الحديث له علاقة بشخصية تاريخية، طالما كانت محل إجماع وتوافق بين مختلف الباحثين والأكاديميين المتخصصين في الدراسات التاريخية من إسبان وغير إسبان، وأيضًا العديد من المثقفين والمفكرين الكبار الذين لهم وزنهم في الأوساط الأكاديمية الفكرية والذين أجمعوا على دموية وشر الملكة إيزابيل، والتي ارتبطت بمرحلة تاريخية مفصلية، والتي مثلت رمز نهاية آخر معاقل الحضارة الأندلسية في شبه الجزيرة اﻹيبرية، وهذا ما سنحاول تسليط الضوء عليه من خلال هذا المقال.

الملكة إيزابيل أكثر الملوك راديكالية ودموية

تعتبر الملكة إيزابيل من أكثر ملوك إسبانيا راديكالية بفعل دراستها الدينية الكاثوليكية المتعصبة والمنغلقة في وقت كانت تسيطر على الكاثوليك في إسبانيا فكرة واحدة وهدف واحد هي التخلص من العنصر العربي والمسلم وطردهم خارج الجزيرة اﻹيبرية عاشت إيزابيل ما بين أبريل 1451 و1504، وعرفت في فترة ملكها لقشتالة أو كاستيا، ثم إسبانيا بعدما وحدتها مع مملكة أراغون، وعندما توفي أخوها هنري الرابع، تربعت على ملك قشتالة، وتزوجت فرناندو الثاني ملك أراغون، ونتيجة لهذا الاندماج والاتحاد بين تاج كاستيا وتاج أراغون تأسست مملكة إسبانيا، وأضحت مملكة فالنسيا عضوًا في الملكية الإسبانية، وقد استطاعت الملكة إيزابيل إلى جانب زوجها الاستيلاء على الممالك العربية في الأندلس المتناحرة الضعيفة الواحدة تلو الأخرى إلى أن توجا هذا السقوط بغزو غرناطة آخر قواعد المسلمين بشبه الجزيرة اﻹييرية.

كانت إيزابيل تتمتع بكثير من الذكاء والمكر والدهاء وبنزعة دينية متطرفة، أسيرة لتنظيرات الأحبار والقساوسة الكارهين للإسلام والمسلمين، حيث كان مشروع إنهاء الوجود الإسلامي والعربي في مملكة غرناطة، والتي كانت آخر حصن للمسلمين في إسبانيا هو حلم حياتها إلى حد الهوس، بل عاشت من أجله وما تزوجت إلا من أجله، لذلك لقبت بالكاثوليكية

لذلك قامت هي وزوجها فرناندو بغزو غرناطة أرض الرمان آخر المدن الأندلسية الإسبانية التي كانت الحضن الدافئ الأخير للعرب والمسلمين، ولقد قادت الغزو والحملة العسكرية ضد غرناطة لإسقاط حكم أبي عبد الله الصغير عام 1492، وقد أطلق عليه أهل غرناطة (بالزغبي) أي المشؤوم المنحوس التعيس، وسماه الإسبان (el chico) أي الصغير، وكانت إيزابيل ترى أن حربها المقدسة تقتضي تطهير الأرض اﻹيبرية من الكفرة في نظرها، وكان يساعدها على ذلك صرامتها الشديدة، وقلبها القاسي الذي لا يلين، أما زوجها الملك فرناندو فكان مكارًا محتالًا، لا يرى مانعًا من أن ينتهي من كتابة معاهدة سلم مع المسلمين لينقضها في الحال، ويلجأ إلى الحرب، ومع ضعف مملكة غرناطة نتيجة الصراع الداخلي على السلطة بين أبناء بني الأحمر، استغلت إيزابيل مع زوجها هذا الوضع المترهل، وبدآ حملة كاثوليكية على غرناطة، رغم المحاولات الكثيرة التي قام بها أبو عبد الله للصلح ﻹنقاذ مملكته، فإنه لم يستطيع مقاومة الحصار العسكري والاقتصادي الذي طوق به من قبل جيش إيزابيل وفرناندو، حيث عمل على تدمير المروج والحقول والبساتين في وديان غرناطة الخضراء، حتى تفشت المجاعة داخل غرناطة، وأمام هذا الضغط اضطر أهل غرناطة إلى تسليم مدينتهم، ووقع أبو عبد الله الصغير معاهدة تسليم آخر قلاع الحضارة الأندلسية بإسبانيا التي كانت هذه الأخير منارة للعلم والعلماء والفكر والأدب والفنون والعلوم على مدى ثمانية قرون.

كانت شروط تسليم المدينة تقضي للمسلمين حرية الدين واللغة، كما أنه يحق للمسلمين الحفاظ على أموالهم، وأن تحسم قضاياهم عند قضاة مسلمين، وكذلك السماح للمؤذنين باﻷذان في أوقات الصلاة إلى غير ذلك من بنود معاهدة التسليم، لكن سرعان ما انقلبت إيزابيل وزوجها على المعاهدة، فبمجرد خروج عبد الله الأحمر بدأت فصول من المعاناة في مطاردة واضطهاد وقتل وتعذيب المسلمين إلى جانب اليهود في الأندلس، والذين كانوا أغلبهم من أصول إسبانية، إضافة إلى العنصر العربي والأمازيغي، ويعود ذلك إلى أن المسلمين تعايشوا بشكل سلمي مع سكان الجزيرة الأيبيرية طيلة ثمانية قرون، وكانت هناك مصاهرات وحياة يسودها التسامح وحب الوطن.

بالرغم من أنه خلال دخول المسلمين إلى إسبانيا في بداية الفتح إلى تأسيس دولة فالغالبية العظمى من السكان ظلت على المسيحية. وجعل المسلمون لنصارى الأندلس تنظيمًا دينيًا يشرف عليه رجال الدين منهم، فكان لهم ثلاث أبرشيات في طليطلة وإشبيلية وماردة، كما كان لهم 18 أُسقيفية، أما الأديرة فكانت كثيرةً جدًا؛ إذ كان منها حول قرطبة وحدها أكثر من 15 ديرًا. وبقي قسمٌ كبير من أهالي الأندلُس القُوط على المسيحية، فكفلت لهم الدولة الحرية الدينية لقاء الجزية السنوية، وقد تمتع نصارى الأندلس زمن الإمارة الأموية بحقوقٍ وامتيازات لم يحصلوا عليها خلال العهد القوطي، من ذلك أن المسلمين سمحوا لهم بالحفاظ على ممتلكاتهم الدينية كالكنائس ومممتلكاتها، والأديرة وغيرها، وعلى ممتلكاتهم الخاصَّة مثل الأموال والعقارات المختلفة كالمساكن، والمحلات التجارية، والأراضي الزراعية. أضف إلى ذلك، منحت السُلطة الإسلامية في الأندلس للمسيحيين امتيازات منها قرع النواقيس، ومرور المواكب في شوارع المدن أثناء الاحتفالات الدينية حاملين الصليب، وبناء كنائس جديدة، إضافة إلى السماح لهم باستعمال اللغة العربية في الترانيم الكنسية، وعدم تدخلها في الأُمور التنظيميَّة الداخلية للكنيسة. ومن الناحية الثقافية، ساهم الوُجود العربي و الإسلامي في الأندلس في تحرير الكنيسة الأندلسية من تبعيتها لكنيسة روما، كما تحرر المسيحيون من ضغط رجال الدين عليهم، بفضل الحماية التي ضمنتها لهم السُلطة الإسلامية، فأصبح بإمكان المسيحي أن ينتقد الكنيسة وتصرفات رجال الدين، ونتج عن ذلك ظهور مجموعة من المذاهب الدينية المسيحية في الأندلس، وعلى الرغم من التمازج والعيش السلمي بين المسلمين والمسيحيين في الأندلس، فإن بعض الثورات الطائفية أو المصبوغة بصبغةٍ طائفية قد وقعت بين الحين والآخر لأسباب مختلفة، منهاثورة عمر بن حفصون المعارض لسلطة الدولة الأموية، وقد استمرت 49 سنة وقضية شهداء قرطبةالمثيرة للجدل.

القتل على الهوية وكنائس ترفض منح لقب القديسة للملكة إيزابيل

بعد انقلاب الملكة إيزابيل وزوجها الأراغوني فرناندو على المعاهدة التي كانت تقضي بحفظ حقوق المواطنين المسلمين باعتبارهم أصحاب أرض، وقد ذهب الكثير من المؤرخين المنصفين إلى أن هؤلاء كانوا من أصول إسبانية، ويوجد الكثير من العائلات الأندلسية في المغرب، وخاصة شمال المملكة تحمل أسماء عائلية إسبانية صرفة، إضافة إلى ملامحهم التي تشبه الأوروبيين كثيرًا، وهؤلاء هم أحفاد الموريسكيين المطرودين من إسبانيا، والذين اختاروا المنفى في بلاد إسلامية، خاصة المغرب الذي أضحى ملاذًا للكثير من العائلات الأندلسية الهاربة من بطش إيزابيل ومن محاكم التفتيش، التي كانت تقود محاكمات موجهة ضد يهود إسبانيا، ثم تحولت إلى المسلمين الذين اتهموا بأنهم منافقون لأنهم يدعون أنهم تحولوا إلى المسيحية، ثم قرار التنصير القسري الذي أصدرته الملكة إيزابيل بدعم من الكنيسة في حق المسلمين سنة 1502

هذه القرارات التعسفية كانت بمثابة حل استئصالي بعدما فشلت كل المحاولات لحث المسلمين على تغيير معتقداتهم، فلا العنف الجسدي، ولا العنف النفسي واللفظي، غير من تمسك الموريسكيين بدينهم، بل حتى شرطة لحم الخنزير – وهي شرطة تراقب تناول المسلمين للحم الخنزير – لم تفلح في إرغام المسلمين في الأندلس على التمسح وتقبيل الصليب، إضافة إلى حرق وتدمير المكتبات وآلاف الكتب والمخطوطات، وسرقتها من طرف محاكم التفتيش، في إبادة فكرية وثقافية ذبحت الذاكرة الفكرية المشتركة بين المسلمين والمسيحيين في إسبانيا، وهذا راجع إلى الجهل المقدس الذي كان متغلغلًا في أوساط النخب الكنسية.

هذه الإبادة الممنهجة التي قادتها الملكة إيزابيل بدعم من الكنسية وسار على نهجها الملوك الذين تولوا عرش إسبانيا بعد وفاتها، ربما هي أخطر من الإبادة النازية؛ لأنها تعاقب الأفكار والمعتقدات وتجسيد الحقد الدفين لدى الكنيسة كما يقول المؤرخ بن عزوز حكيم، بل في عهد إيزابيل أصبحت اللغة القشتالية هي السائدة بقوة القمع والاضطهاد لجميع مكونات شعب الجزيرة الأيبيرية، وبلغت أوجها حيث تمت كتابة معجم للغة في عهدها لتصبح بعدها اللغة الإسبانية المعروفة حاليًا.

ولقد أجمع جل المثقفين والمؤرخين المنصفين، ومن أبرزهم إليزابيث درايسون وماثيو كار، على أن الملكة إيزابيل دشنت مرحلة جديدة في النظام العالمي على أنقاض دماء وجماجم المسلمين في أسوأ إبادة وتطهير عرقي عرفته إسبانيا، وكان منطلقًا لإبادة شعوبًا وحضارات أخرى في القارة الأمريكية، بعد سقوط آخر معاقل الحضارة الأندلسية التي مثلتها غرناطة، ومن خلال هذه الأسباب، بدأت اكتشافات كريستوفر كولومبس بدعم من الدولة الجديدة في إسبانيا، لأراضي ما وراء البحار، وسار العديد من الملوك الإسبان على نهج إيزابيل في الإبادة والتقتيل والتطهير بدعم من اللاهوت الكنسي الراديكالي.

وفي سنة 1990 طرحت في إسبانيا فكرة تقديس الملكة إيزابيل الكاثوليكية من طرف الفاتيكان بطلب من رجال كنيسة إسبان، حيث تقرر منحها لقب القديسة باعتبارها امرأة ولية مؤمنة انتقلت إلى نعيم الخالق نقية طاهرة، إلا أن هذا الطلب لقي معارضة شديدة من كنائس عديدة في أمريكا وممثلي الجالية اليهودية في إسبانيا وممثلي العائلات الأندلسية في المغرب، وكان من أبرز المعارضين الكاردينال مطران باريس جان ماري لوستيجر، الذي صرح في جامعة الإسكوريال سنة 1991 بأنه يعارض فكرة تقديس الملكة إيزابيل؛ لأنها تصرفت مع المسلمين واليهود بطريقة منافية للعقيدة المسيحية وحرية الضمير

وفي سابقة هي الأولى من نوعها وجه الفريق البرلماني للحزب الاشتراكي العمالي الإسباني مقترحًا يطالب فيه بالاعتراف المؤسساتي بالظلم الذي لحق بالموريسكيين الذين طردوا من إسبانيا ابتداءً من سقوط غرناطة سنة 1492 إلى غاية 1609، عندما أقدم الملك فيليبي الثالث على توقيع مرسوم ينص على طرد الموريسكيين.

هذا المقترح لقي ترحيبًا من لدن أحفاد الموريسكيين ورفضًا واسعًا في أوساط السياسيين الإسبان، علمًا بأن الثقافة العربية الإسلامية هي جزء أصيل من تاريخ إسبانيا لا يمكن نكرانه، وكانت إسبانيا بمختلف طوائفها الدينية منارة لحضارة تعتبر أساس النهضة الأوروبية، وهذا معروف في أوساط الباحثين والأكاديميين، إلا أن هذا المقترح جوبه برفض لأسباب سياسية قد يلقي بظلاله على العلاقة مع بعض الدول الإسلامية، وخاصة المغرب، علمًا بأن إسبانيا اعترفت واعتذرت لليهود السفارديم عن هذه الحقبة الدموية، ومنحوا حق الحصول على الجنسية الإسبانية مع تعويض معنوي.

قصة الملكة إيزابيل مع الاستحمام

يقول جوزيف ماك، مؤلف كتاب (مدنية المسلمين في إسبانيا) في معرض كلامه عن الملكة إيزابيل (ملكة قشتالة استولت على الملك سنة 1474 داهية مكارة متعصبة، بذلت جهدها في تجديد المحنة وتعذيب المسلمين واليهود، وارتكبت خطايا كثيرة باسم الدين، وأما أحوالها الخاصة فلم تكن مما تغبط عليه، إنها كانت تفتخر بأنها لم تغتسل في حياتها إلا مرتين، يوم ولادتها سنة 1451، وليلة زفافها سنة 1469، ثم كانت المرة الثالثة والأخيرة حين توفيت سنة 1504؛ فتمت لها الغسلة الثالثة، والحقيقة أنها لم تغتسل إلا مرة واحدة، وهي في ليلة زفافها؛ لأن غسلها يوم ولادتها، وغسلها يوم موتها ليس من عملها).

ويقال إنها عندما حاصرت غرناطة على رأس جيشها، وأقسمت ألا تغتسل إلا بعد دخولها غرناطة، حتى إن قادة جندها كانوا يتحاشون الاقتراب منها من شدة رائحتها الكريهة، ويسود الاعتقاد بأن عدم غسلها نابع من عقيدتها الدينية المتطرفة.

وعندما استلمت غرناطة بمعاهدة سلمية كانت من أبرز ما قامت به مباشرة بعد دخول المدينة هدم العديد من الحمامات التي اشتهرت بها غرناطة، كما عملت على تحويل المساجد إلى اسطبلات وزرائب للبهائم والخنازير.

ولقد أنتجت سلسلة عن الملكة إيزابيل سنة 2012 من إخراج جوردي فرادس، وعرض على شاشات التلفزيون، ومنها تلفزيون أبوظبي، حيث قامت الممثلة الإسبانية ميشيل جينير بتقمص دور إيزابيل، في محاولة لتحسين صورة هذه الملكة لدى المشاهد وتصويرها كأنها تخوض حربًا مقدسة لتطهير إسبانيا من الأعداء، ورفعها إلى مرتبة العظماء، وهي في الحقيقة تعتبر من أكثر نساء العالم شرًا ودموية، وهذه حقيقة تاريخية من خلال العديد من المراجع الأجنبية والعربية والعديد من الشهادات التي أجمعت على أن حقبة إيزابيل الكاثوليكية كانت بمثابة فتح باب لملوك جاءوا من بعدها إكمال عملية التطهير العرقي والإبادة الثقافية والحضارية لشعوب ما وراء الأطلسي، تحت لافتة الحرب المقدسة بدعم من الكنسية لنشر المسيحية في تناقض تام مع تعاليم السيد المسيح عليه السلام، والحقيقة أن رحلات الاكتشاف في القارة الأمريكية إنما جاءت لمصالح اقتصادية واستعباد شعوب هذه المنطقة ﻷخذ ثرواتها (الذهب المغموس بالدم).

لقد كان إرث الملكة إيزابيل دائما يرخي بظلاله على العديد من الناس، فلقد كانت رمزًا للكرامة الإسبانية والوحدة الوطنية، بينما كانت عند الآخرين تعتبر دموية وسلطوية ذات قمع ديني، ولقد استخدمها نظام الجنرال فرانكو كرمز للقوة الإسبانية، لكن ذلك كله تلاشى بعد وفاة فرانكو ودخول إسبانيا في مرحلة تجربة ديمقراطية فريدة، أضحت نموذجًا يحتذى به في الحقوق والحريات والمساواة بين جميع المواطنيين بغض النظر عن انتماءاتهم العقائدية والمذهبية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

افكار, التاريخ

المصادر

تحميل المزيد