يمثل عام 1337 ذكرى مرة لكل الأوروبيين، خاصة الإنجليز والفرنسيين، الذين خاضوا حربًا فيما بينهما، دامت 116 عام، يعبر عنها اليوم بحرب المائة عام، وقد كانت لهذه الحرب أسباب معلنة كثيرة، أشهرها: رغبة الإنجليز في الانفصال عن إمبراطورية فرنسا، مدفوعين بتطور الشعور العام بالتحرر والاستقلالية، بينما كان السبب الخفي هو صراعات السلالات الحاكمة في أوروبا على النفوذ الجغرافي والاقتصادي. إذ رأى كل حاكم أوروبي أنه الأولى بميراث الشعوب الأوروبية القديمة، وقد انتهت تلك الحرب – بعد كر وفر وخسائر لا تعد – باستقلال التاج البريطاني عن التبعية لفرنسا.

 

لكنها لم تكن النهاية؛ فبعد أقل من قرنين بالتحديد في عام 1618 بدأ ما اصطُلِح عليه فيما بعد بـ(حرب الـ30 عامًا) وقد حاول المؤرخون الأوروبيون إرجاع سبب نشوب تلك الحرب إلى قيام بعض الأرستقراطيين «البوهيميين» – من بوهيميا – بإلقاء اثنين من ممثلي الإمبراطور الجرماني وسكرتيره من نافذة القصر في براغ، وقد يكون هذا سببًا مباشرًا في نشوب الحرب. وهو كما يقال الشرارة التي فجرت المستودع، لكنه لا يمكن أن يكون الدافع الحقيقي لثلاثة عقود من القتال والتهجير والتخريب؛ إذ يرى مؤرخون أقرب للموضوعية أن ضعف سلالة هابسبورغ التي كانت تحكم النمسا هو ما أحيا أطماع خصومهم من بقية السلالات الحاكمة فيما بعد، والذين ورثوا هذا الشعور عن نبلاء بوهيميا؛ فضعف الحكام يولد أطماع البطانة.

كان نبلاء بوهيميا كاثوليك الديانة، وقد تحولوا إلى البروتستانتية، ليس لأسباب دينية، وإنما لأسباب سياسية؛ رغبة منهم في خلق لوبي متمايز يضفي على مصالحهم المزيد من النجاحات، وهذا أمر طبيعي في سيكولوجيا الأقليات، إذ أصبح هؤلاء النبلاء الذين يشتركون في عصبيتين مهمتين، هما: العرق والمال، ممثلين لعصبية دينية بروتستانتية، فاجتمعت فيهم عناصر التفوق كإقطاعيين تجمعهم مصلحة واحدة، مستعدين للعمل الموحد، وبكل الوسائل المشروعة وغير المشروعة؛ للحفاظ عليها وإنمائها، ولم لا؟ لتقويتها بسلطة الحكم سدًا للفراغ الذي خلقه ضعف آل هابسبورغ، ومما يؤكد هذه النظرية هو سعي كل هؤلاء للتأكيد على حقوقهم الدستورية؛ حماية لمصالحهم الاقتصادية، ومكتسباتهم التي يرونها مشروعة، دون أن يذكر أي منهم سببًا عقائديًا لمطالبته تلك.

المال يجمع ويفرق

 

الأمر اليوم ليس مختلفًا كثيرًا عن الأمس مع اختلافات مرحلية، أهم ما ميزها هو مرحلة الاتحاد الأوروبي كاستراحة محارب قصيرة بين حروب الأمس وحروب اليوم، قصيرة لأنها في النهاية كتجربة للوحدة، لا تمثل إلا لونًا شريطيًا قصيرًا في دائرة تاريخ الفرقة الأوروبية، هذه التجربة التي ولدت مشوهة؛ إذ شكلت فيها بريطانيا عنصرًا مختلفًا عن بقية الجسم الأوروبي؛ مما يثبت أن الإنجليز لم يتجاوزوا بعدُ عقدة ما قبل حرب المائة عام، ولازالت تساورهم الشكوك حول حلم (أوروبا الموحدة).

فربي المولود وكبر وهو يحمل عنصرًا لا متجانسًا مع بقية عناصره، ويبرز ذلك في موقف بريطانيا من العملة الأوروبية الموحدة (اليورو)، ومن نظام الحدود المفتوحة الذي توج بمعاهدة شينغن.

 

خلال العقدين الأخيرين واجه الاتحاد الأوروبي عدة مشاكل سياسية واقتصادية واجتماعية وأمنية، طفت للعلن في صورة تباين المواقف تجاه أوضاع الشرق الأوسط، وأزمة اليونان، ومقارعة الذئاب المنفردة، وحرب القرم، وانسحاب بريطانيا، وتحديات العلاقات الروسية الأوروبية من جهة، والتركية الأوروبية من جهة أخرى، التي لها علاقة مباشرة بالهجرات غير الشرعية، وقضية اللاجئين والنفوذ الاقتصادي والبشري الذي يهدد (أوروبا الحلم)، وأخيرًا وليس آخرًا (المسألة الكتالونية).

 

أوروبا لا تختلف عن بقية القارات؛ فهي شعوب وقبائل قبل أن تكون دولًا، ثم اتحاد مهزوز، وكتالونيا ليست الوحيدة ولا الأخيرة التي يطالب أهلها بالانفصال عن السلطة المركزية في مدريد، فعند تأسيس الجمهورية الإسبانية الثانية (إسبانيا الحالية) سنة 1931 منحت كل من كتالونيا والباسك وغاليسيا الحكم الذاتي، وإبان فترة حكم فرانكو في 1936 أُلغي العمل بنظام الحكم الذاتي في الأقاليم الثلاثة؛ فٱندلعت حرب أهلية انتهت في 1939مخلفة مقتل نصف مليون شخص، قبل أن يستتب الأمر تمامًا لفرانكو، ويُخضع أنحاء إسبانيا لحكمه، بما فيها الأقاليم الثلاثة، إلا أنها لم تكن النهاية.

في بلجيكا تنقسم البلاد إلى ثلاثة أقاليم متباينة العرق والثقافة واللغة، ومتفاوتة اقتصاديًا، هي: الإقليم الأوسط بروكسل (البلجيك) ـ عاصمة الحلم الأوروبي ـ والإقليم الشمالي (الفلامندي) والإقليم الجنوبي (الوالون)، ويتفوق الفلاندر الشماليون اقتصاديًا؛ مما نمَّى عندهم النزعة الانفصالية؛ بدافع شعورهم أن بقية البلجيكيين يشكلون عبئًا عليهم، إذ يشكلون الناتج الاقتصادي الأهم من بين الأقاليم الثلاثة، بينما يملكون نفس الحقوق والحظوظ مع الآخرين.

كذلك في ألمانيا، حيث يتشكل الاتحاد من 16 ولاية اتحادية، يلوح البفاريون دائمًا بالرغبة في الاستقلالية الاقتصادية؛ لنفس الأسباب التي تحرك الفلاندر في بلجيكا، وهذا ما يوحي به عنوان كتاب السياسي الألماني ألفريد شارناجل: بافاريا تستطيع العيش وحدها.

أما في إيطاليا، فالأمر ليس مختلفًا؛ إذ تشكل كل من صقلية، البندقية، التيرول ثلاثيًا قاتلًا لإيطاليا في حالة إصابتهم بعدوى الكتالونيين، وهذا هو المتوقع.

 

الساسة عباد طموحهم

 

كان بوتشدمون من الأعضاء المؤسسين لفرع غرندة في حركة الشباب الوطني الكتالوني، وهو عضو في حزب اللقاء الوطني الكتالوني، ومدير لبيت الثقافة في غرندة بين عامي 2002 و2004، وعضو منذ عام 2006 في برلمان كتالونيا، في العام 2007 ترشح بوتشدمون للانتخابات المحلية في غرندة عن تحالف لقاء الاتحاد، لكنه لم يفز، وظل في المعارضة، وفي الانتخابات المحلية اللاحقة عام 2011 تمكن من كسر هيمنة الحزب الاشتراكي الكتالوني التي دامت 32 عامًا في غرندة؛ فأصبح عمدة المدينة، وفي يوليو (تموز) 2015 خلف جوزيف ماريا فيلا دابادال كرئيس لاتحاد البلديات للاستقلال، وعين عضوًا في البرلمان عن تحالف نعم من أجل نعم في الانتخابات البرلمانية، في 27 سبتمبر (أيلول) 2015 انتخب رئيسًا لكتالونيا، بتاريخ 10 يناير (كانون الثاني) 2016 بعد اتفاق في اللحظة الأخيرة بين معًا من أجل نعم، وترشيح الوحدة الشعبية، في 11 يناير (كانون الثاني) 2016، استقال من رئاسة بلدية غرندة؛ لأن القانون لا يسمح له بتبوء منصب رئاسة البلدية ورئاسة الإقليم في آن واحد.

هذه السيرة الذاتية المختصرة لرئيس إقليم كتالونيا الحالي كما جاءت في موقع ويكيبيديا، إذ خاض مسيرة سياسية تقليدية يمكن التنبؤ بها كنموذج للسياسي الطموح حتى دون قراءة تفاصيلها، وكذلك هو الأمر للقادة السياسيين في بقية أقاليم أوروبا المتوقع أن تحذو حذو كتالونيا، إضافة إلى هذا فهو صحافي في الأساس؛ مما يرفع عنده مستويات الطموح الشخصي والسعي إلى المجد، وهذه فرصته التي لا تعوض؛ إذ يساند أكثر من 60 بالمائة من الكتالونيين خيار الانفصال، وسيكون وقوفه ضد هذه الرغبة بمثابة عثرة كبيرة في طريقه الطموح، بيد أن هذا لن يحدث إذا اختار بوتشدمون طريق الثوار، وهو ليس طريقًا معبدًا بالورود في مواجهة السلطة المركزية بمدريد، لكنه أقرب سبيل لرفع شعبيته الداخلية؛ مما سيدفعه للاستماتة في سبيل الانفصال، خاصة بعد أن قررت مدريد تفعيل خطتها البديلة ـ الانقلاب الأبيض ـ بتعيين رئيس جديد للإقليم دون المرور بانتخابات شعبية مستندة لمبرر قانوني هو حالة الانسداد الحاصل بين العاصمتين.

 

القران الحتمي بين المال والسلطة

 

من بديهيات الأمور أن يشكل المال عصبًا رئيسًا في تكوين سياسات الدول، وبتقريب المجهر أكثر تحت أسقف المكاتب تبدو صورة التحالف بين السياسي والمالي واضحة للعيان، فرجل الأعمال الحديث ما هو إلا بارون إقطاعي هدفه الأوحد هو توسيع ممتلكاته، ولا يكون له ذلك إلا بامتلاك نفوذ سياسي عن طريق وصوله شخصيًا لتزعم السلطة في إقليمه، أو عن طريق التحالف مع رجال القصر، إلا أن نموذج الإقطاع اليوم أكثر تعقيدًا منه في القرون الوسطى، إذ أصبحت الشركات العابرة للدول والقارات هي الواجهة العلنية لرجال الإقطاع، وليس من الممكن سياسيًا أن تحكم هذه الشركات باسمها المعلن، لكنها تحكم بالفعل عبر زعماء المنظمات السياسية الذين تختارهم وتغدق عليهم بأموالها وامتيازاتها؛ في مقابل أن يحموا مصالحها الاقتصادية والتجارية عن طريق وضع الأنظمة القانونية والسياسات الجبائية المريحة لها.

في النهاية لن تعود العلاقة بين برشلونة ومدريد كما كانت في جميع الأحوال، ومن المؤكد أن الاتحاد الأوروبي سيعمل بكل ما أوتي من وسائل لمنع انفصال كتالونيا، وإذا قُدر لها أن تنفصل؛ فسيعمل على تقويض ذلك النجاح – حسب دعاة الانفصال – وبث روح الندم في نفوس المواطنين الكتالونيين عن طريق زعزعة ثقتهم في “دولتهم الجديدة”، وقد يكون ذلك بالتضييق الاقتصادي، والحرب الإعلامية، وافتعال الأزمات الاجتماعية، وسيكون ذلك بمثابة رسالة لبقية الأوروبيين الذين يرغبون في الانفصال عن دولهم المركزية.

في المقابل سيعزز الانفصاليون علاقاتهم بالدول خارج القارة كشركاء اقتصاديين بدلاء للعواصم المركزية الأوروبية الغاضبة، وعند هذه النقطة بالذات سينتهي حلم أوروبا الموحدة، وسيكون لهذا الأمر تداعيات كبيرة على العالم كله، ربما نفرد لها – هذه التداعيات – مقالًا خاصًا وأكثر تفصيلًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد