أثارني ضغط الحكومة الفرنسية عندما كان إيمانويل ماكرون وزيرًا للاقتصاد من أجل التخفيض من راتب الرئيس التنفيذي لرونو نيسان كارلوس غوصن، واستجابة المجلس لطلب الحكومة، بعد ضغط قوي مارسته باعتبارها أكبر مساهم في الشركة، مجموعة من التساؤلات التي تبدو للمسؤولين المغاربة تافهة؛ لأنها تمسهم بالدرجة الأولى. وذات أهمية بالنسبة لمغربي يعيش على عتبة الفقر.

لكن أن تتبني الحكومة قرارًا مثل هذا في بلد كالمغرب يبدو بعيد المنال، خصوصًا في الفترة الحالية، في ظل الالتفاف حول إرادة الشعب في جميع المجالات، بدء بحراك الريف الذي انتهى رؤوسه في السجن، ونهاية بما تسرب هذه الأيام الأخيرة من عقد اجتماع بين الشركات المُقاطعة من طرف الشعب وعزم الحكومة تعويض هذه الشركات عن خسائرها، رغم إرادة الشعب المطحون بغلاء الأسعار، وتركيزًا لقوة المخزن التي لا تقهر، والاستمرار في تركيع الشعب المركع أصلًا. ليخرج الناطق الرسمي للحكومة بتصريح أن الدولة ستعاقب كل من كان وراء انطلاق شرارة المقاطعة، أو كل من أذاع خبرًا مثل هذا، في انتظار أن يخرج مرسوم حكومي يلزم كل مغربي بأداء ضريبة للشركات التي قاطعوها.

 أعجاز النخل المغاربة من وزراء وبرلمانيين يكلفون الدولة مليارات الدولارات بدون فائدة، فالدولة تنفق على النوابِ النوام ما يفوق 256 مليون درهم سنويا. ومقارنة بسيطة بين الوزير المغربي وزميله الفرنسي سنجد الفرق شاسعًا لدرجة أنه لا تجوز المقارنة. فكل ما ينتجه الشعب المغربي قاطبة لا يتجاوز الـ90 مليار يورو سنويًا، أي حوالي 26000 درهما سنويًا للفرد. الفرنسيين ينتجون حوالي 1400 مليار يورو، أي ما يعادل 300 ألف درهم للفرد الواحد، أي أكثر 11 مما ينتجه المغربي. الوزير الفرنسي يتقاضى بين ما بين تسعة إلى 14 ألف يورو، أي بمعدل 140000 في الشهر، والوزير المغربي يجب أن يتقاضى 11 مرة أقل من الوزير الفرنسي بمعنى ألا يتجاوز 4700، بينما هو يتقاضى أكثر من 600 ألف درهم دون احتساب التعويضات والإعفاءات.
وبنفس العملية فإن راتب رجل التعليم سلم 11 لا يتجاوز 7 آلاف درهم، وفي فرنسا راتب معلم سلم 10 هو 2200 يورو، أي 25 ألف درهم، لكنهم يولون اهتمامًا لأشياء أقل أهمية، ويتركون الأساس الذي تبنى عليه الحضارات.

أغلب الوزراء اغتنوا وأصبحو أثرياء، وهذا حقهم في الترقى الاجتماعي المبني على الإثراء الشرعي، وفي مقابل ذلك ازداد الشعب فقرًا. في المقابل متى سيصل هؤلاء الوزراء إلى الاقتناع بأن الوظائف الحكومية، ليست من أجل الاغتناء أو الثراء غير المشروع، بل من أجل خدمة مصالح المواطنين أولا وأخيرًا، وأنها تكليف أكثر مما هو تشريف؟ ألم يحن الوقت لهؤلاء السياسيين الذين اغتنوا على ظهر شعب مقهور بغلاء المعيشة، ومطحون في حاويات نقل القمامة، أن يراجعوا أنفسهم.

 أخذوا كل شيء، حتى الحلم الذي كنا نعتقد أنه هو ما تبقى لنا في هذا البلد، يبدو أنه سيتبخر قريبًا.

ما ينتجه الوزير والبرلماني المغربي مقارنة مع الفرنسي لا يساوي شيئًا، لكن مع ذلك الوزراء المغاربة يتقاضون أكثر مما يتقاضاها الفرنسي. ألم يحن الوقت للحكومة أن تراجع قراراتها ؟ هل ستظل الثروات تنهب من طرف القلة، ويؤدي الشعب ثمنها من دمه؟
أغلب الوزراء الذين يشكلون الحكومة ميسوري الحال، لكنهم يستغلون تقلدهم لمناصب وزارية لتكوين ثروة أكبر، في المقابل ما يؤدونه من أعمال يبدو هزيلًا، إضافة إلى تعدد الامتيازات والتعويضات السخية التي يتلقونها مقابل أعمال تافهة.

 في بلد مثل المغرب يجب أن نعطي أهمية لرجال التعليم والأطباء والقضاة، لكن للأسف هم الطبقة الأكثر هشاشة ومعاناة. الأمم تنهض بتعليمها وقضاتها لا بوزراء يركبون السيارات الفارهة، وبرلمانيين أميين لا يحضرون جلسات البرلمان، وإذا حضروا ناموا.

إذا كانت الحكومة الفرنسية قد ضغطت على شركة رونو نيسان لتخفض راتبه كارلوس غوصن الزيتون لأنها رأت أنه تبذير أكثر مما يصب في مصلحة الوطن. فمتى تدرك الحكومة المغربية أن ما يتقاضاه هؤلاء الوزراء والبرلمانيون هو تبذير خالص للمال العام فقط، ولا يصب إلا في مصلحة جويبهم المملوءة أصلًا. وأن تعدد التعويضات التي يتلقوونها تستنزف خزينة الدولة، متى سيدرك أعجاز النخل من الوزراء والبرلمانيين أن كارلوس غصن الزيتون أجبرته الدولة الفرنسية على التخفيض من راتبه، واستجاب مرغمًا لطلبها!

وإذا كانت الدولة الفرنسية ترعى مصالح مواطنيها، فمن الواجب على الحكومة المغربية أن ترعى هي أيضا مصالح من صوتوا لها، لكن بعدما كنا ننتظر منها أن تستجيب لمطالب الأغلبية الساكتة من المواطنين، والتي طالبت بتخفيض أجور البرلمانيين والوزراء، وإلغاء معاشات البرلمانيين تفاجئنا بالزيادة في أجورهم وتعويضاتهم، وضربت بعرض الحائط جميع المطالب الشعبية، وهي الحكومة التي رفعت شعار التقشف من أجل إيجاد توازن بين النفقات والمداخيل وصدقها المغاربة. يقال إن المغرب كان هو الاستثناء دائمًا، لهذا فسيكون أيضا استثناء، إذا ثار بشكل مختلف عما فعلوا إخواننا، لا تستغلوا أيها المسؤولون حب المغاربة لوطنهم، وتعيثوا في الأرض فسادًا. كما أرجو ألا تسمنوا من هم أصلا يعانون من البدانة الزائدة، وكما يقول المثل المغربي الدارج (بلا متزيد الشحمة في ظهر المعلوف).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك