أكتب من حين إلى حين، لا أكتب من أجل الكتابة، كما أني لا أصلي من أجل أن أصلي، ولا أتعلم من أجل أن أتعلم وفقط، بل لا أعيش من أجل أن أعيش، ولا أكتب لأني أحب الكتابة، ولكن أكتب لأنني لا أجد من يستمع إلي، لم أجد من يصغي إلي، الناس، أعرف أنهم يتواجدون في كل مكان، لكن كلامي لا يوافق ميولهم، يحبون أن يتحدثوا في مواضيع المال والأعمال والجنس والرقص والرومانسية، أو كرة القدم وألعاب القوى أو السياسة والاقتصاد، يتحدثون عن الإجرام عن القتل عن السرقة عن الزنا عن الدعارة عن التقاليد عن العادات عن الصلاة وأحكام الطهارة، عن الأطعمة والأشربة والألبسة. يتحدثون عن كل شيء إلا الشيء الذي أريد أنا أن أتحدث فيه، فلماذا؟

أريد أن أتحدث عن الآلام عن المعاناة عن الإحساس عن الشعور عن شيء لا يراه الناس، عن شيء تعيشه وحدك، عن شيء نعيشه جميعًا لكن لا نحسن التحدث به ولا نستطيع أن نخرجه من بطوننا، إنه يسري في دمائنا يجري في عروقنا، لكننا نتغاضى عنه جميعًا، أو ربما نحس به ولا نستطيع أن نصفه، هل تدري ماذا، أنا الآن أكتب عنه ولم أعرفه، أحاول أن أستخرجه ولكنه صعب المنال، ولكن سأكتب عنه بطريقتي كما يتحدث عنه الآخرون بطريقتهم، نعم هم لا يتحدثون عنه ولكن يتحدثون عنه بطريقة لا يعرفون أنهم يتحدثون عنه، يتحدثون عنه بطريقة لا يجب أن يتحدثوا عنه بتلك الطريقة، كل أحاديثهم دليل عن حديثهم عليه، إنه موضوع في كل المواضيع، إنها أفكار في كل الكلام، وفي كل الأوقات، وفي كل الأماكن. إنه الاستحمار، إنه أثر الاستحمار إنه الاستغباء إنه أثر الاستغباء إنها البلادة وأثرها إنه الاستبلاد وأثره، الناس يعيشون لكنهم لا يعرفون كيف يعيشون وكيف يجب أن يعيشوا.

مسكين هذا الإنسان ينتظر من إنسان مثله أن يريه كيف يعيش وكيف يجب أن يعيش، إنه أثر الاستحمار، مسكين هذا الإنسان ينتظر من إنسان مثله أن يحدثه عن ألمه وأحزانه، عن ما يخالجه في دواخله، إنه الاستغباء وأثره، كل الناس تاهوا كل الناس ماتوا قبل أوانهم، بما أنهم يمشون في طريق يؤدي إلى الموت فهم ميتون، التيه، التيه هو أن تقلد تائهًا تعتقد أنه على الطريق الصحيح، وبمجرد أن تقلده فإنك تسير على الطريق الصحيح، التيه عندما لا تدرك أنك تسير على طريق التيه، بل وتعتقد أنه الطريق الصحيح، طريق الأطعمة والأشربة طريق التيه طريق المال والأعمال طريق التيه طريق حب النفس والأنانية طريق التيه، طريق التقليد والتبعية طريق التيه طريق الناس، طريق الكل، طريق التيه طريق الجحيم طريق المجانين، كل الناس مجانين سيدخلون الجحيم سيموتون جميعًا، ولكن المشكلة أنهم يلدون مجانين آخرين ليسيروا على نفس الطريق ويدخلوا إلى نفس الجحيم، كلهم مجانين.

مع من سأتحدث المجانين سكان الجحيم، مع من؟ الناس في حرب غير معلنة، الناس انقسموا إلى قسمين أغلبية وأقلية، الأغلبية باعت كل شيء، باعوا دينهم باعوا عقولهم باعوا أجسادهم باعوا حياتهم باعوا أنفاسهم ألسنتهم أقوالهم أفعالهم، كلهم اصطفوا بجانب الحكومات بجانب الظلم بجانب الاستبداد، بجانب الطغيان بجانب القوة بجانب المال، كلهم يقتاتون على الطبقة الفقيرة على تلك الأقلية المنهوبة المحرومة الضعيفة المضطهدة، إلى من سأتحدث؟ أأتحدث إلى المنافقين الظالمين المستغلين المستبدين، أو الآخرين الذين لا يعلمون أن الناس لهم إله واحد وأصلهم واحد ومصيرهم واحد، كلهم مجانين يسلكون طريقًا واحدًا، كلهم إلى الجحيم، الظالم لأنه ظلم والمظلوم لأنه سكت، سيعذبهم الله جميعًا، غير أنني أنا سأسقي المظلومين في الجحيم وأروي ظمأهم ببعض المياه، أما العذاب فسنشهده جميعًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد