الإنسان خلقه الله لا شك! وهو يتميز عن باقي المخلوقات بميزتين، هما أساس نشأته، وقوام بنيته، ورفاهية حياته، وسبب فرحه، ولكن قد تكونان سبب شقائه وتعاسته المؤقتة أو الأبدية، هما اثنان لهما ثالث ورابع وخامس، وما لا نهاية! ذلك.. (العقل المدبر والنفس المنفذة).. إن طبيعة الإنسان خلقًا ونشأة هي التدبر والحدقة! فقوله تعالى: إن كل شيء خلقناه بقدر، لا يفيد عبثًا، ولا يجدي كلامًا هذليًا، بل إن الله دبر ثم قدر ثم خلق! ترتيبًا منطقيًا لابد منه لتمام قدرته على الإتقان في العمل أو حتى في أقل ما يمكن! ذلك الترتيب (دبر – قدر – خلق) يضارع مسيرة الإنسان تمامًا – على أتم وجه وأجل تحقيق – فالإنسان يولد، ثم يعمل، ثم يموت، فلولا دبر الله ما ولد الإنسان! ولولا قدر الله – رزقه وعمله – ما عمل الإنسان! ولولا خلق الله ما كان ليكون فلا يكون فيموت! إذًا فإن الصراع الحالي الحقيقي هو صراع تدبر وصراع تنفيذ.. ثاني اثنين! مكانتهما واحدة موحدة.. موجودة موجدة.. فصراع الإنسان في حياته يمتد ليشمل صراعات كثيرة، أهم أهمها أو أهم مهمها! تلك المعرفة. 

جميعنا على وجه التحديد يعلم الرسوم المتحركة للأطفال (القط والفأر) أو باسمه الحقيقي (توم آند جيري) الذي يمثل الصراع الحقيقي القائم بين (القط) و(الفأر) طوال حلقات المسلسل، وعلى الأغلب يكون المنتصر القوي هو (الفأر) على الهذيل الضعيف (القط) في أغلب صراعاتهما المستمرة، فماذا لو اعتبرنا أننا – الأناسي – نمثل (القط) والمعرفة يمثلها (الفأر).

إذًا الآن يأتي السؤال: من الأقوى دائمًا أو أحيانًا فيهما، القط أم الفأر؟! الجواب البديهي حتى من الأطفال دون الكبار! هو الفأر، إذًا فإن المعرفة هي الأقوى دائمًا علينا وصراعنا معها مستمر دون تركها، فإذا نحن صارعناها بقوة وأخذناها على محمل الجد وترعرعنا فيها وفي أدغالها وقاومناها وأخذ منها كفلًا من القدر كنا منتصرين أحيانًا، كما ينتصر القط على (الفأر) أحيانًا! وإذا تركناها تصارعنا دون مجاراتها كانت هي الأقوى، فإذا كان الإنسان بموجب التغيرات المعرفية وأفرعها المختلفة مشاهدًا إياها وسامعًا عنها دون مجاراتها كان ذلك بمجرد تخلف ووهم نعيش فيه، فمثلًا تلك المخترعات الحديثة، بدلًا عن نستخدمها دون معرفتها اختراعًا وصناعة، كان ذلك بمجرد تخلف معرفي قويم، فماذا لو جاريناها وتماشيتنا معها دائمًا؟!

ذلك هو الانتصار الحقيقي على الفأر أقصد بذلك المعرفة! ولكن تكون في المحدود، فما أوتينا من العلم والمعرفة إلا القليل، أليس كذلك؟! تلك – في رأينا – هو الانتصار الحقيقي في الحياة! بجانب الانتصارات الأخرى التي لابد منها من قوامات ومقاومات الحياة، كالانتصار على الفقر بالعمل من أجل المال من أجل العيشة، كالانتصار على التعاسة بالزواج من أجل الصراخ من أجل الاستقرار، تلك هي الانتصارات الحقيقي كما قلنا على الحياة بأسرها، أعلم أن الأمر قد يكون غريبًا لدى البعض، وخاصة في مضارعتنا للقط والفأر في موضوعنا، ولكن هو الأفضل مثلًا، والأدق قولًا، لنضرب به مضارعتنا مثلًا. 

تبدأ مسيرة الإنسان في المعرفة منذ ولادته مرورًا بطفولته مرورًا بشبابه مرورًا بكهالته حتى موته، منذ ولادته في معرفة من حوله – وخاصة أمه – فإذا به يصرخ إذ هي تمشي عنه، فتلك معرفة! وفي طفولته في تلقينه أساسيات معرفته في الحياة من أصدقاء وعلم وتعلم وتقدم وفنون الحياة بأسرها والتربية القومية التي يتزين بها خلقًا، بدليل قوله تعالى: وهب لي من لدنك ذرية طيبة، وفي شبابه إذ به يعرف كل شيء، في أي شيء، من أي شيء، لأي شيء، تلك أشياء يعملها بدقة فتجعل منه شابًا معرفيًا، وفي كهولته وعجزه في ابتكار شيء جديد، حتى وإن كان ذلك في ابتكار سبب مقنع، بدليل قوله تعالى: ربي أرني كيف تحب الموتى، فإذًا المعرفة ملازمة للإنسان أيًا كانت، فلابد من ملازمتها كما تلازمنا المعرفة. 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد