فسخ التبعية لأي دولة خارجية شرط أساسي ومحوري لإقامة دولة الإسلام

في هذا الفصل الثاني من الجزء الثاني لهذا البحث، سأتمم عرض الأدلة على شروط الرسول في طلب النصرة، الشروط المذكورة في الجزء الأول من هذا البحث.

أدلةٌ على شرط الرسول أن تتحاكم دولة المسلمين لأحكام الإسلام حصريا

الرسول لم يكن يطلب النصرة من قبائل وإقامة دولته عندهم، مع إبقاء تلك القبائل على نظامها في الحكم وعلى منظومتها التشريعية وعلى قوانينها، فهذا لا يحقق أبدا نصرا للإسلام، ولن يجعل الرسول يستطيع إقامة دولة إسلامية ذات منظومة تشريعية منبثقة حصريا من القرآن والسنة، وذات ولاء تام للإسلام وللمسلمين، وبراءة تامة من كل الدول المحاربة للإسلام.

فهناك فرق شاسع بين الفرد الذي يطلب الحماية لنفسه وأسرته، وبين من يطلب النصرة لدينه ورسالته ومبدئه ليكون هو (أي المبدأ) السائد والمتحكم في الأرض.

ففي الحالة الأولى لا يُشترط من الذي تُطلَب منه الحماية أن يكون مؤمنا بدين طالبِ الحماية أو أن يطبقه، فيشترط فقط ألَّا يُمنع طالبُ الحماية من إقامة شعائر دينه المتعلقة به كفرد (كأداء الصلاة والصوم مثلا، وحريته في اختيار لباسه، وأكل وشرب ما تحله له عقيدته… إلخ).

لكن في الحالة الثانية، فالأمر ليس متعلقا بأفراد ومصيرهم، ولكنه متعلق برسالة ومبدأ وعقيدة، ومنظومة تلك العقيدة في السياسة والحكم والتشريع والعلاقات الدولية… إلخ. فهنا يُشترط شرطا إلزاميا وقطعيا، لا يقبل التفاوض أو المساومة، ألَّا تُطلب النصرة والحماية إلا ممن يؤمن بتلك العقيدة، ويقرر وهب نفسه وسلطانه وسلاحه وجيشه لخدمة تلك العقيدة، ونصرتها، وتَحَمُّل تكاليفها المالية والنفسية والحربية، والتضحية والموت من أجلها، والخضوع لكل الأوامر والفروض التي تقتضيها تلك العقيدة، والحكم حصريا بما تشرعه العقيدة.

وهنا وقع الخلط عند كثير من الجماعات الإسلامية التي نشأت منذ القضاء على الدولة العثمانية، إذ لم يفرقوا بين شروط طلب الحماية الشخصية، وبين شروط نصرة الإسلام كمنظومة حكم شاملة، فجعلوا سلامتهم الشخصية ورفع المحن عنهم فوق التمكين للإسلام كنظام حكم شامل، مما جعلهم ينحرفون انحرافا عظيما، ويضيعون المبدأ والعقيدة، بل ويصبحون أعوانا وعملاء للظلمة ولأعداء الإسلام، أعوانا لهم في هدم الإسلام ومنعه من الوصول للحكم. وسأتطرق في الجزء الثالث من هذا البحث بشيء من التفصيل في هذا الباب.

فالرسول، وكما ورد في كل الروايات عن لقاءاته بزعماء القبائل التي كان يسعى لإقامة دولة الإسلام في بلدهم، كان يشترط عليها أن «تٌقِرّ بشَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنّ محمدا رَسُول اللَّهِ» (البداية والنهاية لابن كثير، سيرة ابن هشام… إلخ).

«شَهَادَة أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنّ محمدا رَسُولُ اللهِ» ليست قولا باللسان كما أصبح اليوم في عصرنا، وإنما، وكما فهمها العرب، تعني أن الحكم والتشريع لله وحده، فتُلغى كل التشريعات السابقة، وأن هذه الأحكام يبلغها الرسول محمد عن ربه (شهادة أن محمدا رسول الله). {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابَ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ}  (سورة المائدة)؛ ويقول سبحانه: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} (سورة المائدة، الآية 44)؛ {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} (سورة المائدة، الآية 45)؛ {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} (سورة المائدة، الآية 47).

أدلة على شرط رئاسة الرسول للدولة ووجوب طاعته

مما ورد في بيعة العقبة الثانية أن الأنصار قالوا للرسول: يَا رَسُولَ اللَّهِ! عَلَامَ نُبَايِعُكَ؟ قال الرسول: «تُبَايِعُونِي عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي النَّشَاطِ وَالْكَسَلِ، وَالنَّفَقَةِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ، وَعَلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَأَنْ تَقُولُوا فِي اللَّهِ لَا تَخَافُونَ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، وَعَلَى أَنْ تَنْصُرُونِي، فَتَمْنَعُونِي إِذَا قَدِمْتُ عَلَيْكُمْ مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَكُمْ وَأَزْوَاجَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ، وَلَكُمُ الْجَنَّةُ». فقام الأنصار وبايعوه على ذلك (مسند أحمد بن حنبل).

ومما ورد في الميثاق الذي وضعه النبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين واليهود بالمدينة (والذي بات يُعرف بـ«صحيفة المدينة»): «وَإِنَّهُ مَا كَانَ بَيْنَ أَهْلِ هَذِهِ الصَّحِيفَةِ مِنْ حَدَثٍ أَوِ اشْتِجَارٍ يُخَافُ فَسَادُهُ، فَإِنَّ مَرَدَّهُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» (البداية والنهاية لابن كثير، فصل: ذكر ما وقع في السنة الأولى من الهجرة النبوية)

فمن الشروط المحورية التي شرطها الرسول هو السمع والطاعة له صلى الله عليه وسلم، والتحاكم إليه، فهذا تضمين قطعي بأن الحاكم الفعلي المُطاع هو الرسول، فيُشترط على القبيلة أن تقلع كل الولاءات لأي أشخاص أو جهات كانت تدين لها بها، ويصبح ولاؤها للرسول وحده، وطاعته في كل ما يأمر به.

أدلة على شرط فسخ كل التحالفات والولاءات مع الدول المحاربة للإسلام، وعدم التردد في خوض الحرب ضد كل من يحارب المسلمين

مما ورد في بيعة العقبة الثانية أن أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ، أحد الأنصار، قَال: رُوَيْدًا يَا أَهْلَ يَثْرِبَ (أهل المدينة)، فَإِنَّا لَمْ نَضْرِبْ أَكْبَادَ الْإِبِلِ إِلَّا وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَنَّ إِخْرَاجَهُ الْيَوْمَ مُفَارَقَةُ الْعَرَبِ كَافَّةً، وَقَتْلُ خِيَارِكُمْ، وَأَنْ تَعَضَّكُمُ السُّيُوفُ، فَإِمَّا أَنْتُمْ قَوْمٌ تَصْبِرُونَ عَلَى ذَلِكَ، وَأَجْرُكُمْ عَلَى اللَّهِ، وَإِمَّا أَنْتُمْ قَوْمٌ تَخَافُونَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ جُبَيْنَةً، فَبَيِّنُوا ذَلِكَ، فَهُوَ أَعْذَرُ لَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ. فرد عليه الأنصار: أَمِطْ عَنَّا يَا أَسْعَدُ، فَوَاللَّهِ لَا نَدَعُ هَذِهِ الْبَيْعَةَ أَبَدًا، وَلَا نَسْلِيهَا أَبَدًا. فقام الأنصار فبايعوا الرسول، فَأَخَذَ عَلَيهم وَشَرَطَ، وَيُعْطِيهم عَلَى ذَلِكَ الْجَنَّةَ (مسند أحمد بن حنبل). فالأنصار كانوا يدركون تمام الإدراك أن نصرة الرسول وإعلانه رئيسا عليهم في دولة للإسلام في المدينة، يعني قطعا أن كل العرب والعجم ستحاربهم (وَأَنَّ إِخْرَاجَهُ الْيَوْمَ مُفَارَقَةُ الْعَرَبِ كَافَّةً).

وقال أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيِّهَانِ، أحد الأنصار الذين حضروا بيعة العقبة الثانية: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الرِّجَالِ حِبَالًا، وَإِنَّا قَاطِعُوهَا – يَعْنِي الْيَهُودَ – فَهَلْ عَسَيْتَ إِنْ فَعَلْنَا ذَلِكَ ثُمَّ أَظْهَرَكَ اللَّهُ، أَنْ تَرْجِعَ إِلَى قَوْمِكَ وَتَدَعَنَا؟ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ: «بَلِ الدَّمُ الدَّمُ، وَالْهَدْمُ الْهَدْمُ، أَنَا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مِنِّي، أُحَارِبُ مَنْ حَارَبْتُمْ، وَأُسَالِمُ مَنْ سَالَمْتُمْ» (البداية والنهاية لابن كثير: كتاب سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ قصة بيعة العقبة الثانية). الشاهد هنا أن الأنصار مع بيعتهم للرسول فسخوا كل الولاءات والمعاهدات مع القبائل الكافرة، وعلى رأسهم اليهود.

ولم يقبل الرسول من قبيلة شيبان لما دعاهم للإسلام وليكونوا الدرع الحامي للدولة التي يريد إنشائها ورئاستها، أن تبقى لهم تبعية لدولة الفرس ولا أن يمتنعوا عن قتالها إن استدعى الأمر ذلك. فلما قال المثنى بن حارثة (أحد سادة قبيلة بني شيبان وقائدها العسكري) للرسول: إنَّا إِنَّمَا نَزَلْنَا بَيْنَ صِيرَيْنِ، أَحَدُهُمَا الْيَمَامَةُ (أَرْضُ الْعَرَبِ) وَالْآخَرُ السَّمَامَةُ (أَرْضُ فَارِسَ وَأَنْهَارُ كِسْرَى)، وَإِنَّمَا نَزَلْنَا عَلَى عَهْدٍ أَخَذَهُ عَلَيْنَا كِسْرَى أَنْ لَا نُحْدِثَ حَدَثًا وَلَا نُؤْوِيَ مُحْدِثًا، …. وَلَعَلَّ هَذَا الْأَمْرَ الَّذِي تَدْعُونَا إِلَيْهِ (يا محمد) مِمَّا تَكْرَهُهُ الْمُلُوكُ، فَأَمَّا مَا كَانَ مِمَّا يَلِي بِلَادَ الْعَرَبِ فَذَنْبُ صَاحِبِهِ مَغْفُورٌ وَعُذْرُهُ مَقْبُولٌ، وَأَمَّا مَا كَانَ يَلِي بِلَادَ فَارِسَ فَذَنَبُ صَاحِبِهِ غَيْرُ مَغْفُورٍ وَعُذْرُهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ. فَإِنْ أَرَدْتَ أَنْ نَنْصُرَكَ وَنَمْنَعَكَ مِمَّا يَلِي الْعَرَبَ فَعَلْنَا (أما ضد دولة الفرس فلا يمكننا نصرتك ومنعتك). فرد عليه الرسول رافضا لذلك «إِنَّهُ لَا يَقُومُ بِدِينِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ حَاطَهُ مِنْ جَمِيعِ جَوَانِبِهِ»، أي أن يكون مستعدا وعازما على نصرة الإسلام ضد كل دولة في العالم مهما كانت قوتها (اقتباس بتصرف من البداية والنهاية لابن كثير).

فالرسول، رغم حالة الاستضعاف التي كان يعيشها في مكة واضطهاد قريش للمسلمين، إلا أنه رفض نصرة بني شيبان الناقصة للإسلام، فمن كان يؤمن فعلا بأنه «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا رسول الله» وأراد فعلا نصرة الإسلام والتمكين له في الأرض، فإنه يقطع كل الولاءات والتحالفات مع كل القوى في العالم المحاربة للإسلام والمسلمين، ويكون عازما – بالفعل وليس باللسان – على إعلان الحرب على كل دولة تعزم على محاربة المسلمين (إِنَّهُ لَا يَقُومُ بِدِينِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ حَاطَهُ مِنْ جَمِيعِ جَوَانِبِهِ).

فكيف بمسلمي اليوم، وعلى رأسهم مشايخ وعلماء، يزكون حكاما ويُسَوِّقونهم على أنهم ناصري الإسلام، مع أن أولئك الحكام يستميتون في الحفاظ على تحالفات مع جيوش دول كافرة محاربة للمسلمين ومحتلة لبلادهم، … مع أن أولئك الحكام لم يتركوا جيشا كافرا محاربا للمسلمين إلا وفتحوا له البلاد ليرتع فيها ولتنطلق منها طائراته وجيوشه لقتل المسلمين وغزو بلدانهم.

في الجزء الثالث والأخير، وحتى لا تبقى سُنَّة الهجرة النبوية مجرد روايات تاريخية «للتسلي»، سأنزلها على واقع المسلمين اليوم، وعلى رأسهم جماعات وتيارات إسلامية ومشايخها، لنتركها (أي سُنّة الهجرة) تحكم على منهجهم ومواقفهم السياسية، ويتبين لنا كيف أنهم يعرضون عن سنة الهجرة النبوية، مع أنهم أول من يسارع لإحياء ذكراها كل سنة.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد