في إحدى ليالي البرد، رفضت أن أكون دمية يحرك خيوطها الخوف والوحدة ولكن دون جدوى فاﻹرادة لم تجلب حظًا وما زلت أبكي وحيدًا أثناء الليل.

الشمس في الأفق تنتظر الطلوع بينما يحدث وأن يتعاقب عليك اليوم كله دون أن تحرك ساكنًا بل ولسنوات قادمة ستمضي تتخبط في الظلمات علك تجد سبيلًا إلى مصابك، ومتى بدأ النهار فسيطبق عليك بينما تحدق في الفراغ.
هذه حياتك وهي تنتهي في كل دقيقة تمر عليك.

«لا أنتظر. دعني أَعُدْ أكثر وأبدأ من وقت سابق». كل يوم كسابقه، أخلد إلى النوم ثم أعود من جديد في الصباح أمام المرآة وأنظر إلى وجهي ثم أشعر بالاشمئزاز ولا أتذكر أني مررت من هنا قبل دقائق كما لو كنت نسخًا متطابقة واحدة تغطي الأخرى.

وأما بعد المنتصف حيث الأجواء الساكنة فأقضي الليل مضطربًا وحيدًا مع لا شيء سوى الأفكار، منبوذًا كمسخ جلس يراقب الوقت من فرط إحساسه بالوحدة الذي كاد يقتله، وأجزم أن صوت عقارب الساعة كان مرعبًا مثلما الألم بداخل رأس من يحتضر، وكان دويه مثل ألف سكين يطعنون كل قيد أنملة في جسدك إذ تعجز عن التفكير والتنفس على اﻷقل لن يسعك التفكير في شيء سوى اﻷلم.

وما أن ينقطع المارة حتى أمد الطرف نحو السماء فأجدها صامتة هادئة ناعسة يوشي أطرافها الغمام وتودعها آخر حدأة، ثم أنفخ في الناي محاكيًا الليل لمدة تكفي لظهور النجوم في ضوئها الخافت وعندما يتوسط القمر لا أستطيع أن أحدد أين تتوقف السماء وتبدأ الأرض، إذ أعاني من الانتظار وقتًا طويلًا ريثما لا يوجد في الفضاء إلا نجمة واحدة أستطيع أن أقلب فيها عيني الدامعتين ﻷرى الطاولات الشاغرة والمقاعد التي لا يشغلها غير صديقين أحدهما يقطع وعدًا للآخر بألا يتركه وأنهما سيحييان حياة واحدة والذكريات قابعة وراء الحطام والنفايات التي مررنا بها دومًا.

لم يغلب علي النوم إلا قبيل الفجر حيث كانت أصوات القرآن تتلى في كل مكان بينما تدوي أجراس الكنائس كأنها مراسم جنازة الأرض أو هكذا تمنيت. وزارني طيفها في هلوسة المخاوف كما تتساقط أوراق الياسمين على حشائش جافة تسعى بينها الحشرات فقد كانت أشبه بملكة جمال في مشهد سينمائي ترقص على الأرض دائريًا بالرغم من أنها بائعة هوى وحيدة الساق بيد أنها تتميز بروح الدعابة كأنها تتقاضى أجرًا عن ذلك. وهذه سيدة كانت تجلس في هذه الحانة كل ليلة مرتدية كل ما تملك من حلي منتظرة حبها الغائب منذ أمد طويل. وهنا شاب وجهه يوحي بالمتاعب وسوء الحظ على الأرجح فقد مر عمره بأكمله وهو بلا صديق حتى إنه شعر بالخجل من نفسه حيال كونه نكرة لا يكترث أحد ﻷمره في حين أنه يحتضر لتوه، لكنه عمل على ما هو أكثر غرابة في خلق علاقة من نوع آخر لم تكن تخطر له ببال فراح يدلي بوعوده لفتاة صغيرة مجنونة لم يبح بها ﻷحد من قبل، بينما هي راحت تصلي من أجله بعدما منحته لقب ذي القلب المكسور.
وأما بالجوار على قارعة الطريق فلفت انتباهي عجوز فاقد البصر يعبر الطريق بمساعدة أعمى قد ضل طريقه هو اﻵخر بينما راح ثالثهم وهو يحتضر يرقص التانجو تحت ضوء القمر مع أنثى فاتنة لم تبلغ العشرين بعد. لست أعلم ما ينويه هؤلاء لكني أنوي كتابة خطاب شديد اللهجة إلى ساراماغو!

هكذا تمضي الأيام على وتيرة واحدة، وهكذا كلما استبدت بي اﻵﻻم مضيت بعيدًا في أفكار وأحداث غريبة لم تكن لتوجد بالواقع، على الجانب الآخر في حين أنه بنفس مقدار فلسفتك يكون تفكيرك في الحياة فلقد آل بي ذلك إليهم، إنه شيء غير قابل للتفاوض.
هؤلاء خذلهم الجميع حتى تملكتهم العزلة فأصبحت الأحلام واقعهم يحاولون بما تبقى لهم السعي وراء معنى لحياتهم، إنها النقطة التي نتشارك فيها جميعنا.

يمكنك أن تتحول لكلب تحت المطاردة انحدر به العمق وتأخر عليه الزمن حتى لا يبقى منه إلا نواح حقد ومقت، نواحًا تحت الظلام لا أحد يسمعه لكن هذا لا يغير من الأمر شيئًا.
أظن أنه كان يجدر بك أن تمضي بفجوة مخيفة لا تلتئم فخدك آخذ في الصراخ كطفل وقد خلعت سروالك للتو حاملًا لافتة قد كتب فيها «حائرًا أغلب الأوقات.. وحيد تمامًا أرتجف من الخوف» فليقل لي أحدكم ماذا أنا بفاعل أيها الحمقى الملاعين»!
هذا ما يخطر لي في بعض الأحيان أنه لو بدا مظهرك شنيعًا بما يكفي فإن بوسعك عمل أي شيء وربما نجحت في اجتذاب الأنظار ضمن محاولتك في الظهور أكثر جدية مما أنت عليه. على كل إنها محاولة تستحق العناء.

يومًا بعد يوم نفقد جانبًا من أنفسنا وتصبح رغبتنا في الحياة ضئيلة جدًا حتى تضمحل، ومذاقها السيئ هو ما ينبهنا إلى زيف الواقع وحقيقة الموت.
ولكن في يوم من الأيام ليس بعد وقت طويل من الآن سنصبح قدماء بالتدريج وستوافينا المنية مسنين في معجعها الدافئ والبعض سيتحول إلى حطام وتراب قبل بلوغه حتى فراش الولادة. ليس هنا، وليس هذه الليلة، وليس هكذا.

الأحلام لا يزال بوسعها التنفس، والليل يعاقب النهار والعكس أيضًا، والقلب ينبض بالبقاء ولا يسعه المغادرة دون الاطمئنان على أحدهم. أما العقل فتربع الساحة وحيدًا وهو يسأل: كيف كانت ترقص ذات الساق الواحدة؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد