يقضي الطفل ساعات طويلة يوميًّا أمام التلفاز؛ يتابع برامج متنوّعة، مؤكّد أنّها تؤثّر بشكل كبير في تكوين شخصيّته على جميع الأصعدة، وقد يكون للبرامج التي لا تتناسب وسنّه أثر سلبيّ على تكوينه النفسيّ أو الاجتماعي. ونظرًا لغزارة المنتَج الإعلامي وتنوّعه، يصعب على الآباء والمربّين تمييز ما يناسب ويفيد أطفالهم. لذا وجب إيجاد دليل مرئيّ على الشاشة يسهّل هذه المهمّة، تسهر على إنشائه مؤسسّة مختصّة.

أخصّص، بالتطرّق إلى المثال التونسي، وإن كان في جوانب عديدة يشابه حال قنوات التليفزيون العربيّة.

خلال السنوات الأخيرة، وفي إطار التنافس على نسب المشاهدة، وعائدات الإشهار زادت القنوات جرعة «الجرأة».

البداية مع الأعمال الدراميّة؛ إذ دفع الهدف التجاري أصحابها إلى جعل الجنس والعلاقات غير الشرعيّة، الموضوع الأساس فيها، مع هدم كلّ القيم الاجتماعية في هذا الإطار، حتّى يطلق صانع العمل يده، دون حواجز. وصارت جرعة العنف في الأعمال كبيرة، إضافة إلى حضور التدخين، وتناول المشروبات الكحوليّة، والمواد المخدّرة بشكل كبير. كلّها تمثّل عوامل جذب للمشاهد، خيارات تجاريّة لصانع العمل.

بغضّ النظر عن المستوى الفنيّ لهذه الأعمال، فإن هذا المحتوى الذي يمثّل خطرًا على التكوين النفسي والاجتماعيّ للأطفال والمراهقين، ورغم ذلك، تم عرضها خلال الموسم الرمضاني الأخير في ساعات الذروة، دون أية إشارة تنبيه للتصنيف العمريّ. باستثناء بضع حلقات من الموسم الثاني من مسلسل «ناعورة الهواء»، الذي يعرض على «التلفزة» الوطنية؛ إذ رافقت البث علامة 12- (أي غير منصوح به لمن هم دون الـ 12 سنة)، وإن غابت هذه العلامة وقت إعادة إحدى الحلقات. ومسلسل «حكايات تونسيّة»، لقناة «الحوار التونسي» في الحلقات الأخيرة، إذ قامت، بعد لفت نظر من الـ «هايكا» (الهيئة العليا المستقلّة للاتصال السمعي البصري)، بإضافة علامة 12-، مع بيان عند بداية العمل «هذا البرنامج غير مناسب للأطفال، دون سن 12»، لمدة 10 ثوان، وما كان للفت النظر هذا أن يصدر، لولا موجة الغضب والانتقادات الكبيرة على هذا المسلسل من قبل نشطاء المواقع الاجتماعيّة.

قبل شهر رمضان بأسبوعين شرعت قناة «الحوار التونسي» في بثّ شارة بداية مسلسل «أولاد مفيدة»؛ بغرض الترويج، وكانت تبثّها عدّة مرّات يوميًّا، وفي كل الأوقات، وقد حوت الشارة لقطات قريبة، ومركّزة لتدخين القنّب الهندي، ولقطة قريبة لسكّين يقطر دمًا، إلى جانب التصوير «الترويجي» للوشم، ورغم ما لهذه اللقطات من تأثير سلبي على النشء، إلّا أن «الهايكا» لم تحرّك ساكنًا، واستمر صمتها طوال عرض المسلسل، رغم أنّه، على سبيل المثال، حابى ظاهرة تدخين القنّب الهندي.

علامة الـ 12- هذه تمّ نقلها نقلًا أعمى عن الإعلام الفرنسي؛ فالهايكا تجهل على ما يبدو أنّ التصنيف العمريّ للبرامج يختلف من دولة إلى أخرى، حسب قيم المجتمع وعاداته. على سبيل المثال يعرض المسلسل الشهير LOST مرفقًا بعلامة 12- في فرنسا، فيما يعرض في الولايات المتحدة الأمريكية، بعلامة تبيّن أنّه غير منصوح به لمن هم دون الـ14 عامًا.

ويمتدّ الأمر كذلك إلى عدد من البرامج الاجتماعية التي تحتلّ فيها العلاقات خارج إطار الزواج وتبعاتها، إضافة إلى القضايا الجنسيّة، الحيّز الأكبر ضمن ما يتمّ تناوله. أو التطرّق إلى مواضيع الشعوذة والسحر، والمعالجين الروحانيّين. وهذا يتم في إطار غياب الجانب التوعوي أو ضعفه في أحسن الأجوال، سواء أخلاقيًّا أو دينيًّا.

ولا تستثنى البرامج الحواريّة/الإخباريّة من الأمر، وأخصّ منها ما يعرض مباشرة، وأحيانًا «بصفة استثنائيّة»؛ لتناول أحداث الساعة؛ إذ يكون الخطاب فيها متشنجًا غير مدروس، أقرب إلى ردّة فعل حادّة غير مسئولة، سواء من الضيوف أو من فريق البرنامج، وهو أمر قد يؤدّي إلى زيادة الاحتقان، بل ربّما أسوأ من ذلك بالنسبة للنشء؛ فقد تقوده إلى التطرّف، خصوصًا في القضايا الحسّاسة.

من ذلك تناول برنامج «كلام الناس»، في حلقته التي بثّت بتاريخ 20/04/2016، على قناة الحوار مسائل حسّاسة، كالمثليّة، ومسألة تحريم شرب الخمر، في غياب شارة تصنيف عمريّ تنبّه الوليّ.

طبعًا كل هذا جائز لدى القنوات؛ لزيادة نسب المشاهدة، والعائدات الشهريّة.

الهايكا اكتفت منذ تأسيسها بدور ردّ الفعل الزجري تجاه هذه المشاكل؛ إذ غالبًا ما لا تتحرّك، إلّا بتوجيه سياسي أو اجتماعيّ، فتلفت النظر أو تعاقب بإيقاف البثّ، أو الخطيّة الماليّة.

والأولى أن يكون دورها استباقيًّا تنظيميًّا، بإنشاء لجنة تضمّ أخصّائيّين نفسانيين واجتماعيين ودينيين، لتحديد نظام تصنيف عمري يتناسب والمجتمع التونسي، ليس من خلال العلامة المنبّهة فقط، بل ضبط مواعيد محدّدة لعرض هذه الأعمال والبرامج.

ونظام التصنيف العمري يعتمد على معايير

فمثلًا مدى احتواء العمل على شخصيّات تدخّن، تتناول المشروبات الكحولية، تتعاطى المخدّرات، أو تدمنها، وكيفيّة تناول وتصوير هذه الحالات نصًّا وصورة. يسري ذلك على مواضيع الجنس والعنف. وعلى لغة الحوار أيضًا، فحتّى في غياب العبارات النابية، يكون للسباب أو العنف اللفظي أثرٌ، خصوصًا بين الآباء والأبناء. أو معجم الشخصيّات المتطرّفة فكريًّا ودينيًّا. كذلك وجود الشخصيّة القدوة من عدمه، أو المغزى الإيجابي عاملان مؤثّران.

ويمكن إرفاق علامة التصنيف العمري برموز أو حروف تبيّن إن كان العمل يحتوى مشاهد صادمة «مثلًا حرف (ع) يمكن أن يعني وجود مشاهد عنف».

كذلك الأمر بالنسبة للبرامج الحواريّة/الإخباريّة؛ إذ المحتوى مبرمج مسبقًا، ويمكن تحديد التصنيف العمريّ على هذا الأساس.

كل هذه المعايير، وغيرها يعتمد عليها لتصنيف العمل؛ حتّى يتنبّه الآباء ويوجّهوا النشء إلى ما يتناسب وعمره، وما يسهم إيجابًا في تكوينه، وتجهيزه على أفضل وجهٍ؛ ليكون منسجمًا مع المجتمع، فاعلًا فيه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد