في هذا الجزء الثاني الذي قُسِّم إلى فصلين، سأعرض الأدلة على شروط الرسول في طلب النصرة، الشروط المذكورة في الجزء الأول من هذا البحث.

«إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ» (سورة الأنعام)، أي «مَا أَتَّبِعَ فِيمَا آمُرُكُمْ بِهِ، وَفِيمَا أَفْعَلُهُ مِنْ فِعْلٍ، إِلَّا وَحْيَ اللَّهِ الَّذِي يُوحِيهِ إِلَيَّ» (تفسير الطبري).

طلب الرسول النصرة من القبائل كان بأمر من الله

ما كان الرسول ليعلم أي طريق يجب سلوكه لإقامة دولةٍ للإسلام، ولا الأسباب والوسائل التي يجب اتخاذها والشروط التي يجب وضعها، إلا بوحي من الله.

بداية يجب تبيان أن عرض الرسول نفسه على القبائل وطلب النصرة منها لإقامة دولة الإسلام، كان بأمر من الله. ومن الأدلة على ذلك حديث ابْن عَبَّاس، إذ قال: «حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: لَمَّا أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أَنْ يَعْرِضَ نَفْسَهُ عَلَى قَبَائِلِ الْعَرَبِ خَرَجَ وَأَنَا مَعَهُ وَأَبُو بَكْرٍ إِلَى مِنًى، حَتَّى دَفَعْنَا إِلَى مَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ الْعَرَبِ، …» (فتح الباري شرح صحيح البخاري).

من الأدلة على أن الهجرة والأعمال المتعلقة بها كانت بوحي من الله، ومن ثم وجوب اتباع سُنَّة الهجرة في كيفية إقامة دولة للإسلام

من بين الأدلة قوله – صلى الله عليه وسلم-: «رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أُهَاجِرُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَرْضٍ بِهَا نَخْلٌ فَذَهَبَ وَهَلِي (أي ظني) إِلَى أَنَّهَا الْيَمَامَةُ أَوْ هَجَرُ (يُرَجَّح أنها بلدة بالبحرين) فَإِذَا هِيَ الْمَدِينَةُ يَثْرِبُ» (صحيح البخاري). فالرسول كان يتصل بمختلف القبائل يطلب نصرتها وبيعتها له على الطاعة وعلى حمايته وحماية المسلمين، لكن مع ذلك لم يكن يعلم أي البلاد ستستجيب لدعوته وتقبل الإيمان به ونصرته.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَرْبَعِينَ سَنَةً، فَمَكُثَ بِمَكَّةَ ثَلاَثَ عَشْرَةَ سَنَةً يُوحَى إِلَيْهِ، ثُمَّ أُمِرَ بِالهِجْرَةِ فَهَاجَرَ عَشْرَ سِنِينَ، وَمَاتَ وَهُوَ ابْنُ ثَلاَثٍ وَسِتِّينَ” (صحيح البخاري). الشاهد هنا قول ابن عباس: (أُمِرَ الرسول بالهِجْرَةِ)، فالهجرة كانت بأمر من الله، وبالتالي كان كل ما هو متعلق بها: شروط طلب النصرة وأهدافها، قطعًا من الله، فالله لا يأمر بشيء ثم لا يبين طريقة تحقيقه. فالله لما أمر بالصلاة مثلًا، حدد لنا أوقاتها وعدد ركعاتها وشروطها وكيفية أدائها… إلخ.

وعن عائشة – رضي الله عنها- قالت: «تَجَهَّزَ أَبُو بَكْرٍ مُهَاجِرًا، فَقَالَ له النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: عَلَى رِسْلِكَ، فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ يُؤْذَنَ لِي، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَوَ تَرْجُوهُ بِأَبِي أَنْتَ؟ قَالَ الرسول: “نَعَمْ”. فَحَبَسَ أَبُو بَكْرٍ نَفْسَهُ عَلَى النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِصُحْبَتِهِ. …. ثم قالت عائشة: فَبَيْنَا نَحْنُ يَوْمًا جُلُوسٌ فِي بَيْتِنَا فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ، قَالَ قَائِلٌ لِأَبِي بَكْرٍ هَذَا رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مُقْبِلًا مُتَقَنِّعًا فِي سَاعَةٍ لَمْ يَكُنْ يَأْتِينَا فِيهَا… فَجَاءَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَاسْتَأْذَنَ فَأَذِنَ لَهُ فَدَخَلَ، فَقَالَ حِينَ دَخَلَ لِأَبِي بَكْرٍ: إِنِّي قَدْ أُذِنَ لِي فِي الْخُرُوجِ» (صحيح البخاري). فهذا الحديث دليل على أن الرسول لم يتحرك أي حركة إلا بإذن من الله، حتى موعد الخروج من مكة الى المدينة حدده له الله.

أدلةٌ على أن الرسول لم يقبل الرئاسة والحكم في بلدٍ إلا بشرط أن يكون لها جيش قوي يقدم ولاءً تامًّا للرسول يُمَكِّنه من تنفيذ مشروعه السياسي

لما قدمت قبيلة بَكْر بن وَائِل إلى مكة للحج زارهم الرسول في منازلهم وعرض عليهم الإسلام، ثم سألهم: «كَيْفَ الْعَدَدُ؟» (أي عدد مقاتليكم). قَالُوا: كَثِيرٌ مِثْلُ الثَّرَى. فقَالَ الرسول: «فَكَيْفَ الْمَنَعَةُ؟». قَالُوا: لَا مَنَعَةَ، جَاوَرْنَا فَارِسَ، فَنَحْنُ لَا نَمْتَنِعُ مِنْهُمْ وَلَا نُجِيرُ عَلَيْهِمْ. ثم قَالُوا: وَمَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: «أَنَا رَسُولُ اللَّهِ”، ثُمَّ انْطَلَقَ – صلى الله عليه وسلم- (اقتباس بتصرف من «البداية والنهاية» لابن كثير: كتاب سيرة رسول الله – صلى الله عليه وسلم- فَصْلٌ في عَرْضِ رسول الله – صلى الله عليه وسلم- نَفْسَهُ الْكَرِيمَةَ على أَحْيَاءِ العَرَبِ). فالرسول انْصَرَف عن قبيلة بَكْر بن وَائِل لما عَلِمَ أنه ليست لهم شوكة ولا تتحقق بهم المنعة. فالشوكة والمنعة شرط أساسي للحكم، فلا يمكن لحاكم أن يقود بلدًا ويواجه دولًا إذا لم تكن له قوة عسكرية ضاربة تمنعه وتحميه وتنفذ أوامره. هذه سُنَّة الله في الأرض.

ولما عرض الرسول نفسه على قبيلة بني شيبان، وكان بصحبته أبو بكر – رضي الله عنه- تقدم هذا الأخير سائلًا القوم: «كَيْفَ الْعَدَدُ فِيكُمْ (أي عدد المقاتلين)؟ فَقَالَ لَهُ مَفْرُوقُ بْنُ عَمْرٍو وهو أحد سادة بني شيبان: إِنَّا لَنَزِيدُ عَلَى أَلْفٍ، وَلَنْ تُغْلَبَ أَلْفٌ مِنْ قِلَّةٍ. فَقَالَ لَهُ أبو بكر: فَكَيْفَ الْمَنَعَةُ فِيكُمْ؟  فَقَالَ: عَلَيْنَا الْجَهْدُ وَلِكُلِّ قَوْمٍ جِدٌّ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَكَيْفَ الْحَرْبُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ عَدُوِّكُمْ؟ فَقَالَ مَفْرُوقٌ: إِنَّا أَشَدُّ مَا نَكُونُ غَضَبًا حِينَ نَلْقَى، وَإِنَّا أَشُدُّ مَا نَكُونُ لِقَاءً حِينَ نَغْضَبُ، وَإِنَّا لَنُؤْثِرُ الْجِيَادَ عَلَى الْأَوْلَادِ، وَالسِّلَاحَ عَلَى اللِّقَاحِ، وَالنَّصْرُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، يُدِيلُنَا مَرَّةً وَيُدِيلُ عَلَيْنَا مَرَّةً» (البداية والنهاية- لابن كثير). فالشاهد هنا أن أبا بكر، نيابة عن الرسول، كان يتحرى بدقة مدى قوة بني شيبان العسكرية.

ولما التقى الرسول بوفد من الأوس والخزرج (الأنصار) عند العقبة ليبايعوه فيما سُمي لاحقًا ببيعة الدم، على أن يهاجر إليهم إلى المدينة ويقيم دولته عندهم، وكان عم الرسول – الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ– يرافقه، قال الْعَبَّاسُ: «يَا مَعْشَرَ الْخَزْرَجِ (ويقصد الأوس والخزرج) إِنَّ مُحَمَّدًا مِنَّا حَيْثُ عَلِمْتُمْ، وَقَدْ مَنَعْنَاهُ مِنْ قَوْمِنَا مِمَّنْ هُوَ عَلَى مِثْلِ رَأَيِنَا فِيهِ، فَهُوَ فِي عِزَّةٍ مَنْ قَوْمِهُ، وَمَنَعَةٍ فِي بَلَدِهِ، وَإِنَّهُ قَدْ أَبَى إِلَّا الِانْحِيَازَ إِلَيْكُمْ، وَاللُّحُوقَ بِكُمْ، فَإِنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنَّكُمْ وَافَوْنَ لَهُ بِمَا دَعَوْتُمُوهُ إِلَيْهِ، وَمَانِعُوهُ مِمَّنْ خَالَفَهُ، فَأَنْتُمْ وَمَا تَحَمَّلْتُمْ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنَّكُمْ مُسْلِمُوهُ وَخَاذِلُوهُ بَعْدَ الْخُرُوجِ بِهِ إِلَيْكُمْ فَمِنَ الْآنَ فَدَعُوهُ، فَإِنَّهُ فِي عِزٍّ وَمَنَعَةٍ مِنْ قَوْمِهِ وَبَلَدِهِ. فقال الأنصار: قَدْ سَمِعْنَا مَا قَلَتَ (يا العباس بن عبد المطلب)، فَتَكَلَّمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَخُذْ لِنَفْسِكَ وَلِرَبِّكَ مَا أَحْبَبْتَ. فَتَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قائلًا: «أُبَايِعُكُمْ عَلَى أَنْ تَمْنَعُونِي مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ نِسَاءَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ». فَأَخَذَ الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ (وهو من الخزرج) بِيَدِ الرسول ثُمَّ قَالَ: نَعَمْ فَوَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لِنَمْنَعَنَّكَ مِمَّا نَمْنَعُ مِنْهُ أُزُرَنَا (نساءنا وأهلنا)، فَبَايِعْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَنَحْنُ وَاللَّهِ أَبْنَاءُ الْحُرُوبِ وَأَهْلُ الْحَلْقَةِ، وَرِثْنَاهَا كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ» (مسند أحمد بن حنبل؛ والبداية والنهاية لابن كثير: كتاب سيرة رسول الله – صلى الله عليه وسلم- قصة بيعة العقبة الثانية). فالشاهد هنا أنه جرى التأكيد في بيعة العقبة الثانية على قدرة الأنصار العسكرية على حماية الرسول ومواجهة أي قوى تريد محاربة الرسول، إذ أكد الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ قائلًا: «فَنَحْنُ وَاللَّهِ أَبْنَاءُ الْحُرُوبِ وَأَهْلُ الْحَلْقَةِ، وَرِثْنَاهَا كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ».

كانت هذه بعض الأدلة التي تبين أن الرسول، وبأمر من الله، أخذ بسننه سبحانه في الأرض، فكان يتحرى بدقة مدى قوة القبيلة التي يعرض نفسه عليها، فلا يقبل بيعة الحُكم والرئاسة، وإقامة دولته، إلا عند قوم لهم ما يكفي من القوة الذاتية والشوكة والمَنعة ليحموه وينصروا دينه.

وبإنزالنا سُنّة الرسول هذه على واقعنا اليوم يتضح لنا التقصير والالتباس عند كثير من الجماعات الإسلامية، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين، إذ لم يأخذوا بشرط المَنعة والشوكة والقوة، فظنت أنها بمجرد دخولها لعبة الديمقراطية والفوز بأغلبية الأصوات في البرلمانات، وخروج مظاهرات مليونية لأناس عُزل، وتعيين رئيس للدولة ووزراء من صفوفها (أي من صفوف الجماعات الإسلامية)، فإنها سيتحقق لها التمكين ويمكنها تغيير نظام الحكم وإقامة الشريعة. وهذا وهمٌ وسوء فهم لسنن الله في الأرض، السنن التي أخذ بها الرسول بوحي من الله.

فالحاكم لا يمكنه تغيير نظام الحكم والمنظومة التشريعية، إلا إذا كانت لديه قوة عسكرية ضاربة تطيعه وتحميه وتسهر على تنفيذ قراراته بالقوة. فمثلًا، هل الغرب فرض أنظمة الحكم والتشريع العلمانيين في البلدان الإسلامية عن طريق الانتخابات وتصويت الشعوب المسلمة له، أم أنه دخل إلى البلدان الإسلامية بجيوشه وقواعده العسكرية، وفرض منظومته وسياسته وفلسفة حياته بالقوة على المسلمين؟

سأتطرق لاحقًا، في جزء خاص من هذا البحث، لباب تفريط الجماعات الإسلامية في اتباع سُنة الرسول في تحقيق شرط المَنعة والشوكة لإقامة الدولة.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد