حسب الروايات المنقولة في كتب السيرة النبوية وكتب السُّنة، فإن الرسول غادر مكة يوم 27 صفر من العام الأول الهجري الموافق لـ9 سبتمبر (أيلول) سنة 622م ووصل إلى المدينة في 12 ربيع الأول الموافق لـ23 سبتمبر. أي رحلة الهجرة نفسها دامت حوالي 15 يومًا، لكن الهجرة لا تقتصر على الرحلة من مكة الى المدينة، فهجرة الرسول من مكة إلى المدينة لم تكن إلا تتويجًا لسنين من العمل الدعوي والسياسي الدءوب، اتصل خلالها صلى الله عليه وسلم بعشرات القبائل وزعمائها، سواء في مكة لما كانوا يأتون للحج أو التجارة، أو كان يسافر إليهم الى بلدانهم متحملًا مشقة الطريق وخطورة أن تكشف قريش أمره. كانت اتصالات الرسول بالقبائل وزعمائها تجري ضمن خطة وغاية واضحتين ثابتتين، لم تكونا من اجتهاده الشخصي، بل كانتا على هدى ووحي من الله كما ستبين الأدلة التي سأعرضها.

واليوم وبعد مرور أكثر من 1400 عام على ذلك الحدث المفصلي في تاريخ الإسلام والمسلمين، ابتدع المسلمون احتفالات بالهجرة النبوية، ليس فقط أنها (أي الاحتفالات) لم يقم بها الرسول نفسه ولا الصحابة بعده، بل كذلك لا علاقة لها البتة بجوهر ورسالة وهدف هجرة الرسول من مكة الى المدينة، والأشد غرابة أنهم يحْيُون ذكرى هجرة الرسول، لكن يعرضون أشد الإعراض عن سُنَّة الهجرة النبوية، يعرضون عن الالتزام بسُنَّة هجرته صلى الله عليه وسلم، يعرضون عن الالتزام برسالة وأحكام وأهداف الهجرة النبوية.

فهل يدرك المسلمون جوهر وهدف هجرة الرسول؟

والأهم هل يدركون أن هجرة الرسول سُنَّة واجبة الاتباع كغيرها من سننه صلى الله عليه وسلم؟ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا. (سورة الأحزاب).

وما هي نماذج إعراض المسلمين عن سُنَّة الهجرة النبوية؟

هذا ما سأجيب عنه في الأجزاء الثلاثة من هذا البحث.

هل يدرك المسلمون جوهر وهدف هجرة الرسول ووجوب اتباع سُنَنِها؟

هدف الهجرة النبوية وما سبقها من أعمال سياسية جبارة للرسول هو إقامة دارٍ للإسلام، دولة للإسلام، دولة ذات قوة عسكرية، ذات شوكة ومنعة تحمي المسلمين من طغيان الكفار، وتمكنهم من حياةٍ كريمة تُدار فيها كل شؤون الحياة حسب الوحي المنزل من الله، حسب شريعة الإسلام.

فالبشرية أمام أمرين لا ثالث لهما: إما أن يُحكموا بقوانين يبتكرها بشر، فتكون بذلك النخبة التي تضع القوانين عبارة عن أرباب للبشر، يُخضِعون الناس لأهواء أصحاب النفوذ. أو أن يُحكَمُوا بقوانين يضعها خالق البشر، فتزول بذلك كل أنواع تأليه البشر وتَجَبُّره على الناس، وتزول الأسباب التي تجعل فئة من الناس أصحاب النفوذ تستطيع وضع قوانين تخدم مصالحها هي، وتجعل عامة الشعوب مجرد خدم وعبيد يُسخَّرون ليركضوا ويكدوا من أجل جلب مزيد من الربح والغنى لأصحاب النفوذ.

فالرسول بوحي من الله وانسجامًا مع سننه سبحانه في المجتمعات والدول، كان يدرك أن إقامة أحكام الله في الأرض تحتاج لدولة، لقوة عسكرية، لسلطان يحمي أهل الإسلام من أعدائه ويمكنهم من إقامة أحكامه في كل شؤون حياتهم دون أن يضطهدهم أحد أو يخوفهم أو يفتنهم في دينهم. يقول الله سبحانه: وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا. (سورة الإسراء): يقول ابن كثير في تفسيره للآية: إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَلِمَ أَلَّا طَاقَةَ لَهُ بِهَذَا الْأَمْرِ إِلَّا بِسُلْطَانٍ، فَسَأَلَ سُلْطَانًا نَصِيرًا لِكِتَابِ اللَّهِ وَلِحُدُودِ اللَّهِ وَلِفَرَائِضِ اللَّهِ، وَلِإِقَامَةِ دِينِ اللَّهِ؛ فَإِنَّ السُّلْطَانَ رَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ جَعَلَهُ بَيْنَ أَظْهُرِ عِبَادِهِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَأَغَارَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، فَأَكَلَ شَدِيدُهُمْ ضَعِيفَهُمْ.. لَا بُدَّ مَعَ الْحَقِّ مِنْ قَهْرٍ لِمَنْ عَادَاهُ وَنَاوَأَهُ. (ا.هـ).

وواقعنا الذي نعيشه يرينا أنه لا قيمة لإنسان بدون وجود دولة قوية ينتمي إليها، وأنه كلما كانت الدولة هزيلة أو كانت وظيفية كلما كان حامل جنسيتها معرضا للاضطهاد وللتحقير ولقوانين عشوائية تُسَن ضده في كل أنحاء العالم وأولها دولته الهزيلة الوظيفية التي يحمل جنسيتها. ويرينا الواقع أن الدول القوية هي التي تفرض إرادتها على الشعوب والدول الأخرى، حتى أنها تحدد لهم كيف يفكرون وما نوع نظام الحكم الذي يجوز لهم اختياره، بل تحدد لهم الأفراد الذين يجوز لهم انتخابهم… إلخ.

ومن ثم وسعيًا لإقامة دولة للإسلام تمكن حياة عزة للمسلمين، ولما لم يستجب أصحاب النفوذ والسلطان في مكة لدعوة الرسول وأعرضوا عن رسالته ولم يرغبوا في جعل الحاكمية لله وحده وأن يكونوا جندًا لنصرة الرسول والإسلام، بدأ الرسول يبحث عن أصحاب سلطان وقوة في أماكن أخرى غير مكة لعلهم يرغبون في نصرة الإسلام وجعل بلادهم نواة لإقامة دولة للإسلام يكون محمد رئيسها وقائدها المُطاع وتُحكم حصريا بالأحكام الشرعية (القوانين) التي ينزلها الله على رسوله. فبدأ الرسول بأمر من الله يعرض نفسه على القبائل العربية المختلفة.

كان هدف الرسول من عرض نفسه على القبائل هو إقامة دولة ذات منعة تتحاكم للإسلام وحده وتبلغ رسالته للعالم وتحمي المسلمين، وكانت شروطه صلى الله عليه وسلم التي يشترطها على من يعرض نفسه عليهم من القبائل واضحة ثابتة لم يتزحزح عنها قيد أنملة مهما كانت المُغريات التي حاول أصحاب السلطان إغرائه بها ومهما كانت حالة الأذى والاضطهاد والاستضعاف الذي كان يعيشه المسلمون في مكة. كان يطرح شروطه بوضوح وصراحة دون مواراة أو مداهنة، قَبِلها من قبِل ورفضها من رفض. ويمكن تلخيص أهم شروطه صلى الله عليه وسلم كالآتي:

1) توافر القبيلة على قوة عسكرية ومنعة تستطيع بها إيواء الرسول وأتباعه وحمايتهم والذود عنهم، ونصرة الإسلام ومحاربة أية قبيلة أو دولة تريد الاعتداء على الرسول وأتباعه.

2) الإيمان بالله وحده إلهًا، وبأن محمدًا رسوله، فيكون الله وحده المشرع حسب ما يوحي لمحمد، لا مشرع غيره، ومن ثم الطاعة التامة وغير المشروطة للرسول والخضوع لكل الأحكام التي يفرضها الله.

3) قيادة الدولة ورئاستها تكون للرسول، فيكون قائدها السياسي والعسكري.

4) فسخ كل الولاءات والتحالفات السياسية والعسكرية مع القبائل والدول، وعدم التردد في خوض الحرب مع أي دولة تحارب دولة الإسلام. فتُصاغ علاقة الدولة الإسلامية مع الخارج (دولًا أو قبائل) حسب شروط الإسلام وخدمة للدعوة الإسلامية، تكون العلاقات مع الدول مبنية على تحقيق الولاء للمسلمين، العلاقات مع أية دولة في العالم تحددها مدى مسالمة تلك الدولة للمسلمين أو معاداتها ومحاربتها لهم، فالدولة التي تحارب المسلمين تعامل معاملة المحارب وليس معاملة الصديق والحليف.

سأعرض في الجزء الثاني من هذا البحث الأدلة على هذه الشروط المذكورة أعلاه لإقامة دولة الإسلام.

وفي الجزء الثالث والأخير سأتطرق إن شاء الله لنماذج من إعراض المسلمين – والمقصود هنا بالخصوص الجماعات والأحزاب والتيارات الإسلامية ومشايخها – عن سُنَّة الهجرة النبوية. وعلى رأس هذه النماذج قبول تلك الجماعات دخول لعبة الديمقراطية في شتى البلدان الإسلامية، كمصر وتركيا وتونس… إلخ، ومدى تصادم هذا المسلك جملة وتفصيلًا مع سُنة الرسول، وكيف أنه لا ولم ولن يجلب أي تمكين للإسلام، بل يوطد أنظمة الحكم العلمانية ويعطيها صبغة وشرعية إسلامية مزيفة تضلل الناس وتميع عقيدتهم. وأن أقصى ما يحققونه (المنتسبون للتيار الإسلامي) هو تحسين أوضاعهم الشخصية الدنيوية بقبولهم دخول لعبة الديمقراطية تحت إشراف وهيمنة الغرب الذي لا زال هو المتحكم الفعلي في كل البلدان الإسلامية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات