“المال والفساد
يدنّسا الأرض
السياسيون المنحرفون
يخونون العامل البسيط
ويعاملونا كقطيع من الخرفان
لقد سئمنا من سماع الوعود المنشودة
فهي أبدًا لن تُوفّى
مهما طالت السنون”

من أغنية “المال والفساد” للمغني “راي دايفز”

(1)

قليلة هي تلك المرات التي نرى فيها اسم بلدنا المحروسة يتصدّر إحدى قوائم الدول التي تناولتها بعض الدراسات والمؤسّسات المعنية بالأبحاث والبيانات الإحصائية؛ فتارة نجد اسم مصر عاليًا بين الأمم في المرتبة السادسة في قائمة أكثر بلدان العالم تلوّثًا لهوائها وفقًا للتقرير الأخير لعام 2014 الصادر عن منظمة الصحة العالمية WHO، وتارة أخرى – مدعاة للتفاؤل هذه المرة – نجد جيش مصر في المرتبة الـ 13 بين أقوى جيوش العالم في التقرير الأخير الصادر عن موقع Global Fire Power.

 

ولكن، نادرة هي تلك اللحظات التي نَرى فيها اسم مصر في المرتبة الأولى بين كافة دول العالم؛ حيث تصدّر الدبلوماسيون المصريون قائمة أكثر دبلوماسيي العالم الذين عليهم ديونًا مستحقة لمدينة نيويورك الأمريكية، وفقًا لتقرير أوردته صحيفة “وول ستريت جورنال” مؤخّرًا!

 

نعم، هي لحظة يودّ فيها كل مصري أن “تنشق الأرض وتبتلعه”، أو يودّ فيها البعض أن تختفي من خانة بطاقتهم جنسيتهم المصرية، طالما في بلاد المحروسة دبلوماسيون عليهم ديونًا غير مسبوقة بسبب وقوف سياراتهم في الأماكن غير المخصّصة للوقوف بإحدى الدول الغربية، على مدى أكثر من عشر سنوات!

وقبل أن يسرع البعض ويلقي اللوم على الثورة التي “أخرجت أسوأ ما في المصريين من طباع”، فإنه من الجدير الإشارة إلى أن هذه المخالفات وقعت في الفترة ما بين 1992 وحتى 2002، أي في فترة حكم الرئيس الأسبق مبارك!

أما عن عدد المخالفات التي ارتكبها ممثّلي الحكومة المصرية في بلاد الفرنجة، فبلغت 17 ألف مخالفة، بقيمة ديون مستحقة اقتربت من 2 مليون دولار، حسب إدارة مدينة نيويورك المالية.

تلت بعثة مصر الدبلوماسية في نيويورك، بعثات بلاد أخرى مثل نيجيريا التي حلّت في المركز الثاني بعدد مخالفات بلغ 900.000 دولار أمريكي، بعدها إندونيسيا والبرازيل والمغرب وباكستان والسنغال والسودان وأنجولا وبلغاريا على الترتيب.

وبإجراء حسبة بسيطة، نجد أن البعثة الدبلوماسية المصرية قد ارتكبت مخالفات بقيمة 16.666 دولار أمريكي في المتوسط كل شهر من الأشهر الـ 120 التي امتدت على مدار السنوات العشر السابقة، مع متوسط 141 مخالفة شهريًا لأفراد البعثة الدبلوماسية المصرية خلال هذه الفترة!

وكعادة بعض المصريين دائمًا، حاولت البعثة الدبلوماسية المصرية التهرّب من دفع تلك المخالفات، إلى أن بدأت مدينة نيويورك منذ عام 2002 باتخاذ إجراءات تتضمّن سحب اللوحات المعدنية للسيارات الخاصة بالبعثة الدبلوماسية التي لم تدفع ديونها، أو رفض تجديد تسجيلهم، إلى أن اضطرت البعثة الدبلوماسية المصرية إلى دفع المبلغ كله تقريبًا وأصبحت مديونية البعثة المصرية إلى أقل من 5 آلاف دولار أمريكي حاليًا بعدما كانت 2 مليون دولار تقريبًا قبل عام 2002!

 

(2)

إذا كنت من ساكني مدينة القاهرة الجديدة، فحتمًا يحسدك البعض على أنك من سكان هذه المنطقة الراقية ذات القصور الفخمة المشيّدة، والأحياء السكنية المغلقة التي تنتشر فيها الحدائق الغنّاء والأمن الخاص على مدار 24 ساعة ومولات التسوّق الغنية بالماركات والعلامات التسويقية غالية الثمن، وغيرها من أساليب الحياة المُترفة التي يَرغد فيها هؤلاء الساكنين “المحظوظين”!

ولكن، في الواقع، يعلم جيدًا سكان هذه “المدينة الفاضلة” أن كل هذا الوصف السابق ما هو إلا أضغاث أحلام مفضّلين ما يُسمّى بـ “الصيت ولا الغنى”؛ حيث يعاني سكان هذه المنطقة من الحرمان من أبسط معاني الحياة.
من المياه!

لمدة تقترب من العام، عانى سكان مدينة القاهرة الجديدة من انقطاع متواصل للمياه، الذي هو شريان الحياة، حتى إن المياه كانت تتوافر في اليوم لمدة ساعة أو اثنين ببعض المناطق بالمدينة، وأحيانًا أخرى تنقطع لأيام معدودة دون قطرة ماء واحدة. وحتى مع محاولة بعض الساكنين للجوء إلى الخزانات، إلا أن انقطاع الماء المتواصل لبضعة أيام أحيانًا، أحال حياة قاطني القاهرة الجديدة إلى عذاب متواصل وجحيم لا يطاق.

والسبب ببساطة، فساد الشركة المسؤولة عن تنفيذ محطة مياه القاهرة الجديدة التي بدأ العمل فيها عام 2007 وكان من المفترض الانتهاء من المرحلة الأولى منها في عام 2010، بطاقة 500 ألف متر مكعّب من المياه يوميًا على أن تصل الطاقة الإجمالية للمحطة إلى مليوني متر مكعب يوميًا بعد استكمال باقي مراحل المحطة.

ولكن، بسبب عدم التزام الشركة المنفّذة للمواعيد المحدّدة، ناهيك عن اكتشاف مشكلات في الخطوط وأخطاء في التصميم، تأخر افتتاح المرحلة الأولى من هذا المشروع أربعة أعوام وإهدار ما يقرب من 3.2 مليار جنيه مصري، مما استدعى “تدخل الوزارة لتوفير حل سريع لأزمة انقطاع المياه عن المدينة”، وفقًا للبيان الصحفي الذي صدر مؤخّرًا عن وزارة الإسكان والذي قرّر فيه وزير الإسكان إحالة ملف محطة مياه القاهرة الجديدة إلى النائب العام للوقوف على أسباب التقصير وأخطاء التصميم في المحطة!

وبخلاف هذا التدخّل “السريع” من جانب الحكومة الذي أخذ ما يقرب من العام على اندلاع شرارة أزمة الانقطاع المتواصل للمياه، ومرور أربعة أعوام أي 48 شهرًا أو 1440 يومًا تقريبًا على تأخر تسليم المرحلة الأولى من المشروع قبل إحالة الملف برمته للنائب العام، فإن إهدار 3.2 مليار جنيه مصري أي 438 مليون دولار أمريكي تقريبًا، هو أمر لا يستطيع قلبي الصغير تصديقه من حجم فساد غير محدود!

 

(3)

عندما يَسمع البعض منا عن انتحار أحد الأشخاص، يسارع إلى استغفار ربه مستنكرًا هذه الفعلة الشنيعة التي قد يلجأ إليها أحدهم هروبًا من بعض المشاكل المالية أو النفسية أو العاطفية أو غيرها، مذيّلًا استنكاره بعبارة: مات كافرًا ألا لعنة الله عليه!

وبعيدًا عن دراما الأبيض والأسود التي يحاول البعض “متفلسفًا” إضفائها على تلك الحياة الفانية التي لا تساوي عند الله جناح بعوضة، فإن انتحار المواطن “فرج رزق” مشنوقًا في لوحة إعلانات على الطرقات، يحمل العديد من الرسائل وليس مجرد حادثة انتحار عادية!

وإذا كنت من دارسي الأدب حيث يحاول الكُتاب إضفاء رمزية معينة على العديد من التفاصيل الحياتية التي تعجّ بها شخصيات أعمالهم الأدبية، فإن الاسم “فرج رزق” يَرمز إلى إضفاء طابع من سخرية القدر على تلك الحادثة؛ فهذا المواطن المنتحر أظلمت الدنيا في وجهه؛ حيث يعول أسرة من 3 أطفال ويعمل سائقًا بمصنع بمدينة العبور بأجر شهري يبلغ 1200 جنيهًا مصريًا فقط لا غير، ولا يجد ما يكفي ليسدّ رمق أسرته حتى استدان من كل من يعرفه ولم يتمكن من السداد بطبيعة الحال.

 

ما اضطره في النهاية إلى التوقيع على إيصالات أمانة في مقابل اقتراض بعض الأموال، وفقًا لرواية جريدة الأهرام. وبسبب عدم المقدرة على السداد، لجأ “فرج” الذي يبلغ من العمر 48 عامًا إلى الانتحار، وإن اختار طريقة درامية بغرض “تعرية” ذلك المجتمع الفاسد، من خلال شنق نفسه بإحدى لوحات الإعلانات على الطرقات والتي يكفي تكلفة إعلان واحد منها لمدة شهر تقريبًا في فك ضائقة “فرج” وعائلته لعقود من الزمان!

 

(4)

إهدار المال العام والفساد في مصر مسلسل مستمر، حلقاته لا تنتهي، ولكن المخزي بحق أن يَدفع بعض المواطنين من مالهم الشخصي في صورة ضرائب وخلافه تراهات البعض الآخر واستهتارهم المتواصل؛ فالمثالين السابقين من ضمن أمثلة لا تُعد ولا تُحصى، تم إهدار 438 مليون دولار في أحدها و2 مليون دولار في الآخر، وكانت هذه الأموال كافية لإنقاذ “فرج” والعديد ممّن لجأوا إلى الانتحار هروبًا من ضوائق مالية كثيرة.

حياة “فرج” السائق الذي يتقاضى أقل من 200 دولار شهريًا، كان يكفي ثمن 4 أو 5 مخالفات مرورية لأعضاء البعثة الدبلوماسية المصرية في نيويورك في إنقاذ حياته، إذا ما تم إعطاء ثمن هذه المخالفات المرورية لـ “فرج” مباشرة!

حياة “فرج” السائق الذي يعول 3 أطفال، كان يكفي ثمن ماسورة المياه الصغيرة ذات التصميم الخاطئ بمحطّة مياه القاهرة الجديدة أن تنقذ حياته، بل وتكفيه لسنوات مقبلة، إذا ما تم إعطاء ثمن هذه الماسورة – التي على الأغلب ستُرمى على الطرقات أو يستفيد بها “حوت” آخر من حيتان الفساد في مصر لمشروع متهالك آخر – لـ “فرج” مباشرة!

 

(5)
“لقد سئمنا وتعبنا
من هذه الوعود أو تلك
نحن نعمل طوال اليوم، نحن نعرق ونكدح
لجعل الأثرياء سُمناء
يملأون رؤوسنا بالوعود والترهات
ويخدعوننا بالحقائق المجرّدة
ثم يرتدون قناع الصدق الزائف
ويضحكون ملء قلوبهم
من وراء ظهورنا”

من أغنية “المال والفساد” للمغني “راي دايفز”

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

انتحار, فساد, مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد