كثيرًا قالوا لي: يا صغيرتي! الله لا يحاسبنا على أفكارنا، ولكنهم يفعلون! قالوا لي: العالم رحب أمامك، وسقفك السماء، ولكنك لا تستطيعين التجربة؛ لا يمكنك الخطأ، محاولة الخطأ تلويث لطبيعتك النقية! فماذا إن كنت لا أريد هذه الطبيعة النقية؟

ماذا يحدث إن كنت أريد أن أفكر وأحول أفكاري لبركان لا يهدأ؟ ماذا يحدث إن كنت لا أعبأ بهم ولا بتفكيرهم؟ ماذا سيصيب الكون إن كانت حياتي واختياراتي بيدي وحدي؟ قالوا لي إنهم يحترمون عقلي، لكن عند الاختيار باستقلالية وبتفكير منفرد يظهر كل شيء، فتنهال علي  كلمات وجمل، مثل: صغيرتي أنت لا تعلمين، مازلت صغيرة وساذجة وهشة، لا تفعلي ذلك؛ ماذا عن الناس؟ ماذا سيقولون؟ حسنًا لقد خلصت الآن إلى أني لا أهتم.

أريد أن أفكر بلا وجل؛ أليس الفكر حرًا، أم أنه ككل شيء في بلادنا يقترب من كلمة حرية فهو مشكوك في أمره. الأفكار وقود كل شيء، وقود الإبداع، الأدب، الحرية، التنوع، والتعايش. كل شئ يبدأ من فكرة، ولكن يبدو أن لدينا خللًا في مفهوم التقبل للأفكار الجديدة الغريبة، الأفكار التي يعتريها تشويش وشك، ربما كنا نتعامل مع الأفكار ككل شيء آخر، فنرتاح للمعتاد والمتعارف عليه، وننبذ المحاولات للخروج من الأطر، ونرى من يرفض حتى المناقشة، انطلاقًا من أن ليس كل ما يدور في عقلك مسموح لك أن تلفظه بلسانك، ليس مقبولًا أن تشك.

فمن منطلق أن الشك لا يولد إلا شكًا؛ فيجب وأده، لا أدري من أين انبعثت هذه الفكرة، ولكني رأيت آثارها في مناقشات كثيرة تبدأ بـ«مع احترامي»، وتنتهي بـ«أنت لا تفهم»، و كأن الفهم قد اقتصر على فئة معينة، دون غيرها، فقد كنت أتعجب كثيرًا حين أقرأ، أو يخبرني شخص ما، بألا أستغرق في البحث عن أمر معين، أو ألا أقرأ لكاتب معين أو أسمع أشياء قد قرر أنها لا تناسبني، أو أنها ستفتح أفاقًا غير مفيدة أو مثيرة للجدل، ولا أعلم ما المشكلة هنا؟

ربما كانت المشكلة الأزلية أن المجتمع الذي نعيش فيه يقوم على فكرة الوالدية، والأوامر، والأطر أن اتبع هذا الإطار، وتكون في أمان واتساق وعدم تصادم مع الأفكار السائدة، حتى وصل الأمر، خاصة عند الشباب، أن الأفضل الاحتفاظ بأفكارهم لأنفسهم أو تكوين مجتمعات مغلقة نوعًا يتبادلون فيها أفكارهم وسخطهم، فلا هم استطاعوا التعبير الحر عنها، ولا هم تخلوا عن رغبتهم في تحدي الأطر والرضا بالإطار المرسوم، ولا هم خرجوا عن المجتمع الذي يحترق بأفكار يخاف عليها أصحابها من النور الذي يتحول نارًا يحرق كل مختلف أو حتى محاولة للاختلاف.

وبالرغم من أن كثيرًا ما تنطلق دعوات التعايش، والسعي نحو تقبل الأفكار المختلفة، لكن كثيرًا ما يظل ذلك في إطار الأقوال، حتى يأتي وقت الصدام، أو مواجهة الأفكار مباشرة في صورة أشخاص يؤمنون بها، ويدافعون عنها، ويرون أنها أساس حياتهم. في هذه المرحلة تظهر حقيقة الأقوال حين يترك  الحكم على الأفكار في حد ذاتها وتفنيدها، والاختلاف معها برقي، ويبدأ التركيز على معتنقيها، وطريقة حياتهم، والحكم على أفكارهم في إطارهم الشخصي الضيق.

ويظهر هنا أيضًا محاولة الحكم بالمبادئ، والأخلاق الشخصية على سلوك الآخرين وأفكارهم وأخطائهم، بالرغم من بديهية الفكرة التي تقول إن المبادئ تختلف من شخص لآخر، وما تراه مقبولًا قد يكون مرفوضًا في نظر آخرين، وما ترفضه، وربما لا تتصور وجوده، يكون طبيعيًا وعاديًا للغاية في حياة تختلف عنك.

فالحياة ليست أنماطًا ثابتة، ولا قوالب تضم أفكار واضحة نستخدمها في تصنيف البشر، من أين امتلكنا حق الحكم على الآخرين؟ ومن أين تصورنا أن لنا الحق أن نحدد السقف الذي نصل إليه بأفكارنا؟ ولماذا نتصور أن السقف واضح، وواحد، عند الجميع؟ كل هذه تساؤلات لازلت أظنها مشروعة، فالسقف ليس ملكًا لأحد، وإن تركنا أيدينا منه واستسلمنا للقمع الجماعي للاختلاف، فحتى هذا السقف، بالرغم من ضعفه، سيتمدد ويكتم الأصوات داخله، بالرغم من أنها خلقت حرة لتنطلق.

الأكيد أننا في مشكلة، والأكثر وضوحًا أنها تزداد تعقيدًا، لذا هذه دعوة للتفكير، فيا صديقي! إذا كانت الأفكار السائدة لا تناسبك، فأنت قادر على اختيار غيرها إذا أردت، لا تتوقف عن المحاولة، لا تتوقف عن التفكير والدفاع عن أفكارك وبلورتها وتغييرها، حتى يتضح لك طريقك شيئًا فشيئًا، ستنتهي الحياة قريبًا، وربما لن تصل لنهاية الطريق، ولكن لا تتوقف. لا أحد سيتذكر أنك كنت مواطنًا صالحًا تتبع الأفكار المجتمعية المتفق عليها أيًا كانت، لا تترك أفكارك تحترق داخلك، فربما آن آوان نسف أسطورة المواطن الصالح، والتفكير في بديل، يكفينا هذا القدر من الانسياق، فقد حان وقت انفجار البركان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الأفكار
عرض التعليقات
تحميل المزيد