آفة حارتنا التناسي وليس النسيان مثلما قال الأديب نجيب محفوظ.

تناسينا أن السلطة ورأس المال في مصر في علاقة مثل الزواج الكاثوليكي؛ حيث لا انفصال إلا بموت أحد الطرفين، تناسينا رغم أننا لم نقض على نظام مبارك، ولا حرمنا أصحاب رؤوس الأموال المستغلين من أموالهم التي تعطيهم سلطتهم. لم ننس فالنسيان نعمة، بل تناسينا لأننا اعتدنا الإجرام في حق أنفسنا، والتناسي جريمة.

علاقة مملوءة بالإخلاص بين رأس المال والسلطة تصيغ القوانين بما يخدم مصالح رجال الأعمال؛ ليزدادوا ثروة ولتمتلك السلطة سلطة فوق سلطتها وتزيد قوتهما معًا غير عابئين بالشعب الذي يغوص يوميًّا في غياهب الفقر والجهل بمعدل عالٍ.

تلك الهوة بين الطبقة الغنية وعامة الشعب إذا زادت عن حدها فسوف ينفجر الغضب في القلوب، ولن ينفعكم حينئذ التجهيل والتعتيم، ولن يشفع لكم الأزهر عند الشعب الغاضب، وستكتشفون حينها أن الأزهر الذي يدعي الوسطية كان يبث التطرف في نفوس الناس ضد أعدائكم، تلك الخرافات التي يسمونها دينًا سوف تنقلب عليكم، وسيفتك الشعب بكم مثلما علمتموه يفتك بأعدائكم.

حين يفنى الناس جوعًا لن يمتلكوا القدرة على استيعاب المؤامرات، ولن تنفع حيلة التجهيل فلن يدركوا إلا حقيقتين: نحن نموت جوعًا، هؤلاء أغنياء. لن يمتلكوا الوقت للتفكير فإما تفكر، وإما تموت. ستكون النتيجة مأساوية.

تخفيض جمارك السيارات ومواصلة الأعمال الإرهابية والمزيد من الأخبار التي تمر مرور الكرام، أما الأعمال الإرهابية فقد تحدثت عنها في مقالي السابق “داعش صنع في الصين”، ولم يستوقفني خبر منذ كتبت ذلك المقال مثلما استوقفني خبر إغلاق الشركة الألمانية مرسيدس مصنعها لتجميع السيارات في مصر.

ذلك القرار الذي اتخذته الشركة الأم بعد تخفيض جمارك السيارات؛ مما يجعل سعر السيارات المستوردة أقل من تكلفة تجميعها في مصر، تنوي الشركة نقل صناعة تجميع السيارات إلى الجزائر لما يتيحه السوق من مميزات لتلك الصناعات في الجزائر.

بالتأكيد شركة مرسيدس ليست بالصغيرة، وقرار خطير مثل هذا سبقه بالتأكيد العديد من الدراسات عن حال السوق في مصر وفي الجزائر ودول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، واستهلك وقتًا ليس بالقليل في التفكير؛ مما ينبئنا بأن شركة كبيرة مثل مرسيدس مستعدة لتحمل تكاليف إنشاء مصانع في الجزائر، تلك التكاليف التي بالتأكيد تزيد عن تكاليف تشغيل مصانع قائمة بالفعل في مصر، وهذا ما ينبئنا بحال السوق في مصر.

إننا نطرد الاستثمار في الوقت الذي نحتاج فيه لجذب أكبر عدد ممكن من المستثمرين.

“نحن نسعى لإنشاء سوق حرة تدعم التنافس الحر” كلمة قالها الرئيس السيسي في خطاب الأمم المتحدة، ولم تتكرر في أي من خطاباته الموجهة للشعب المصري، ربما لأنه يدرك أن عددًا قليلاً من المصريين يعرف معنى السوق الحر، ولأنه يدرك أن القليل الذين يدركون ذلك المعنى، لن يصعب عليهم إدراك أنه يكذب حيال ذلك.

 

في الحقيقة ليس من الصعب إطلاقًا إدراك أن السيسي يكذب حيال الكثير مما يقوله، فدائمًا ما تخالف أفعاله نواياه المعلنة، أعلن أنه لن يرفع الدعم قبل تحسن مستوى المعيشة، ولم يكترث.

أعلن أن رفع جزء من الدعم هو تصرف اضطراري حتى لا نستدين من الخارج، والآن الحكومة تستعد للتقدم بطلب قرض من البنك الدولي وغيرها من القرارات التي لا تبشر بالخير، والتي لا تخرج إلا عن مراهق سياسيًّا.

إن قرار تخفيض جمارك السيارات لا يصب إلا في مصلحة مستهلكي تلك السلعة، ولنفترض أنهم أفراد الطبقة المتوسطة والغنية، ولكنه يصب في المقام الأول في مصلحة تجار السيارات، وهم بالتأكيد من الطبقة الغنية. اختصارًا: هذا القرار لن يفيد الفئة التي أعلن السيسي أنه مهتم بها في المقام الأول، بل يضر عمال تلك المصانع الذين هم من الطبقة الكادحة.

مجموعة القرارات السياسية والاقتصادية في الآونة الأخيرة تدل على أن حكامنا لم يكملوا درسهم الأول في علوم الاقتصاد والسياسة، وتلك الرأسمالية التي يدعون أنهم يتبنونها لا يعرفون منها سوى رفع الدعم، وحفظوا جملة “الديون لا تمثل خطرًا” دون إدراك لمعناها.

حكامنا: أنتم فشلة وفاسدون. رجاءً: ارحلوا في سلام قبل وقوع الكارثة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد