لا أقسم بهذا البلد..

باتت أخبار الموت في شوارع بلادي أكثر من أخبار الحياة حتى خفت ذلك الصباح أن أجد اسمي ضمنهم، قبل أن أعرف معنى الانتماء لوطن صحيح لا كسور به.

ترى هل الوطن الذي يدفع الناس أرواحهم ثمنًا لأجله كل يوم يستحق كل تلك المعاناة بالفعل؟! هل هو وطن حقيقي إلى درجة أنه أغلى ثمنًا من الناس الذين يتطايرون قتلى فوق ترابه؟!

أتعرف ما الوطن حتى تموت نيابةً عنه؟

إن وصف الوطن ليس سهلًا، وليس مصطلحًا مجازيًّا أو فعليًّا يمكن اجتيازه لغويًا لتعريف مسقط للنشأة أو مكان إقامة، فالوطن ليس هو الأرض والخبز والحدود، والوطن ليس في أنظمة الدولة ولا سياساتها، الوطن هو شعبه وإنسانه، هو هوية الإنسان ووجوده ومعاناته وأحلامه وذكرياته وحزنه وفرحه، هو سجل مرور كل لحظات حياتك، الوطن هو روح من يسكنونه ويعيشون فيه، وأن تحاول أن تصف الوطن كأن تحاول وصف الروح.

هل لأنظمة الدولة «روح»؟! فكيف تختزل «وطنًا» في بلاد تحركها الأنظمة ويهمش فيها شعبها وتصبح مجرد «دولة» جغرافية سياسية، أخرى!

ليس لنا الشارع ولا المنزل!

نحن في «وطننا» لا نشعر حتى بمواطنتنا في هذا الوطن، لا نجد حقوقنا، لا نملك حق الاعتراض على ما نرفضه من سياسات وقوانين تؤذي وجودنا، نسحل ونهان وتسيل دماؤنا على موائد السياسات الكبرى والأنظمة، والشوارع ليست لنا كما نوهم أنفسنا في الأغنيات الوطنية الدافئة فحتى حريتنا في الشوارع أصبح لها حدود، إنها حرية مقننة!

نحن في وطننا لا نملك حتى بيوتنا! في الأنظمة الجديدة يفني المواطن عمره في ادخار الجنيه تلو الآخر ليستطيع شراء منزل وامتلاك «بيت» ثم تأتي الحكومات بكل بساطة، وتهدمه على ما فيه! لماذا؟ لا ضرورة للمبرر، لأنه النظام «بذاته» وليس من يسيره.

من يدفع له مقابل منزله المحطم؟
– لا يهم.

من يعوضه عن شقاء عمره الضائع في امتلاك جدران هذا البيت؟
– لا يهم.

في الوطن الجديد، أين يذهب المواطن وأهله؟

– لا يهم.

ليس لنا الشارع ولا المنزل!

نحن في وطن يتكرر فيه مسلسل إبادتنا كل يوم، وبكل الطرق، في السجون وأمام الأسلحة، وداخل أكاذيب الإعلام، وتحت أنقاض المهدمات، بالرصاص، وبالجوع، وبالإهمال، وبالتعذيب، وبانقطاع الماء والكهرباء والغذاء والحرية! لا نملك حتى الموت الشريف، الإنساني المكرم لنا.

وفي وطني «المحسوب على خريطة الإنسانية وطنًا» يذهب المواطن إلى المستشفى؛ لكي يموت! ولكن بسلام ربما يمنحه المخدر بعض الوهم بالراحة أو تخفف عناية أي يدٍ رحيمة من آلامه عند الموت، لكنهم يقولون له أن الطبيب مشغول! أو أن الأماكن ليست شاغرة الآن ولا مكان لك؛ لذا عليك أن تموت فى وقت لاحق! أو أن تجد لنفسك حيزًا بالخارج لتتألم فيه بحرية بدون إزعاجنا شكرًا لك!

نحن أبناء هذا الوطن الذى أصبح الموت في سلام وعلى نحو طبيعي فيه إنجازًا لا يستهان به! ينبغي أن تعرف قبل أن تنزل للشارع -أيها المناضل- أن الوطن لا يستحق الشهادة بعد أن يُختزل فى «دولة» لكنك أنت الذي تستحق الأجر على سعيك، أو بحاجة إليه.

نحن لا نملك وطنًا حتى نشعر بالتقصير تجاهه، أين هذا الوطن الذي لا نشعر فيه بوجودنا وأبسط حقوقنا للحياة؟ الوطن الذي يقمعنا، كأن دستوره وقوانينه شرعت ضدنا، وليس من أجلنا!

نحن لا نملك «وطنًا» على الإطلاق، نحن فقط ننتمي للمكان الذي لا نملك سواه لنأوي إليه ونمارس حياتنا ببعض الكرامة، وربما هناك خطأ آخر في تلك العبارة! «ننتمي»؟!

هناك فرق كبير، بمسافة عالمين، بين الانتماء والتواجد.
نحن لا ننتمي لهذا الوطن نحن نتواجد هنا فقط، ونحن هنا، فقط لأننا لا نملك وطنًا آخر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد