين الذين نظروا لهذا التيار بحياد وإنصاف واضعين إياه في نطاقه التاريخي الصحيح، مفرقين بين الأفكار المجردة ومدى صحتها وملاءمتها لوضع أوروبا في هذا الوقت بشكل محدد ومؤقت وبين خطأ التطبيق العملي وعدم صلاحيته في بيئة أخرى لم تخضع لنفس ظروف أوروبا ولم تتعرض لنفس المشاكل التي تعرضت لها في تلك الآونة، ولم تحتو على الداء الذي وطنته الرأسمالية في أوروبا؛ ليستخدم له نفس الدواء الذي استعمله ماركس، وأنا أرى أن أفكار ماركس مع ما يشوبها من ميل للعنف كانت الدواء الأنسب في هذا الوقت لمعضلات أوروبا وحال الكادحين فيها، ولكن في نطاق زمني محدد، أي كما تتطلب الحاجة فقط؛ لأننا لا يصح أن نعتبر الاشتراكية كالإسلام مذهب يصلح لكل زمان ومكان هذا لأنها مرتبطة في بدايتها ونشأتها بوجود علة معينة يصلح أن تكون أداة فاعلة في محاربتها، لكن أن تختفى هذه العلة، فإن استمرار الاشتراكية في هذا الوقت ضرب من العبث والرجعية ومعاندة المستقبل الذي دائمًا ما يفرض مشكلات جديدة تحتاج لحلول جديدة مؤقتة، ويبدو تدليلًا على ما نقول جليًا ما آل إليه الاتحاد السوفيتي من انهيار حين اختفى الداء بعدما تداركت الرأسمالية خطأها تجاه الطبقة العاملة بتحسين أحوالها ودمجها في إدارة المؤسسات الاقتصادية.

لكن كل هذه السلبيات للتطبيق العملي لا يعني أن نعزو فشل الاشتراكية للمبادئ العامة أو بعض السمات الشخصية في حياة منظرها الأول ماركس، بل حينئذ يكمن الفشل في كيفية تطبيق الفكرة وتفسيرها.

وأخيرًا علينا أن نتدارك القصور الذي تعاملنا به مع مثل هذه الأفكار والمذاهب، وأن نحرر المعايير الصحيحة التي نقيمها وننقدها بها مبتعدين عن الشخصنة، ومعاملة المبادئ العامة والأفكار المجردة بطريقة منصفة فلا نتورع عن الإقرار بما فيها من صواب وعدم تهويل ومبالغة ما فيها من خطأ، ثم ننصرف بتركيز بعد ذلك إلى محاكمة التطبيق العملي لتلك الأفكار محاكمة عادلة تتسم بالموضوعية في الطرح والبعد عن التهويل والتهوين.

لنؤسس بكل ذلك منهجية صحيحة للتعامل مع التيارات الفكرية الكبرى في العالم، تلك التي ينتج عنها أنظمه اقتصادية وسياسية قوية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد