«خلال شهر أو أكثر قليلا، ستكمل إيران بناء سلسلة من الطرق التي تربط بينها والبحر المتوسط، وهذا لم يكن موجودا إلا في الإمبراطورية الفارسية قبل أكثر من 2300 سنة»1. آرون ميلر.

بهذه الكلمات أطل علينا قبل أيام المستشار السابق في الخارجية الأمريكية آرون ميلر يبشرنا بأن الحلم الإيراني في ابتلاع بلدان عربية أوشك على الاكتمال، وأن الإمبراطورية الفارسية قد عادت بعد غياب لمئات السنين. ذهب كلام المستشار الأمريكي بخيالي وأفكاري مباشرة إلى كتاب «وجاء دور المجوس» للشيخ محمد سرور – رحمه الله – الذي صدرت الطبعة الأولى منه في العام 1981، والذي يقول فيه: «إنني ألمح منذ سنين رايات سوداء تتحرك من المشرق».

لكن السؤال هل كان لإيران أن تبتلع أية دولة عربية لولا المساعدة الأمريكية؟!

الثورة الإيرانية

قبل الشروع في الإجابة على هذا السؤال نسلط الضوء قليلا على الدور الأمريكي في قيام الثورة الإيرانية. يقول الشيخ محمد سرور:«ثم جاءت ثورة الخميني التي شارك كارتر في تصميمها، وساهم جنراله هويزر في تنفيذها عندما نجح في تحييد الجيش». يؤيد ما كتبه محمد سرور التصريح السري الذي نقلته صحيفة الوطن الكويتية عن سفير لأحدى الدول الأوروبية في بيروت: «إن الولايات المتحدة بالتحديد هي التي طلبت من كبار قادة الجيش وجنرالاته اتخاذ هذا الموقف في اللحظة الأخيرة، وأن الخارجية الأمريكية أبلغت سفيرها في طهران سوليفان أن يسعى بالسرعة القصوى لإقناع كبار الجنرالات بعدم الإقدام على أية خطوة تصعيدية وإعلان جانب الحياد في الخصومات السياسية». ثم جاءت مذكرات الشاه لتؤكد كل ما سبق:«فقرأنا في الصحف الصادرة في موسكو: الجنرال هويزر يتواجد في العاصمة الإيرانية للتجهيز لانقلاب عسكري»، ثم يتابع الشاه: «وأنا أعرف أن الجنرال هويزر كان منذ فترة طويلة على اتصال بمهدي بازركان». وقد تكللت علاقة بازركان بالجنرال هويزر بتنصيبه رئيسا لأول حكومة للدولة الجديدة! ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل امتد ليحظى شخص يحمل الجنسية الأمريكية – إبراهيم يزدي – بمنصب وزير الخارجية لهذه الحكومة! يعلق على ذلك موسى الموسوي: «وجود شخص أمريكي في قلب النظام كان تعبيرا بليغا عن التعاون الحميم بين الثورة وأمريكا»2.

وقد ترجم هذا التعاون الحميم بين أمريكا ونظام (الموت لأمريكا) عمليا في الفضيحة الشهيرة «إيران كونترا»:«نص الاتفاق السري بين أمريكا وإيران – التي كانت تخوض حربا ضد العراق في ذلك الوقت – على تزويد طهران بأسلحة متطورة، تشمل قطع غيار طائرات «فانتوم» وحوالي ثلاثة آلاف صاروخ من طراز «تاو» (TOW) مضاد للدروع وصواريخ «هوك» أرض جو (HAWK) مضاد للطائرات»3.

إن المعطيات السابقة تحيلنا للإجابة على السؤال – آنف الذكر – عن إمكانية إيران في ابتلاع أراضي عربية واستكمالها لمشروع الهلال الشيعي لولا المباركة الأمريكية؟

أمريكا تمكن إيران من ابتلاع بلدان عربية

يقول د.أكرم حجازي في هذا الصدد: «الحقيقة الصارخة التي لا يماري فيها أحد أن إيران سجلت فشلا ذريعا في مواجهة القوى السنية المسلحة، وأن النظامين في سوريا والعراق كانا مرشحان للسقوط لولا التحالف الدولي أو التدخل الروسي». في ذات الاتجاه يصب رأي الصحافي والكاتب إياد أبو شقرا؛ حيث يقول:«ولم تتقدم إيران داخل أرض عربية من دون رضا ضمني أمريكي»4.

هذه الحقيقة – الدعم الأمريكي لإيران لابتلاع بلدان عربية – ليست تحليلات مراقبين فحسب، بل هي حقائق تبرهن عليها التسريبات وتؤكدها الاعترافات. كشفت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأمريكية عن رسالة سرية بعث بها الرئيس الامريكي باراك أوباما إلى المرشد الأعلى للثورة الإيرانية آية الله علي خامنئي: «يؤكد فيها المصالح المشتركة بين البلدين في محاربة تنظيم الدولة الإسلامية». أكد على هذا الانسجام والتوافق بين الطرفين نائب الرئيس العراقي سابقا طارق الهاشمي كاشفا ماكان يدور خلف الأروقة بقوله: «في الوقت الذي كنا فيه نشتكي للإدارة الأمريكية، حول ما يفعله السفير الإيراني وفيلق القدس والحرس الثوري وفرق الموت داخل العراق الذي من المفترض أنه يزعج الأمريكيين، ويشير إلى أن العراق يتجه للوقوع في دائرة النفوذ الإيراني، كان السفير الأمريكي يخرج من مكتبي ليجلس مع السفير الإيراني».5

ولم ينحصر التعاون بين البلدين في العراق فقط، بل امتد لبلدان عربية أخرى؛ نشرت مجلة « فورين بوليسي» تقريرا يقول بأنه بعد الدعم العسكري الأمريكي للقوات الإيرانية في العراق وسوريا؛ فإن « اليمن يمكن أن يكون ساحة المعركة القادمة، وأن « الشراكة القلقة بين واشنطن وطهران تمتد الآن إلى اليمن». وختم التقرير بالقول: «إن الولايات المتحدة مستعدة للسماح لإيران بتوسيع نفوذها في المنطقة، وهذا في جزء منه للمساعدة في تأمين صفقة نووية». إلى ذات المضمون كان قد أشار رئيس مجلس الأمن القومي «الإسرائيلي»، عوزي دايان بتصريح لإذاعة الجيش «الإسرائيلي» في 18 فبراير  2006 «إيران ليست عدوا لإسرائيل، وأنه لا يجدر بنا تهديد إيران، من وجهة نظرنا إيران ليست عدوا، ولكن علينا التأكد من عدم تمكن إيران من اقتناء أسلحة دمار شامل»6.

ختاما لابد من الإشارة إلى أن العمالة ليست شيئا نادرا في تاريخ الباطنية المجوس، بل هي متجذرة في نفوسهم متأصلة في تاريخهم. فلقد وثق لنا المؤرخون حالات كثيرة من عمالاتهم وتعاونهم مع أعداء الملة من الغزاة والمحتلين ضد المسلمين بدءا من ابن العلقمي ونصير الدين الطوسي وعمالتهم للمغول، ومرورا بالعبيدين وتعاونهم مع الصليبيين ضد صلاح الدين، ثم تعاون الصفويين مع البرتغال ضد العثمانيين، وكذلك عمالة النصيرية لفرنسيين، ثم الشاه وتبعيته لأمريكا، وانتهاء بعهد الدولة الخمينية الجديدة وتحالفها مع الأمريكي. حقا إنه زواج كاثوليكي لا زواج متعة!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

1-مجلة نيوزويك الأمريكية
2-الثورة البائسة-موسى الموسوي
3-"إيران غيت:المصالح فوق المبادئ" الجزيرة
4-حساب الأستاذ إياد أبو شقرا على تويتر
5-"طارق الهاشمي يكشف ﻷورينت خفايا الدور الأمريكي والمظلومية السنية في العراق" أورينت
6-المربط الصفوي: مقاربات عقدية وسوسيولجية وسياسية وتاريخية- أكرم حجازي
عرض التعليقات
تحميل المزيد