مجموعة يصفهم الله تعالى بالفتية جعلهم آية من آياته وقصتهم من قصص القرآن التي يفتخر بها، ولعل المميز في هؤلاء الفتية انهم آمنوا بالله، وهذا الإيمان هو ما جعلهم يخرجون من أرضهم وقومهم ويهربون من مكان إلى آخر ليلجأوا إلى الكهف الذي ناموا فيه أطول نومة في تاريخ البشرية.

ولكن أين تكمن العظمة في قصتهم؟

يقول تعالى «نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ ۚ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى»، وفي هذه الآية المباركة تكمن عظمة هؤلاء الفتية، وهي إيمانهم بالله، وهنا علينا أن ننظر إلى شيئين أساسيين في هذه القصة، الشيء الأول هو أنهم فتية وليسوا رجالًا، والشيء الثاني أنهم كانوا في وسط قوم ومجتمع كافر ويحاسب من يخالفه بشدة، ورغم صغر سنهم وصعوبة الحياة والمجتمع إلا أنهم في سبيل الله قرروا الخروج للنجاة بإيمانهم مع قلة حيلتهم، ليقودهم ربهم إلى كهفهم الذي تهيأ لهم ليكون المكان الذي سيبيتون فيه سنين عددًا.

يظهر أن مسألة الإيمان بعقيدة تخالف الجمهور والأكثرية ليست بالأمر الهين، ومع وجود عقوبات صارمة وشديدة وقاسية على المخالفين يشهدها أبناء المجتمع بأم أعينهم ويسمعون عنها من آبائهم فهذه الأحوال كفيلة بتصيير الفرد بلا قابلية على التفكر والتدبر، بل ويكتفي بالسير على خطى السلف دون محاولة الانتباه إلى الأخطاء وإصلاحها، ولكن هنا ما يلفت النظر هو موقف هؤلاء الفتية الذين ورغم ذلك يخرجون من التفكير الجمعي إلى التفكير بطريقة سليمة ليتفقوا على كلمة واحدة وهي أحقية التوحيد وبطلان تعدد الآلهة، ولكن المسألة أكبر بكثير من كل ذلك فهي مسألة حياة أو موت، لذلك فإن اتخاذ القرار بالهرب حفاظًا على عقيدتهم كان نتيجة ضغوطات مستمرة من المجتمع عليهم تلزمهم عبادة الأوثان وترك الإيمان بالله.

الفتية أمام طريقين

أصبح الفتية أمام طريقين إما البقاء واندثار الكلمة وإخفائها في القلب لتموت تدريجيًا، أو الرحيل معها إلى المجهول، ولكن ما يزيد هؤلاء عظمة أنهم ليسوا من الطبقات المستعبدة أو الفقيرة، لأنهم كانوا يمتلكون الأموال أو السندات المالية التي تتيح لهم شراء ما يحتاجون إليه في سفرتهم، وأيضًا يظهر أنهم ليسوا فتية عصاة ومتمردين وإنما أولي شأن عند قومهم وهو ما جعلهم مهمين ولم ينسوهم رغم السنين التي ناموها في الكهف، وهذا واضح في كلامهم لبعضهم في قوله تعالى «إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا» فهم يعلمون بأنهم متبعون ومراقبون ولكونهم من ذوي الشأن فهم يعلمون بأنهم سيكونون بين أمرين إما العذاب أو الرجوع إلى الكفر، ولا يخير في مثل هذه المسألة إلا من كانت حياته مهمة وله وزنه في ذلك المجتمع.

هؤلاء الفتية تركوا كل ما يعزهم ويعظم شأنهم وارتحلوا إلى الله تعالى إلى غيب لا يعلمه إلا الله عز وجل، ارتحلوا وليس فيهم نبي يدلهم إلى الطريق، ساروا حتى أعياهم التعب ليدخلوا إلى الكهف ليأويهم من قومهم وهم لا يعلمون بأن الله تقبل رحلتهم هذه ليصيرهم مثالًا للشباب الواعي والمفكر، وهم يتحدون كل المصاعب من أجل إثبات العقيدة أمام الجمهور المتشدد، لينهضوا بأنفسهم متحدين على كلمة واحدة ليس فيهم آمر وناهٍ، بل أحرار متساوون ما يجمعهم هو مصيرهم الواحد.

ومع بعد السنين وموت الجيل الذي عاشوا معه، إلا أنهم أثّروا بخروجهم هذا على الأجيال التي جاءت من بعدهم والذين توارثوا هذه الرحلة وتداولوا قصتهم وزادوا وأنقصوا فيها فكانوا بين محب ومبغض، حتى إذا افتضح أمرهم بنوا عليهم بنيانًا واتخذوا من مكانهم مسجدًا، مكان النومة الطويلة تحول إلى مكان عبادة، نومة الفتية كانت في الحقيقة صفعة لعقول الآخرين، ودوي يزلزل الطواغيت ويزيل النوم من أعينهم، بسلاح الأرق القاتل، وحسرة باتت في قلوبهم لمعرفة سر الفتية وكيف اختفوا بلا أثر، كان المجهول الذي أرادوا الهجرة إليه قد هاجر هو إلى مضاجع المتكبرين، ليبحر بهم نحو عوالم من الغموض والشك والظن، ولينتصر الفتية ويبقى ذكرهم إلى أبد الآبدين ليتفجر في قلوب الخائفين من مخالفة العقيدة البائسة عرق ينبض بالحياة، ويدعو ألبابهم إلى الرجوع إلى الصواب، نجحوا في مسعاهم لأنهم آمنوا بربهم، وربهم قد زادهم فوق إيمانهم هدى.

لن تستطيع أي عقيدة الصمود أمام البطش والسيف والقهر إلا إذا كانت صلبة من الداخل، تقف على أساس متين، تواجه العواصف التكفيرية والمتشددين، وتتنفس رغمًا عن أنوف حملة السلاح من الكفار والتكفيريين وممن ينتمون إلى نفس المعتقد من وعاظ السلاطين والمتصيدين بالماء العكر وممن تزينت لهم الدنيا فغرتهم، فحرّفوا الكلم واشتروا به ثمنًا قليلًا.

والحمد لله رب العالمين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد