منذ انطلاقة الجائحة بدأ وابل التحليلات ينهال علينا لتفسير هذا الحدث الذي يعتقده البعض أنه غريب. فتارةً يقولون أنَّ أمريكا أطلقت غاز السارين في الهواء مستهدفةً إحدى الدول ولهذا فرضت الحكومات على شعوبها التزام منازلهم لتقيهم شرَّ التعرّض للغاز في حال أتت به الرياح إليهم. وتارةً نسمعهم يقولون بأن الفيروس صُمِّمَ بشريًا كحرب بيولوجيةٍ بين دول معينة وذلك لخلق زعزعةٍ اقتصاديةٍ لمصممي هذا الفيروس فيها مآرب أخرى، والكثير الكثير من العجب العجاب الذي نسمعه أو نقرأه.

في حالات قليلة لعبت التخبطات في الأوساط العلمية دورًا في تعميق قناعة البعض أن هنالك شيءٌ ما مفتعل في هذه الجائحة. فبعدما اقترح البروفيسور ديديه راؤول استخدام دواء هيدروكسي كلوروكوين ونصح به لعلاج مرضى الفيروس المستجد، زكّى الرئيس الأمريكي هذا الاقتراح وقال إن استخدام هذا الدواء سيغير قواعد اللعبة في تاريخ الطب. ليتبين مؤخرًا أن هذا الدواء لا يحدث أي تأثير عند المرضى المصابون بل إن تأثيراته الجانبية قد تسبب الوفاة عند البعض. وتارةً تقول منظمة الصحة العالمية بأن ارتداء الكمامة غير ضروري إلا للمرضى ومرافقيهم وتارةً تتكلم عن إلزاميتها للوقاية من العدوى. والكثير الكثير من حالات التأرجح. لكن كل هذا ليس مبررًا للقول إن هنالك أيدي خفيةٍ تعبث بنا. لأنه من الطبيعي أن ترتبك الأوساط العلمية في التعامل مع الجائحة وذلك بسبب حداثتها وسرعة انتشار الفيروس الذي عيشنا جميعًا في كابوس مزعج.

لكن في الواقع، يميل الإنسان إلى الاقتناع بما هو سهل التصديق، يسير الفهم. وذلك يُعزى إلى آلية عمل أدمغتنا كبشر، حيث يفضِّل الدماغ البشري العمل بأقل طاقاته لاتخاذ قرارٍ ما أو فهم قضيةٍ معينة دونما التطرق إلى التعقيدات العلمية. وهذا ما تحدثت عنه هيلاري سكارلت في كتابها (Neuroscience for organizational change) حيث أشارت أن الدماغ البشري يميل إلى مبدأ حفظ الطاقة واتباع التفكير الكسول، على الرغم من أنه يستهلك 20٪ من إجمالي طاقة الجسد. وفي الحقيقة إن هذا لأسهل بألف مرّة من فهم علم الأحياء الدقيقة وعلم الفيروسات بتفاصيلها المعقدة وطرقها الوعرة. ولكن هذه السهولة هي بمثابة حديد يضاف إلى بوتقة، في ظاهرها الرحمة وفي باطنها العذاب.

وبعدما أضحى الناس عبارة عن جماهير محتشدةٍ في ساحات مواقع التواصل الإجتماعي فلعلها اضمحلت ساحة الوعي عند الأفراد، وبات اللاوعي هو الذي يحرك هذه الحشود.

ففي كتابه (سيكولوجية الجماهير) شرح جوستاف لوبون كيف أن الفرد بانضمامه لجمهورٍ ما فإنّه يذيب شخصيته فيه ويُخضِع نفسه له. وأن الجماهير تُحرِكها العاطفة ولا يُحرِكها المنطق، وأن اللاوعي هو قائدها وموجهها. وبهذا فلا عجب أن تكون كورونا مؤامرة بعدما صُدّعت رؤوسنا بتداول هذه العبارة على مواقع التواصل، وكيف أنَّ بين ليلةٍ وضحاها سيخرج المارد من قمقم المتآمرين شاهرًا لقاحه المنتظر في وجه الوباء معلنًا النصر على عدو لم يحضر المعركة أصلًا، هذا إن كانت هناك – عند هؤلاء – قناعة أن معركة ما تدور بالفعل، فهم باعتقادهم أنها «فبركات».

 في روايته (الطاعون) يقول ألبير كامو: «إن الشر القائم في الدنيا يصدر غالبًا عن الجهل، وبوسع النية الصادقة إن لم تكن نيّرة متبصّرة أن تحدث من الأضرار مثلما يُحدث الخبث وسوء النية». فلربما هذا الجهل بحقائق الأمور قد أتى من طيب النوايا، لكن هذا لا يعني أنه لن يلقِ بنا في غيابة جب الوباء متكدسين فوق بعضنا بعضًا، وبالأخص أنه ليس بيننا سيّارة ينتشلونا. لذا على الجميع أن يؤمن أن هناك كائن لا يمكن أن يُرى بالأعين، يستدل على وجوده بما يظهر على مصابيه من أعراض، أو بالوسائل التشخيصية التي تقتفي أثره. ففي الأوبئة إما أن نؤمن أو فليهلك جميعنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد