66 يومًا من الصمود الأسطوري سطره فيلق الرحمن بعد رهانات عدة على سقوط جوبر وعين ترما – شرق دمشق – وسحقها من قبل المحتل الروسي وميليشيات الأسد وبعض الفصائل التي تدعي انتماءها للثورة السورية وبعض الأبواق والمرتزقة والمأجورين ممن يزعمون انتسابهم للغوطة وسوريا.

بكل المقاييس، ودون الالتفات لهؤلاء الحمقى، ما جرى هو انتصارٌ للشعب السوري وجيشه السوري الحر الباسل، تحقق بعد الصمود الأسطوري في شرق دمشق على مدى ستة وستين يومًا من العدوان، بأبشع الأسلحة وأكثرها فتكًا ودمارًا.

والانتصارُ يقاسُ أيضًا، ليس فقط بهذا الصمود وانصهار فيلق الرحمن في الغوطة بالحاضنة الشعبية، من مختلف التوجهات السياسية والفكرية، التي ألقت بكل خلافاتها وتناقضاتها جانبًا، أمام تحدي العدوان الروسي الفاشي، بل هو انتصار أيضًا بقدرة فيلق الرحمن وتمكنه حتى اللحظات الأخيرة التي سبقت إعلان الهدنة والاتفاق على ورقة جنيف مساء أول من أمس، من مواصلة دكّ مناطق ميليشيات الأسد في عقر دارها، بالصواريخ والقذائف، ومواصلة زرع العبوات والألغام وتجهيز الكمائن للعدو، رافعًا من الكلفة على العدو، لتواصل عدوانه، وفشلة في تحقيق هدف عملياته الإجرامية المعلن، بتطهير الغوطة الشرقية من الإرهاب.

نعم، دفع الشعب السوري في الغوطة الشرقية ثمنًا غاليًا، من دماء أبنائه وشهدائه، وخلّف العدوان وراءه دمارًا شاملًا في المساكن والمصانع والبنى التحتية، ومشردًا الآلاف من بيوتهم، لكن الحرب والعدوان لم يخترهما الشعب السوري، ولا جيشه الحر البطل، بل فُرضا عليهما، كما فُرضا في حروب واعتداءات عديدة سابقة، بل ما تزال مفروضة بأبشع الصور، عبر تكريس الاحتلال لبلادنا، ومواصلة حرب التجويع والحصار على قطاع الغوطة، ورفض الامتثال للشرعية الدولية بالتسليم بحقوق الشعب السوري.

يحق للشعب السوري ولجيشه الحر الاحتفال بالنصر، وبرضوخ الروس واستلامهم أمام منعة وصمود وعزة أبطال فيلق الرحمن، وطلبهم لهدنة واتفاق لوقف إطلاق النار، وتسليم العدو بعدم القدرة على الدخول في حرب استنزاف مع الجيش السوري الحر في الغوطة.

وقد ضربت نتيجة هذا العدوان استراتيجية العدو في الصميم، فكل هذه الصواريخ والقنابل والدمار، واستنفار جيش الأسد وفرقه وحراسه وألويته وميليشياته ومجتمعه لكل طاقاته، وبتوفر الدعم الروسي الكامل، لم تمكن روسيا من تحقيق الردع لفيلق الرحمن والغوطة، التي بقيت حتى اللحظة الأخيرة من العدوان تدك مواقع ومقار العدو بالصواريخ، وتسقط بين جيش الأسد وجنوده الخسائر البشرية والنفسية والمادية.

راهن الكثيرون، غير روسيا، على هزيمة الغوطة الشرقية في هذه الحرب، وهو ما وفر حاضنة سياسية للعدوان، إلا أن الحصيلة، بالرغم من اتساع تضحياتها وكلفها، جاءت مغايرة لما راهنوا عليه، حيث خرجت الغوطة أكثر قوةً ووهجًا، وحظيت بالتفاف شعبي في داخل وخارج الغوطة، وفتحت نافذة لرفع الحصار عن الغوطة، والأهم من ذلك أنها كسرت بصمودها وقدرتها على الردع، قواعد اللعبة السياسية بين الشعب السوري والروس.

وهذا البعد الأخير، كسر قواعد اللعبة مع الروس، التي ضاعفت خلال الشهور القليلة الأخيرة من حربها في أطراف دمشق من الشمال والجنوب والغرب والشرق، وابتلاع المزيد من الأراضي وتهجير أهلها وتطبيق خطة التغيير الديمغرافي، والتهرب من استحقاقات الحل للقضية السورية؛ ما يعني أنه بات أمام الأطماع الروسية وغرور القوة التي تتمتع بها، تحديدًا أمام الانكفاء العربي عن إسناد الشعب السوري ولو بالحدود الدنيا، مقاومة شديدة عصية على الانكسار، يحضنها شعب سوري قادر على التضحية والصمود، وليس وراءه الكثير ليخسره، إن لم تعد له حقوقه المشروعة، ونال دولته المستقلة.

بالرغم من ذلك، فإن النصر السوري الذي سُطّر في ملحمة الصمود جوبر وعين ترما، هو نصر مفتوح على أكثر من احتمال وتطور، فإما مزيد من الانقسام والتشرذم في الغوطة، ما يحوّل النصر إلى هزيمة، وإما استثمار النصر بمزيد من تصليب الوحدة والتكاتف والتعاضد، وإعادة اللُحمة بين شطري الغوطة المنقسمة، القطاع الأوسط ودوما، مع تطوير استراتيجية ثورية للتصدي  للمحتل الروسي وأذنابه بكل السبل والوسائل، من دون استبعاد لأي خيار، سياسي أو شعبي أو عسكري، في هذه الاستراتيجية، ورفع كلفة مواصلة حمل السلاح لحماية مبادئ وثوابت الثورة، وصولًا إلى تحقيق أهداف الشعب السوري، برحيل الأسد وإقامة الدولة المستقلة.

هذا هو أول اتفاق في محيط العاصمة ينتهي بوقف لإطلاق النار، دون تهجير أوتغيير ديموغرافي، وإذا ما بحثنا عن الفرق الشاسع بين الاتفاقية التي وقعها ممثل جيش الإسلام السيد محمد علوش وبين الاتفاقية التي وقعها ممثل فيلق الرحمن الدكتور معتصم شمير، فإن الفرق واضح جليّ:

أولًا – مكان توقيع الاتفاقية في مدينة معتبرة جنيف، وليس في دولة داعمة للأسد (مصر).
ثانيًا – فرض فيلق الرحمن على المحتل الروسي تثبيت جوبر وعين ترما في الاتفاق، وليس بدونها.
ثالثًا – أثبت فيلق الرحمن الثوابت الثورية والجيش الحر في إعلان وقف إطلاق النار، وليس معارضة تبحث عن دورها في السلطة.
رابعًا – رسم فيلق الرحمن خريطة النفوذ على الأرض كما فرضها أبطاله لا كما رسمها النظام باللغة الروسية.
خامسًا – فاوض فيلق الرحمن – على المكشوف – مع المحتل الروسي، ولم يعترف بحكومة بشار الأسد والدولة السورية.
سادسًا – أطلع فيلق الرحمن الناس على تفاصيل الاتفاق وسيعلنها للعامة.
سابعًا – استطاع فيلق الرحمن ربط القلمون بالغوطة، وكان السيد محمد علوش يستمع ويشاهد ويتعلم طريقة المفاوضات وفرض الشروط ورضوخ الروس للإملاءات.

إن وضوح فيلق الرحمن وشفافيته مع الشعب السوري، هو نقطة إيجابية تُحسب له، ليس كمن وقع في الخفاء من تحت الطاولة وفي الأقبية والسراديب السرية، فثوابت فيلق الرحمن كفصيل ثوري شعبي لم تتغير منذ انطلاقته، إلا أن الأدوات قد تستبدل من مرحلة لأخرى، وان وقف إطلاق النار ماهو إلا استراحة بطل قاوم ستة وستين يوماً، وهي استراحة مبنية وفق أسس حامية للثوابت.

لا شك أن فيلق الرحمن يقف بعد سنوات أمام رصيد كبير من التجربة على المستويات المختلفة من العلاقات الداخلية أو السياسية أو الصمود والحرب وقدرته، وأنا أعتقد أن هذه التجربة حقق فيها فيلق الرحمن العديد من النجاحات بالرغم من التحديات، وكان هناك نجاحات ربما يختلف الناس في تقييم بعض المواقف لكنني أعتقد أنه على مدى سنوات نجح فيلق الرحمن في أن يؤكد تمسكه بالثوابت الثورية السورية وأن يواصل الثورة وأن يصمد في وجه جملة من التحديات التي فرضها العدو وحلفاء هذه العدو على المستوى الدولي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد