التاسعة مساءً مِن يومِ الثلاثاء المنصرم، حالي كحالِ هذا الليل.. «حالِك».

الطرقاتُ مظلمةٌ، المدينةُ على وشْكِ النوم، المدفئاتُ مطفأةٌ نظرًا لانقطاع التيار الكهربائي، الجميع على جهوزيةٍ تامةٍ لاستقبال منخفض الغد الماطر. أتجوّل في مدينتي الجميلة تحت قطرات المطر الخفيف، هذه هي مدينتي، مدينة خان يونس الفلسطينية، مدينة الخليط المركّب من كل شيءٍ قديم.

كنت أشعر بالبرد، فقادتني أقدامي نحو محلٍ شعبيٍ جديد يبيع ساندويشات «الكبدة الإسكندراني»، فاشتريت لنفسي رغيفين ساخنين، وذهبت لجوار القلعة الجميلة «قلعة برقوق»؛ لأجلس عند أحد الباعة الذين يصنعون المشروبات الساخنة.

كان البائع جيد الخُلق، ورغم أنه كان يجمع كراسيه القديمة هاربًا مِنَ المطر وتأخُّر الوقت، إلا أنه استقبلني بحفاوةٍ تفوق حفاوة استقبال رئيسٍ ذاهبٍ لعقدِ صفقةِ أسلحةٍ نووية، لأجلس عنده لأجلِ كأسٍ مِنَ «النسكافيه» بثمنٍ لا يزيد عن ربع دولار (1 شيكل إسرائيلي)، فهكذا هم الباعة البسطاء، عفويون وكرماء، ويسهرون لأواخر الليل من أجلِ لقمة عيشٍ تجعل أطفالهم سعداء.

جلستُ على الكرسيِّ وبدأتُ أتناول رغيفي الأول، وعلى حينِ غرّة.. رأيتُ قطةً تسترق النظر إليّ من خلفِ عامودٍ قريب، حدّقتُ بعينيها قرابة دقيقةٍ كاملة، ثم بدأَتْ تقترب مني رويدًا رويدًا، انتابني في هذه اللحظة شعورٌ غريبٌ لم يأتِ لي من قبل، فباشرتُ بالانحناء برغيفي إليها، وقبل أن أقترب منها رأيتها تنقض على يدي بمخالب يديها؛ ليسقط ما تبقّى من رغيفي على الأرض المبللة، ولتبدأ سلسلة التقاط الرغيف تحت فكّيها والهرب بسرعةٍ تفوقُ سرعةَ صاروخٍ تطلقه (المقاومة) على إسرائيل.

إِبّانَ ذلك، بدأت أتفحّص يدي اليمنى لأرى أنها جُرِحت بكشطٍ طفيف، فبدأتُ أتساءَلُ لثوانٍ مع نفسي بحديثٍ لا أودُّ الإفصاح عن مُجرياته، فقمتُ مسرعًا متعقبًا أثرها، إلى أن وصلت إلى وكرٍ تداري فيه نفسها بجوار «سوق الأربعاء الشّعبي»، نظرتُ إلى الوكر خلسةً لأرى هُريرةً صغيرةً تظلِّلُها قطع مِنَ القماش المفروشِ بجرائدٍ مهترئة. كان المنظر شاحبًا، كأنّ السماء تبكي لا تُمطِر، يا للعجب، كيف أرى ربّة المنزل تكدح في البحث عن طعامٍ لمولودتها الصغيرة التي تتناول رغيفي ببراءةِ الأطفال، بل وأبهى، هل ضاقت غزّة بالثديياتِ لهذا الحد؟!

عدتُ أدراجي صوب بائع المشروبات الساخنة، فأعطيته أجرة شرابي غير المكتمل وتركت إليه رغيفي الآخر، وانصرفت متجهًا إلى بائع الكبدة من جديد؛ لأشتري بدولارين (سبعة شواكل إسرائيلية) طبقًا مِنَ اللحمة الشهيّة، وكنتُ مُصِرًّا على البائع أن يُحسِنَ تغليفه بالقصدير المقوّى لأنّ الآكلَ ضيفُ شرفٍ عظيم، ومضيتُ عائدًا إلى فندقِ القطّة وهريرتها الصغيرة. وقبل الوصول كانت الساعة قد شارفت على بلوغ العاشرة ليلًا، واشتدّت حِلكة الليل وازداد المطر، إلا أنّ الأدرينالين لم ينفكّ عن التدفق في أحشائي بكمياتٍ كبيرة.

سبعةٌ مِنَ القطط، يصطفّون في منتصف الطريق المؤدي لفندق القطة دون سابق إنذار، تساءلت في سريرة نفسي: «هل هذه نقطة تفتيش؟»، «كيف سأمرُّ من بينهم؟»، بدا عليّ الخوفُ برهةً، فما كان بي إلا أن تشجّعت مرورًا من بينهم متحسسًا نظراتهم صوبَ المظروف المنبعثة منه رائحة اللحم عبثًا. وصلتُ لفندق القطة الجميل، لم أرَ أحدًا هناك، ثُرتُ فجأةً بكلِّ صرعٍ للبحثِ عن القطة وهريرتها، فوجدتها تعكف أمام بابِ محلٍ تجاريٍ كان قد أقفل أبوابه خلال غيابي، تحشرجت الكلمات في صدري، وتلعثمت الحروف على لساني، فما كان بي إلا أن ذهبت إلى قصرهما الجديد لأضع قلبي قبل طبقي على الأرض، وأراهما تأكلان منه بكل أمان، ولم تؤذني القطة عندما مسحتُ براحة يدي على رأس هريرتها أثناء تناولها الطعام، لم تؤذني أبدًا، أبدًا أبدًا.

تركتهما مع وجبة الليل الأخيرة على أمل أن أراهما في يومٍ مؤجَّلٍ مبجَّل، وباشرت بالعودة إلى منزلي مشيًا تحت صليل المطر الغزير، وأعترف أنني لم أشعر بالبرد حينًا رغم تبلل سراويلي، فقلبي قد منحني دفئًا مِنَ المِدفئةِ يحميني، وجسدي قد وهبني بالحبِّ شبعًا عن الجوعِ يُغنيني.

عزيزي القارئ: «إن شِئتَ فكُن إنسانيًا، وإن لم تشأ فكُن حيوانيًا؛ فالإنسان لا يبخل، والحيوان لا يُسيء».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد