في هذا الفصل الأول من الجزء الثالث، سأتطرق لنماذج من إعراض الجماعات والتيارات الإسلامية عن سُنَّة الهجرة النبوية.

الرسول كان هو من يضع شروطًا صارمة لقبوله الرئاسة والحكم، أما الجماعات الإسلامية اليوم فهي من تُشترط عليها شروط حازمة إن أرادوا تولي الحكم

كل الجماعات المنتسبة للإسلام التي دخلت لعبة الديمقراطية في مختلف البلدان الإسلامية، وعلى رأسها مصر، وتونس وتركيا، وخلافًا لسُنِّة الرسول في كيفية توليه الحكم (كما عرضته في الجزأين الأولين من هذا البحث)، لم تكن هي من تضع شروطًا على القوى المتنفذة في تلك البلدان الإسلامية مقابل قبولها (أي الجماعات الإسلامية) تولي الحكم، بل القوى المتنفذة هي التي اشترطت على جماعة الإخوان المسلمين في مصر، وعلى حركة النهضة في تونس، وحزب العدالة والتنمية في تركيا (وعلى غيرها من الجماعات الإسلامية في عدد من البلدان الإسلامية) شروطًا صارمة تلغي الإسلام كنظام حكم، مقابل السماح لهم بدخول لعبة الديمقراطية في تلك البلدان (دخول الانتخابات التشريعية والرئاسية). ومن أهم هذه الشروط:

1) الإيمان – أو على أقل تقدير الإقرار– بالديمقراطية والعلمانية، والتي من أهم أركانها أن يكون التشريع لعقول البشر وليس من وحي الله المُضمن في القرآن والسُّنة. ومن ثم يجوز مثلًا تبني قوانين من دساتير فرنسا، أو سويسرا، أو ألمانيا.. إلخ، لكن لا يجوز البتة تبني قوانين من القرآن والسُّنة.

2) الإقرار بعدم جواز تدخل الإسلام في الحكم والتشريع، واشتراط انتفاء المرجعية الإسلامية عن أي حزب مقابل ترخيص عمله السياسي وولوج الانتخابات التشريعية والرئاسية.

3) تقديم الولاء لدول الغرب التي سطَّرت ما بات يُسمى بالنظام والقانون الدوليين وفرضته على العالم، والقبول بهيمنة الغرب على بلاد المسلمين والخضوع لقراراته التي يفرضها، وعدم الخروج عن الخطوط الحمر التي يضعها لكل بلد مسلم.

4) الاستمساك بحدود سايكس بيكو، والإيمان بها، والدفاع عنها.

5) الايمان بما يُسمى «الوطنية» رابطًا أساسيًّا لأبناء البلد، والذي يلغي الرابط العقائدي، فيجعل من حق كل «مواطن» بغض النظر عن دينه (مسلم أو كافر، فاسق أو تقي، منافق أو مؤمن، عميل أو مخلص، كاذب أو صادق، ديوث أو غيور حر) تولي أي منصب في الدولة، بما فيها منصب الرئاسة.

6) عدم المساس بجوهر وعقيدة وأهداف ما يسميه الغرب «مؤسسات الدولة»، وعلى رأسها مؤسسات الجيش والمخابرات والتي تُعد صمان الأمان لبقاء الأنظمة الوظيفية العميلة للغرب المُحافظة على مصالحه الحيوية، والمانعة لعودة الإسلام للحكم.

7) تقديم الولاء لإسرائيل وخدمتها، ومنع أي أعمال مادية ضدها (ولا مانع في كثير من الأحيان من ممارسة حروب كلامية استعراضية دعائية ضدها، المهم ألَّا تتحول لأعمال).

8) الانخراط فيما يُسمى «محاربة الإرهاب»، والذي يعني ببساطة محاربة الإسلام. فقريش لما حاربت الرسول لم تقل إنها تحارب نبي الله ورسوله، ولكنها كانت تدَّعي أنها تحارب رجلًا يدَّعي النبوة، رجلًا ساحرًا كذابًا، رجلًا يدعو لدينٍ مُفترى يقوض السلام الاجتماعي فيفرق بين المرء وزوجه، وبين المرء وأهله.

الجماعات الإسلامية تتنازل عن الإسلام وتُقِرّ بالعلمانية من أجل اعتلاء كراسي الحكم

ولذلك تجد الجماعات الإسلامية التي أرادت دخول لعبة الديمقراطية في البلدان الإسلامية، كحركة النهضة في تونس مثلًا، تبنت ميثاقًا يفصل العمل الدعوي عن العمل السياسي، وهو ما يعني صراحة العلمانية، أي لا دخل لله في خَلْقِه، لا دَخْلَ له سبحانه في التشريع، في التحليل والتحريم. لسان حالهم يقول: صحيح، يا الله، أنك خلقت الإنسان، وخلقت الكون، وباقي الكائنات الحية وسخرتها لخدمتنا، وشكرًا لك على ذلك، ونحن لأجل ذلك نقوم بالشعائر التعبدية لك، كالصلاة، والصوم، والحج، وذبح أضحية العيد، والتسبيح والتكبير، لكن لا دخل لك، يا الله، في تدبير وتقنين شؤون حياتنا اليومية، خصوصًا السياسية، والاقتصادية، والحربية.

وقد سبق حركة النهضة التونسية حزبُ العدالة والتنمية التركي، وزعيمه أردوغان في تبني العلمانية، فلم يُسمح لهم تولي الحكم إلا بعدما قدموا المواثيق المغلظة للحفاظ على نظام أتاتورك العلماني الجمهوري.

وتجد جماعة الإخوان المسلمين في مصر لم تدخل الانتخابات بعد انتفاضة 1432هـ الموافق 2011م إلا عبر تكوين حزب لا يحمل اسمًا يشير إلى الإسلام، سُمِّي «حزب الحرية والعدالة»، وجُعلت العضوية فيه لغير المسلمين أيضًا. وإمعانًا في طمأنة الغرب وللتأكيد على تبني جماعة الاخوان للعلمانية، صرح محمد مرسي في حملته الانتخابية لرئاسة مصر بأنه ليس هناك أي خلاف عقائدي بين نصارى مصر ومسلميها، وليس هناك أي خلاف بين العقيدة الإسلامية والعقيدة النصرانية في مصر، وأنه لا مانع عنده أن يحكم نصراني مصر!

وأكد الإخوان المسلمون في أكثر من مناسبة، وعلى رأسهم الرئيس السابق محمد مرسي، في عدة محافل دولية، أنهم (أي الإخوان) يريدون بناء دولة مدنية ديمقراطية وليس دولة إسلامية.

وكل الجماعات المتفرعة عضويًّا أو فكريًّا عن جماعة الإخوان المسلمين في مختلف البلدان الاسلامية (تونس، مصر، سوريا، المغرب، إلخ) أكدت عدم وجود نية لديهم لتطبيق الشريعة.

غالب الجماعات الإسلامية، وعلى رأسها الإخوان المسلمون وبعض التيارات السلفية، الذين طالما عدوا الديمقراطية والقوانين والدساتير الوضعية التي تجعل التشريع للبشر لا لله من الكبائر المخرجة من ملة الإسلام، خرج غالبية مشايخها بعد انتفاضة مصر عام 1432هـ الموافق 2011م ليبيحوا فجأة جواز مشاركة الأحزاب «الإسلامية» في انتخابات النظام العلماني الديمقراطي في مصر، وفي البرلمانات التشريعية التي تسنُّ القوانين حسب رأي أغلبية النواب، وليس حسب قول الله والرسول، وباركوا اعتلاء محمد مرسي منصب الرئاسة على رأس هرم الدولة العلمانية، وأفتوا بوجوب التصويت بنعم في الاستفتاء الشعبي على دستور الإخوان لسنة 1432هـ الموافق 2012م، رغم أن الدستور كان يحمل بين طياته الكفر البواح حسب المعايير الشرعية التي كان يفتي على أساسها المشايخ أنفسهم قبل الانتفاضة الشعبية في مصر.

تقديم الولاء للغرب وإسرائيل من أجل اعتلاء كراسي الحكم

وتجد كل من أراد أو يريد اعتلاء منصب سياسي مهم في الدولة في أي بلد إسلامي، سواء كان فردًا أو جماعة، يمر عبر واشنطن، وباريس، ولندن أو سفاراتها في بلده ليحصل على موافقتهم وتزكيتهم ومباركتهم ودعمهم لترشحه.

من أراد اعتلاء منصب الحكم في بلاد المسلمين يقدم أوراق اعتماده، ليس لدى البيت الأبيض في أمريكا فحسب، بل لدى إسرائيل أيضًا، ومنهم من أصبح يقدم أوراق اعتماده لدى الأخيرة حتى في العلن (غالبية حكام المسلمين كانوا يستأثرون إلى وقت قريب تقديم الولاء لإسرائيل خفية). أَطَلَّ زمن الشجعان؛ إذ لم يصبح حكام المسلمين يخافون الجهر بموالاتهم لإسرائيل.

فقد زار مثلًا رجب طيب أردوغان إسرائيل سنة 1425هـ الموافق 2005م بمجرد ما اعتلا منصب رئاسة الحكومة في تركيا (اعتلاه سنة 1424هـ/ 2003م). وسبق زيارة أردوغان لإسرائيل تزكية اليهود له، إذ منحته «رابطة مكافحة التشهير» (مقرها بأمريكا ووظيفتها دعم إسرائيل ومكافحة «معاداة السامية») جائزة «الشجاعة الفائقة» سنة 1424هـ/ 2004م. وحصل في السنة نفسها على جائزة «درع الشجاعة الفائقة» من منظمة «المؤتمر اليهودي الأمريكي» (مقرها نيويورك في أمريكا) على جهوده في محاربة الإرهاب والعمل للسلام.

وتجد ولي عهد ملك السعودية، محمد بن سلمان، ومن أجل كسب تزكية أمريكا وإسرائيل، والسماح له باعتلاء كرسي المُلك رسميًّا في السعودية، يُخرج للعلن ما كان يفعله ملوك السعودية في الخفاء منذ تأسيس الدولة السعودية الثالثة، ألا وهو تقديم الولاء لإسرائيل. فبعدما أرسل وليُّ العهد رئيسَ المخابرات السعودية السابق أنور عشقي لإسرائيل عام 1437هـ/ 2016م، زار محمد بن سلمان بنفسه إسرائيل سنة عام 1438هـ/ 2017م برفقة وفد أمريكي رفيع المستوى، يضم مسؤولين أمنيين وعسكريين كبارًا، ناهيك عن تحالفاته العسكرية والاستخباراتية العلنية مع إسرائيل.

وأقرَّ محمد مرسي باتفاقية كامب ديفيد، واعتمد سفيرًا لدى إسرائيل وابتعثه برسالة حميمية لشيمون بيريز، وشرع في هدم الأنفاق من الجانب المصري التي كانت تمد أهل غزة بما يحتاجونه للحياة أمام الحصار المُطبق عليهم.

نجحت العملية ومات المريض

فالجماعات الإسلامية، وخلافًا لسُنَّة الرسول الذي كان هدفه إيصال الإسلام للحكم، ووَضَعَ الإيمان بشرع الله وإقامته كله شرطًا إلزاميًّا وأساسيًّا لقبول تولي الحكم والرئاسة، جعلت (أي الجماعات الإسلامية) الوصول للحكم هو الغاية في حد ذاته، فتنازلت عن الإسلام، وتخلت حتى عن شعارات الإسلام (منها راية لا إله إلا الله محمد رسول الله)، وتتحرج في استعمال مصطلحات شرعية وفي تبني مشروع إسلامي، فغيرت أسماءها لكيلا تحمل ما يشير لأي مرجعية إسلامية، وصرَّحت وأقرَّت بأنها لا تريد تطبيق الشريعة، وأنها تقر بالعلمانية وبالدويلات الوطنية المدنية، وأنها ستحافظ على المعاهدات الدولية السالبة لسيادة المسلمين، ولا تنفك عن بعث رسائل طمأنة للغرب، وغير ذلك من التنازلات، مقابل أن يُسمح لها بدخول لعبة الديمقراطية، والحصول على مقاعد في البرلمانات العلمانية ومناصب وزارية أو رئاسية. ثم يخرج هؤلاء الإسلاميون ليفتخروا بنجاح العملية السياسية، نعم قطعًا نجحت العملية لكن مات الإسلام، نجحت على حساب التفريط في الإسلام.

فعند كثير من المشايخ والعلماء لم يصبح المهم أن يحكم الإسلام، ولكن أن يحكم من يُحسب على التيار الإسلامي، كمرسي وأردوغان، المهم أن تحكم جماعة الإخوان المسلمين، أو حزب العدالة والتنمية التركي.. إلخ، قضيتهم تحولت من قضية عقيدة وشريعة يجب أن تسود، إلى مجرد عملية تنافس مع الأنظمة الوظيفية العميلة على كراسي الحكم، فأصبحوا هم أنفسهم مجرد جماعات وظيفية للغرب، تتنافس لكسب الحظوة عنده وقبوله لهم بديلًا للحكام غير المنتمين للتيار الإسلامي. لسان حالهم يقول: دعنا نحن، يا الغرب، نحكم بالعلمانية، ولن نخيب آمالك.

فما الفائدة من وصول هكذا جماعات إسلامية و«إسلاميين» للحكم، إن كانوا لن يقيموا الإسلام، إن كانوا هم أنفسهم يقيمون العلمانية ويحافظون عليها، ويقرون بالقوانين الوضعية التي فرضها الغرب، ويحرصون على تطبيقها، ويحافظون على التبعية للغرب ويمتثلون لأوامره، ويبقون البلاد مرهونة للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي؟

بل الأخطر في هكذا جماعات إسلامية أنها تعطي شرعية وصبغة إسلامية لأنظمة حكم علمانية، تجعل المنكر معروفًا، والكفر إسلامًا والعَمالَة حكمة، وتفسد العقيدة الإسلامية لدى أجيال من المسلمين، فيصبحون يرون أنه من الإسلام الحكم بغير ما أنزل الله، وموالاة الدول المحاربة للمسلمين والخنوع لها، والسكوت عن منكرات الحكام، وعدم أمرهم بالمعروف، وأنه من الإسلام الاختيار بين شَرَّيْن بدلًا من قلع كليهما وإقامة الخير كله، ومن ثم اختيار الأفضل على الفاضل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد