الألب هي سلسلة جبال في أوروبا تمتد من النمسا وسلوفينيا شرقًا، مرورًا بإيطاليا وسويسرا وليختنشتاين وألمانيا، وحتى فرنسا غربًا. وكلمة ألب تعني أبيض باللغة اللاتينية. أعلى قمة في سلسلة الألب هي قمة مونت بلانك الواقع على الحدود الفرنسية – الإيطالية وتبلغ 4810 متر. وإذا أراد احدهم تسلق قمة مونت بلاك عليه أن يأخذ في الحسبان انخفاض الضغط والبرودة. سمعنا عن متسلقين هزموا هذه الارتفاعات، مثل إيدموند هيلاري الذي استطاع أن يكون أول من يتسلق قمة إفريست، وكانت هذه نجاحات في تاريخ الإنسانية خلدها التاريخ، ولكن ماذا عن جيش يعبر الجبال؟
                                                                           صورة لقمة مونت بلانك.

حنبعل برقا الشهير بهانيبال أو هانيبعل أو حنا بعل، هو من أعظم القادة العسكرين في التاريخ. اكتسح شمال إفريقيا وإسبانيا وفرنسا وسويسرا وإيطاليا، وحاصر روما 15 عامًا، وكادت تسقط لولا أن قامت عليه ثورة في قرطاج في القرن الأول قبل الميلاد.

                                                                                       صورة لحنبعل.

ولد بقرطاج سنة 247 قبل الميلاد، ورافق وهو في التاسعة من عمره والده أميلكار برقا في إسبانيا. وفي سنة 221 اختاره الجنود قائدًا بعد اغتيال صدربعل زوج أخته صلامبو، فتمكن من بسط نفوذ قرطاج على كامل شبه الجزيرة الإيبيرية بما في ذلك إحدى المحميات الرومانية. وقد رأت روما في ذلك خرقًا للمعاهدة التي عقدت إثر الحرب البونيقية الأولى، وطالبت بتسليمها حنبعل، وقد كان رفض هذا الطلب سببًا في اندلاع الحرب البونيقية الثانية بين سنتي 218 و201 قبل الميلاد.

                                                              خريطة روما وقرطاج خلال الحروب البونيقية.

بدأ حنبعل زحفه على روما سنة 218 قبل الميلاد حين غادر مدينة قرطاجنة بإسبانيا بجيش قوامه 40.000 جندي، فعبر جبال البيريني وجبال الألب خلال 15 يومًا، بالرغم من صعوبة الطريق وهجومات القبائل المعادية، استطاع إلحاق هزائم كبيرة بالقوات الرومانية في العديد من المعارك، أشهرها معركة كاناي والتي مني الروم فيها بخسائر بشرية كبيرة لتتواصل سيطرته بعد ذلك على العديد من المقاطعات الرومانية حتى سنة 211 قبل الميلاد، حين حاصر عاصمة الإمبراطورية دون أن يستطيع اختراق تحصيناتها، بعد أن رفض حلفاؤه مده بالتعزيزات اللازمة.

                                      جيش حنبعل يعبر جبال الألب لداخل إيطاليا مع الفيلة 215 قبل الميلاد.

وفي سنة 202 قبل الميلاد، شنت روما بقيادة شيبون الإفريقي هجوما على قرطاج، فلاقاه حنبعل في منطقة زامة، إلا أن جنوده حديثي العهد بالقتال فروا من ساحة المعركة تاركين الجنود المتمرسين يواجهون الرومان بمفردهم، فأبيد عدد كبير منهم، واستسلمت قرطاج لتنتهي بذلك الحرب البونيقية الثانية.

عبر حنبعل جبال الألب من الشمال إلى الجنوب بجيش فيه أجناس عدة وقبائل اتفقت على هزيمة روما، وفي زمن آخر، وهدف آخر، ونفس المكان، ونفس الصعاب، عبر منها المقاتلون التونسيون والمغاربة وأقوى المقاتلين من بولونيا من الجنوب إلى الشمال. جنود يحملون عتادهم ويعبرون الجبال الشاهقة.
كانت تونس دولة محتلة بدعوى الحماية الفرنسية، وذلك منذ سنة 1881 عندما أمضى محمد الصادق باي معاهدة باردو مع الحكومة الفرنسية. أعطت هذه المعاهدة لفرنسا حق الإشراف المالي والخارجي والعسكري في تونس تحت اسم الحماية. وفي خلال الحرب العالمية الثانية قامت القوات النازية بضرب الجيش الفرنسي في تونس وتمكنت من فرض سيطرتها على جنوب البلاد، وهكذا أصبحت الدولة التونسية مسرحًا للمعارك اللتي سميت بحملة تونس.

القوات النازية في تونس 1943 – 1942.

حملة تونس أو معركة تونس هي مجموعة معارك وقعت في تونس أثناء الحرب العالمية الثانية من ضمنها معركة القصرين من 17 نوفمبر (تشرين الثاني) 1942م إلى 13 مايو (أيار) 1943 ما بين قوات المحور (ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية) وقوات الحلفاء (الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا العظمى وفرنسا ونيوزيلندا). وبنهايتها كانت نهاية وجود قوات المحور في شمال إفريقيا.بدأت الحملة العسكرية بنجاح عسكري لقوات المحور، إلا أنه سرعان ما تحول إلى هزائم متتالية بسبب التفوق العسكري الواضح لقوات الحلفاء على مستوى المعدات والمؤونة وأكثر من 230 ألف جندي من قوات المحور قد تم أخذهم كسجناء حرب إضافة إلى الغالبية العظمى من قوات فيلق الصحراء التي يقودها ثعلب الصحراء رومل.

                                                        صورة للأسرى الألمان والإيطاليين في تونس.

بعد ذلك ضيق الخناق على النازية بحيث أصبح سهلًا نقل القتال إلى أراضي دول المحور، وفي خطوة أولى وجب تحرير إيطاليا من الفاشية التي يعارضها الشعب الإيطالي وتعرض حكومة الفاشية لانقلاب ناجح وإعتقل موسوليني، لولا أن القوات النازية تدخلت وأعادته للحكم لذلك كان في إيطاليا مناخ سهل لهزيمة دولة من دول المحور وأول انتصار حقيقي للحلفاء الذي سوف يمهد لهزيمة هتلر. كان كل شيء يدل على انتصار سهل في إيطاليا وبدئت الحملة العسكرية بإنزال قوات المظليين في جنوب إيطاليا ونزول جنود بولندا وفرنسا والمتطوعين التونسيين والمغاربة على الشواطء الإيطالية مع القصف الجوي، ولكن كان رومل قد أكمل بناء سور الدفاع وتجهيز أقوى الدفاعات في شمال إيطاليا لصد هذا الهجوم ولم توضع أية دفاعات في جبال الألب، واعتبرها هتلر امتدادًا لسور الدفاعات، وذلك أنه من المستحيل أن يمر الجنود عبر هذه الجبال الشاهقة. وانتقل رومل لقيادة جبهة الدفاع على شواطء النورماندي الفرنسية لصد هجوم القوات البريطانية والأمريكية والكندية.

       صورة من ميناء لا باشري في تونس جويلية 1943، استعداد الحلفاء قبل الحملة العسكرية على سيسيليا الإيطالية.

تقدمت قوات الحلفاء نحو الشمال مصطدمة بسور رومل وكانت الدفاعات قوية جدًا، وهكذا لم يكن هناك خيار سوى اجتياز جبال الألب، ولكن يتطلب الأمر رجالًا أقوياء يستطيعون تسلق الجبال، لذلك تم اختيار البعض من جنود بولندا الأقوياء، والتونسيين والمغاربة، الذين كانو الأساس في انتصار إيطاليا وتشتيت الدفاع الألماني بين شرق وغرب فرنسا، وتقدم الجنود التونسيون في جنوب فرنسا ومهدو لانتصار فرنسا وتحريرها بعد أن شاركوا المقاومة الشعبية الفرنسية في حربها على ما تبقى من الجيش النازي.

صور لبعض الجنود التونسيين الذين شاركوا في الحرب العالمية الثانية.

وبعد هزيمة هتلر كانت المقاومة المسلحة التونسية قد احتمت بالجبال التونسية واشتدت قوتها وشنت العديد من الهجمات على الجيش الفرنسي وألحقت به العديد من الخسائر، وهذا ما جعل الأحزاب التونسية تفاوض على استقلال تونس بدون ضغط.

وهكذا كانت رحلة جبال الألب كنزهة بالنسبة لسكان تونس عبر التاريخ، ومروا بها جيئة وذهابًا تاركين ورائهم تاريخًا مشرفًا إن دل على شيء فهو يدل على قوة الفرد التونسي وتحديه للمصاعب وإرادته وعزيمته الجبارة. وكما قال الشاعر التونسي أبو القاسم الشابي
إذَا مَا طَمَحْـتُ إلِـى غاية           رَكِبْتُ الْمُنَى وَنَسِيتُ الحَذَر
وَلَمْ أَتَجَنَّبْ وُعُـورَ الشِّعَـابِ    وَلا كبة اللهب المستعر
وَمَنْ لايحب صُعُودَ الجِبَـال        يعش أبد الدهر بين الحفر

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تاريخ, تونس, قرطاج
عرض التعليقات
تحميل المزيد