في منتصف عام 2015، جلست مع أصدقاء لي في العمل، كنا نتحدث عن الأوضاع السياسية والاقتصادية في البلاد، كان الدولار وقتها يتداول في حدود الثمانية جنيهات في السوق السوداء وسبعة في البنك المركزي، كان الجميع مستاءً من تدهور الأوضاع الاقتصادية، لكنني قلت لهم وقتها أن الدولار سيصل إلى 12 جنيها في الفترة المقبلة، نظروا لي نظرة استهتار وضحكوا.

***

في مطلع عام 2016 جلست برفقة أصدقائي، قلت لهم إن الدولار سيرتفع وبصل إلى 12 جنيها، ضحك البعض وهاجمني البعض الآخر، اتهموني بالحقد وبتمني الشر لمصر، قلت لهم إنه بنهاية عام 2016 سيصل إلى 15 وربما يكمل طريقه فيما بعد نحو العشرين، قوبلت بالتخوين والشتيمة من البعض والسخرية من البعض الآخر، بينما اكتفى الآخرون بالصمت.

***

في نهاية 2016 انهار الجنيه المصري ووصل إلى مستويات قياسية، ملامسا حدود الـ18 جنيه، قابلت عددًا من الأصدقاء الذين سخروا مني من قبل، وذكرتهم بما قلت وبما حدث، وأخبرتهم بأن التحليلات الاقتصادية لا تعتمد على العاطفة، أن الأرقام لا تكذب، قلت لهم أيضا أن القادم أسوأ بكثير، وبأنه إذا استمرت الأوضاع الاقتصادية والسياسية على ما هي عليه وسط غياب أي أفق من قبل الحكومة أو حلول، ستكون النهاية كارثية وبأننا على شفا المجاعة، وبأن الوضع إذا استمر على ما هو عليه لا يستطيع أحد التنبؤ إلى أي مدى سيذهب الدولار، ربما يتخطى العشرين والثلاثين والخمسين، وربما يصبح مستقبلا انهياره اليومي بعشرات الجنيهات، نظروا لي في قلق وصمتوا، وحاولوا طمأنة أنفسهم بأنه من الصعب أن تحدث مجاعة في مصر، فالخليج لن يسمح بذلك، أجبتهم بأنه لا يوجد دولة في العالم يمكنهما أن تتكفل بإطعام 90 مليون نسمة، خاصة وأن اقتصاد دول الخليج في منحنى هابط بسبب حروب اليمن وسوريا إضافة إلى هبوط أسعار النفط، رفضوا الفكرة على استحياء نظرا لأن «هذه البلد الله حاميها» إلى ما هنالك من هذه الخرافات… إلخ.

***

بدأت مؤشرات المجاعة الأولى، عجز في السكر، وتخوف من نقص سلع إستراتيجية، الآن هم يوقنون بوجود كارثة ما، ولكنهم لا يودون أن يفكروا في السيناريوهات، ويفضلون أن يعيشوا اليوم بيومه.

***

قبل أسابيع قليلة أعلنت الحكومة المصرية حزمة من القرارات التقشفية للحفاظ على العملة الصعبة، من ضمنها وقف الاستيراد لمدة 3 أشهر عن السلع غير الأساسية، مع إشاعات روجها الإعلام المصري ورئيس شعبة المستوردين بأن الدولار سينهار في غضون أيام، وسيتراجع من 18 جنيها إلى أقل من عشرة جنيهات، وبعد خطاب الرئيس حاد النظرات وصل التفاؤل بالبعض إلى حدود الـ6 جنيهات أو أقل، ومع استمرار عمليات التضليل التي أعتبرها من أكبر عمليات النصب الجماعي في العصر الحديث، وهي عملية النصب التي راح ضحيتها عدد قليل من المغفلين ممن صدقوا الشائعات وانجرفوا وراءها وقاموا بتحويل ما يملكونه من دولارات بأسعار بخسة، لتعود الأسعار إلى سابق عهدها في غضون يومين فقط! دون أي مسائلة لآلات الكذب اليومية التي لا تتوقف عن الكذب على شاشاتنا.

والآن.. بعد أن أيقن أي شخص ما زال يملك في عقلة ذرة واحدة من التفكير المنطقي أن تعافي الجنيه لن يتم إلا من خلال سياسات اقتصادية فعالة وحقيقية، لا بيع الوهم و«شخطتين» من الرئيس تؤدي إلى حالة من الرعب فينكسر بعدها الدولار! فلو أن الاقتصادات تتقدم بالصوت العالي لكان الزعيم الصيني شي جين بينغ أو الرئيس الأمريكي هما الأعلى صوتا!

***

سيادة الرئيس.. معالي رئيس الوزراء، الاقتصاد لن يتقدم خطوة واحدة إلا بتحقيق تنمية حقيقية، من خلال مشاريع ناجحة تدر عائدًا إنتاجيًّا حقيقيًّا على البلاد، لا بمشاريع وهمية كالعاصمة الإدارية وقناة السويس وغيرها، إضافة إلى تنمية زراعية حقيقية لن تتم إلا من خلال وقف مافيا البناء على الأراضي الزراعية، والتي حولت أكبر واحدة من أكبر الدول الزراعية في التاريخ إلى دولة لا تجد قوت يومها وتستورد كل أنواع المحاصيل تقريبا، كيف نطالب الفلاح بالزراعة وهو لا يجد من يشتري منه!؟ هل تعلمون السبب الحقيقي لأزمة السكر!؟ سبب الازمة ببساطة أن الفلاحين زرعوا قصب السكر العام الماضي ولم يجدوا من يشتريه، لم تهتم بهم الدولة واعتمدت على الاستيراد الذي كان أرخص العام الماضي، فماذا كانت النتيجة!؟ عزفوا عن زراعته العام الحالي، وارتفع الدولار لمعدلات قياسية فكانت النتيجة التي نشاهدها الآن، نقص في السكر وارتفاع جنوني في سعره.

دعونا من الطعام، هل تعلمون سبب أزمة الدواء!؟ أسعار الدواء لم تتحرك تقريبا منذ أكثر من 20 عامًا، وهي السلعة الوحيدة في مصر التي تفرض عليها الحكومة رقابة مشددة وتسعيرة جبرية، مما تسبب في تأخر هذه الصناعة التي كان من الممكن أن تقدم لمصر أكثر بكثير لو تركت دون ممارسة هذه القيود عليها.

وقبل 6 أشهر سمحت وزارة الصحة لشركات الأدوية برفع أسعارها مابين 2-6 جنيهات للأدوية الأقل من 30 جنيها، وذلك لتتواكب مع ارتفاعات الدولار الضخمة، لكن بعد أن قامت الحكومة بتعويم سعر الصرف تضاعف سعر الدولار تقريبا، ولم تضع الحكومة خطة أو أي حلول للأزمة التي يتوقعها أي عامل صغير يعمل في مجال الأدوية، فماذا كانت النتيجة!؟ عزفت الشركات عن استيراد المادة الخام اللازمة لإنتاج الأدوية، توقف الإنتاج، واختفت العديد من الأدوية الإستراتيجية من الصيدليات، والحكومة الآن أمام أحد خيارين: إما أن تستمر في عنادها وتختفي الأدوية من السوق ويموت الجميع، أو أن تسمح لهم برفع الأسعار ويموت الغالبية العظمى غير القادرة على مواكبة هذه الأسعار من الشعب.

هل تريدون سيناريوهات أكثر سوادًا، حاليا الدولار وصل إلى معدلات قياسية، بالرغم من وقف الحكومة للاستيراد لفترة الثلاثة شهور، وهو ما انعكس عن شح في المنتجات مثل السيارات وقطع الغيار… إلخ، وبمرور الوقت سيزداد النقص مع ارتفاع الأسعار، فماذا ستكون النتيجة!؟ بمجرد فتح باب الاستيراد مرة أخرى سيتضاعف الطلب على الدولار بصورة جنونية نظرًا لتعطيش السوق وحاجته إلى العديد من السلع، وهو ما سينتج عنه زيادة أخرى في الأسعار تضاف إلى الزيادات الجنونية السابقة، وهو ما قد يعني عدم قدرة شريحة مهولة عن شراء احتياجاتهم الأساسية، ولكم أن تتخيلوا السيناريو المرعب، والذي سيكون البداية الحقيقية لثورة الجياع إذا لم تقم الحكومة باتخاذ خطوات حقيقية على الأرض.

الحكومة تحاول حل الأزمة من خلال البحث عن استثمارات جديدة، والسؤال هو: أي استثمارات نبحث عنها في بلد تنهار عملتها بمعدلات قياسية كل ليلة، فلو أنت مستثمر أجنبي وتنوي استثمار مليار دولار في مصر مثلا، تخيل أن هذا المستثمر قد قرر ضخ استثماراته قبل 3 شهور فقط، ماذا ستكون النتيجة!؟ سيقوم بتحويل دولاراته إلى الجنيه المصري «والذي كان وقتها وفقا لسعر البنك المركزي 8.8 جنيه، إذا فرأس مال المستثمر قد أصبح في حدود الـ 9 مليار جنيه مصري، وبعد قرار تعويم الجنيه، أي بعد 3 أشهر أصبح سعر الدولار 18 جنيها إذا ما أراد المستثمر الخروج من السوق وإعادة أمواله إلى الدولار سنكتشف أنه قد خسر نصف ماله! إذا فالمستثمر خسر قبل أن يبدأ العمل، بعيدا عن مخاطر الاستثمار والربح والخسارة، إذا من المستحيل أن يقرر أي شخص عاقل الاستثمار في بلد لا يوجد فيها سعر ثابت للصرف والسعر يتهاوى كل أسبوع بجنيهات دفعة واحدة صعودا وهبوطا! حسنا ماذا لو خاض المستثمر المخاطرة ونجح في تحقيق المعجزة والمكسب، فهل يستطيع أن يخرج مكاسبه إلى الخارج؟ للأسف لا، فالحكومة المصرية تمنع التحويلات الدولارية إلى الخارج، فهل هذه البيئة جاذبة للاستثمار بأي مقياس من المقاييس؟

نحن الآن نسير حاليا بقوة تجاه الكارثة، والدولة أصبحت من الهشاشة ما يجعل أي تغير مفاجئ على المستوى المحلي أو الإقليمي أو العالمي أن يكون مدمرًا لها، فلو حدث أي تعثر أو توقف في حركة الملاحة الدولية سنشهر إفلاسنا، إذا ما حدث زلزال سيبيت نصف المصريين من قاطني العشوائيات في الشوارع أو تحت الأنقاض، إذا ما قطعت إثيوبيا علينا الماء سنموت من الجوع قبل العطش، إلى ما هنالك من ملايين السيناريوهات السوداء التي قد تصيبنا في أي لحظة فنحن دولة هشة لا تملك قوت يومها للأسف الشديد.

نحن ندور الآن في حلقات مفرغة، ولا مفر منها سوى بالقضاء على الروتين والفساد المتأصل والمتعمق، والذي أصبح للأسف الشديد أكبر من الدولة نفسها، إضافة إلى وجوب الفصل بين السلطات وإعادة الأمور إلى نصابها خاصة المؤسسة العسكرية، التي يجب أن ينحصر دورها في القيام بواجباتها العسكرية فقط، واعادة بناء الوزارات الأخرى للقيام بأدوارها، ولكن للأسف الشديد لا أرى وجود أي نية حقيقية للإصلاح، وأرى أن موقفنا أشبه بلحظة عزف الموسيقيين على ظهر سفينة تايتانك قبل غرقها، فالكارثة قادمة ولن يحول بيننا وبينها إلا معجزة في زمن انتهت فيه المعجزات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد