المشايخ أبعد المسلمين عن الثبات على الحق وأسرعهم للتنازل عن الشريعة

في هذا الفصل الثاني من الجزء الثالث، سأسترسل في عرض نماذج من إعراض الجماعات والتيارات الإسلامية عن سُنَّة الهجرة النبوية.

خلافًا لسيرة الرسول تجد غالبية الجماعات الإسلامية اليوم والمشايخ هم أبعد المسلمين عن الثبات على الحق وأسرعهم للتنازل عن الشريعة.

من المفارقات العجيبة أن تجد جماعات إسلامية ومشايخ وعلماء هم أسرع المسلمين للتنازل عن الإسلام والشريعة وللخنوع للظلمة، هم أقل الناس ثباتا على الحق، يَتَلَوَّنُون كالحِرْباء، رغم أنهم أعلى الناس أصواتا في الاحتفال بالهجرة النبوية، وأحفظهم لكل مراحلها، ويتغنون في كل مناسبة بثبات الرسول وعدم تنازله عن أي شيء من الإسلام، فيذكرون مثلا أن قُرَيْشًا جاءت إِلَى أَبِي طَالِبٍ فَقَالَتْ: إِنَّ ابْنَ أَخِيكَ (يعني محمد) يُؤْذِينَا فِي نَادِينَا وَمَسْجِدِنَا فَانْهَهُ عَنْ إِيذَائِنَا. فدعا أبو طالب الرسول وقال له: يَا ابْنَ أَخِي إِنَّ بَنِي عَمِّكَ يَزْعُمُونَ أَنَّكَ تُؤْذِيهِمْ فِي نَادِيهِمْ وَمَسْجِدِهِمْ فَانْتَهِ عَنْ ذَلِكَ. فَحَلَّقَ الرسول بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ ورد قائلا: «هَلْ تَرَوْنَ هَذِهِ الشَّمْسَ؟ مَا أَنَا بِأَقْدَرَ أَنْ أَدَعَ ذَلِكَ مِنْكُمْ عَلَى أَنْ تَسْتَشْعِلُوا لِي مِنْهَا شُعْلَةً» (رواه البخاري في التاريخ، والبزار في مسنده، وصححه الألباني).

رغم أنهم (أي المشايخ والعلماء) ينقلون من سيرة ابن هشام الرواية المشهورة عن ثبات الرسول، حيث ابتعثت قريش أحد زعمائها، عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، ليفاوض الرسول ويعرض عليه عروضا مغرية مقابل التنازل عن شيء من الإسلام، فَجاء عُتْبَةُ الى الرسول وقال له: يَا ابْنَ أَخِي، إنَّكَ مِنَّا حَيْثُ قَدْ عَلِمْتَ مِنْ السِّطَةِ فِي الْعَشِيرَةِ وَالْمَكَانِ فِي النَّسَبِ، وَإِنَّكَ قَدْ أَتَيْتَ قَوْمَكَ بِأَمْرِ عَظِيمٍ فَرَّقْتَ بِهِ جَمَاعَتَهُمْ وَسَفَّهْتَ بِهِ أَحْلَامَهُمْ وَعِبْتَ بِهِ آلِهَتَهُمْ وَدِينَهُمْ وَكَفَّرْتَ بِهِ مَنْ مَضَى مِنْ آبَائِهِمْ، فَاسْمَعْ مِنِّي أَعْرِضْ عَلَيْكَ أُمُورًا تَنْظُرُ فِيهَا لَعَلَّكَ تَقْبَلُ مِنْهَا بَعْضَهَا. ثم قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي، إنْ كُنْتَ إنَّمَا تُرِيدُ بِمَا جِئْتَ بِهِ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ مَالًا جَمَعْنَا لَكَ مِنْ أَمْوَالِنَا حَتَّى تَكُونَ أَكْثَرَنَا مَالًا، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ بِهِ شَرَفًا سَوَّدْنَاكَ عَلَيْنَا حَتَّى لَا نَقْطَعَ أَمْرًا دُونَكَ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ بِهِ مُلْكًا مَلَّكْنَاكَ عَلَيْنَا. فلما انتهى عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَة من عرضه، رد عليه الرسول بتلاوة آيات من سورة فُصِّلَت: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ، فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُون فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ»، ثُمَّ مَضَى صلى الله عليه وسلم في قراءة سورة فصلت حتى انْتَهَى إلَى آية السَّجْدَةِ، فَسَجَدَ ثُمَّ قَالَ: «قَدْ سَمِعْتَ يَا أَبَا الْوَلِيدِ مَا سَمِعْتَ، فَأَنْتَ وَذَاكَ» (سيرة ابن هشام بتصرف).

رد الرسول على زعيم قريش بسورة فُصِّلت هو فصل جازم وقطعي بينه وبين ما يدعونه إليه من حطام الدنيا مقابل تنازله على شيء من الإسلام، سورة فُصِّلَت التي تعرض جوهر العقيدة الإسلامية (الحاكمية المطلقة لله وحده)، سورة فُصِّلَت التي تتوعد زعماء قريش وكل من كذَّب العقيدة الإسلامية في أي مكان وأي زمان، ورفض التحاكم لشريعة الله وحدها، تتوعدهم بعذاب مهين في الدنيا والآخرة.

الرسول قُدمت له عروض أفضل آلاف المرات من العروض التي قُدمت للجماعات الإسلامية اليوم، ومع ذلك رفضها صلى الله عليه وسلم كلها ما دامت تستوجب التنازل ولو عن جزء يسير من الإسلام. فقد رفض عرض قريش بأن تجعله ملكًا وتمنحه ما شاء من الأموال وأن تشركه في الحكم فلا تتخذ قرارًا إلا بالرجوع إليه.

ولما أَتَى الرسول قبيلة بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ ودَعَاهُمْ إِلَى الإسلام وَعَرَضَ عَلَيْهِمْ نَفْسَهُ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ: أَرَأَيْتَ إِنْ نَحْنُ تَابَعْنَاكَ عَلَى أَمْرِكَ، ثُمَّ أَظْهَرَكَ اللَّهُ عَلَى مَنْ يُخَالِفُكَ، أَيَكُونُ لَنَا الْأَمْرُ مِنْ بَعْدِكَ؟ قَالَ الرسول: «الْأَمْرُ لِلَّهِ، يَضَعُهُ حَيْثُ يَشَاءُ»، فَقَالَ لَهُ: أَفَنُهْدِفُ نُحُورَنَا لِلْعَرَبِ دُونَكَ، فَإِذَا أَظْهَرَكَ اللَّهُ كَانَ الْأَمْرُ لِغَيْرِنَا! لَا حَاجَةَ لَنَا بِأَمْرِكَ (البداية والنهاية لابن كثير). الرسول رفض نصرة بني عامر بن صعصعة فقط لشرطهم أن يكون الحاكم على البلاد منهم من بعد الرسول.

والرسول رفض نصرة قبيلة بني شيبان، كما سبق الذكر، لأنها لم تشأ فسخ تبعيتها لدولة الفرس.

أما الجماعات الإسلامية اليوم، فغالبها تنازل عن معظم الإسلام مقابل عروض جد هزيلة لا تساوي أي شيء أمام العروض التي قُدِّمت للرسول ورفضها.

فسيرة الرسول وهجرته لإقامة دولة الإسلام سطَّرت قاعدة إلزامية، وهي أن الإسلام هو الذي يَشتَرِط ولا يُشتَرَط عليه، فمن أراد نصرة الإسلام فعليه أن يقبل به كاملا ويحيطه من كل جوانبه.

خلافًا لسيرة الرسول الجماعات الإسلامية اليوم ترضى باعتلاء مناصب في الحكم دون أي سند عسكري موالٍ وحامٍ لها ومنفذ لمشروعها السياسي

الرسول، كما بيَّنْت في الجزأين الأولين، لم يقبل الهجرة للمدينة وتولي الحكم فيها إلا لما تأكد من القوة العسكرية الضاربة للأوس والخزرج (أهم قبائل المدينة) وأخذ البيعة منهم على أن يحموه ويدافعوا عنه بقوة السلاح ضد أي تمرد داخلي أو خارجي، ويحموه كما يحمون نسائهم وأطفالهم. ولما وصل الرسول الى المدينة، وكما روى البخاري في صحيحه عن عُرْوَة بْنُ الزُّبَيْر: سَمِعَ الْمُسْلِمُونَ بِالْمَدِينَةِ مَخْرَجَ رَسُولِ اللَّهِ مِنْ مَكَّةَ، فَكَانُوا يَغْدُونَ كُلَّ غَدَاةٍ إِلَى الْحَرَّة (أحد أحياء المدينة، سطحها مغطى بالصخور والحجارة البركانية السوداء التي تجعلها شديدة الحرارة في الصيف)، فَيَنْتَظِرُونَهُ حَتَّى يَرُدَّهُمْ حَرُّ الظَّهِيرَةِ. فَانْقَلَبُوا يَوْمًا بَعْدَ مَا أَطَالُوا انْتِظَارَهُمْ، فَلَمَّا أَوَوْا إِلَى بُيُوتِهِمْ أَوْفَى رَجُلٌ مِنْ يَهُودَ عَلَى أُطُمٍ (أي حصن) مِنْ آطَامِهِمْ لِأَمْرٍ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَبَصُرَ بِرَسُولِ اللَّهِ وَأَصْحَابِهِ مُبَيَّضِينَ يَزُولُ بِهِمْ السَّرَابُ فَلَمْ يَمْلِكْ الْيَهُودِيُّ أَنْ قَالَ بِأَعْلَى صَوْتِه:ِ يَا مَعَاشِرَ الْعَرَبِ هَذَا جَدُّكُمْ (أي حَظُّكُمْ وَصَاحِبُ دَوْلَتِكُم) الَّذِي تَنْتَظِرُونَ، فَثَارَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى السِّلَاحِ فَتَلَقَّوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِظَهْرِ الْحَرَّةِ، ….) (الحديث). فالشاهد هنا أن الأنصار في المدينة استقبلوا الرسول بجيش مسلح يحوط به ويحميه، فتم استقبال الرسول في المدينة كرئيس دولة بحماية وحراسة لا يستطيع أحد إيذاءه أو الاقتراب منه أو منافسته على الحكم، مع كثرة الأعداء والمنافقين في المدينة وعلى رأسهم اليهود وزعيمهم عبدالله ابن أُبَي بن سلول الذي كاد يصبح ملكا على المدينة لولا هجرة الرسول، ….. استُقبِل الرسول في المدينة في موكب عسكري مهيب كرئيس دولة مُمَكَّن مُطاع، ومنذ وصوله صلى الله عليه وسلم كان يتناوب على حراسته ليل نهار رجال مسلحون من المسلمين. وفي معركة أُحد الشرسة، لم يستطع الكفار قتل الرسول، إذ فداه الجنود من الصحابة بأرواحه وفشلت قريش في الوصول إليه.

ولننظر في المقابل لمحمد مرسي مثلا كيف تولى الرئاسة في مصر. فقد وصل لكرسي الرئاسة عن طريق الحصول على نسبةٍ أعلى على منافسيه في انتخابات شعبية، لكنها انتخابات تحت رعاية وشروط أمريكا وعميلها الجيش المصري، وتحت هيمنة وشروط نظام علماني موال للغرب ومُعادي للإسلام والمسلمين. ولم يكن لمرسي أي سند ودراع عسكري يحميه ويطيعه ويسهر على تنفيذ مشروعه السياسي (بغض النظر عن أنه لم يكن لمرسي وجماعته أي مشروع سياسي)، ويردع كل متمردين ضده من أفرع الجيش أو الأمن أو المخابرات في مصر. وبالتالي كان محمد مرسي مجرد رئيس صوري، لم يكن له سلطان قط لا على الجيش ولا الشرطة ولا المخابرات ناهيك عن الإعلام الذي يتبع دائما لأصحاب القوة والغَلبة، ولم يكن لمرسي سلطان حتى على الحرس الجمهوري الذي من المفترض أنه مطيع أمين لرئيس الدولة ويحميه بقوة السلاح، وبالتالي لم يكن له سلطان على مصر.

فمرسي والإخوان كانوا يعيشون لمدة سنة وَهْمًا وتمثيلية، تركتهم أمريكا والجيش المصري يتقمصون فيها أدوارَ الحكم دون أن يحكموا فعلا ودون أن يكون لهم سلطان، فما لبثوا أن استيقظوا في 25 شعبان 1434هـ / 3 يوليو 2013م من هذا الوهم والحلم والسُّبات العميق، أيقضهم منه وَقْعُ خطوات العسكر وأصوات جنازير مدرعاته وقعقعة الرشاشات والبنادق. فسيق الرئيس الواهم مرسي دون أدنى مقاومة للاعتقال. فالسلمية لا ولم ولن تكون أبدا أقوى من الرصاص، بل صاحب «الرصاص» هو الذي يحكم ويسود.

فالشعب الأعزل لا يشكل إلا دعمًا معنويًا للرئيس أو للحزب ولمشروعه السياسي، لكنه لا يعوض أبدًا الدعم المادي المسلح ولا يحل بدله أبدًا. فالدول لا تُقام والأنظمة لا تُزال وتُغير لمجرد هتافات الشعب وتصويته بالأغلبية عبر صناديق الاقتراع، حتى لو صوَّت تسعة وتسعون بالمائة من الشعب للرئيس، وخرجوا في مظاهرات مليونية وقاموا بعصيان مدني عام لأيام وأسابيع وأشهر بل ولسنوات. فالدول لا تُقام إلا بالمَنَعة، بالقوة المسلحة الضاربة.

وقد أفرد ابن خلدون في مقدمته فصولا عدة فَصَّل فيها كيف أن الرئاسة والمُلك لشخص لا تتحقق إلا بتوفره على أشياع (سماهم ابن خلدون العُصبة، والعصبية) ذوي مَنَعة (أي قوة مسلحة ضاربة) تتغَلَّب على من سواها من العصبيات في البلد، فقد قال مثلا ابن خلدون: [أن الدعوة الدينية من غير عصبية لا تتم وهذا لِمَا قدَّمناه من أن كل أمْرٍ تُحْمَل عليه الكافة فلا بد له من العَصبِيَّة، وفي الحديث الصحيح كما مرَّ: «ما بعث الله نبياً إلا في مَنَعة من قومه»، وإذا كان هذا في الأنبياء وهم أولى الناس بخرق العوائد، فما ظنك بغيرهم أن لا تَخْرُقَ له العادَة في الغَلْبِ بغير عصَبِيَّة]. وفي موضع آخر قال ابن خلدون: [أن الرئاسة لا تكون إلا بالغَلْبِ، والغَلْبُ إنما يكون بالعَصَبية كما قدمناه. فلا بد في الرئاسة على القوم أن تكون من عصبية غالبة لعصبياتهم واحدة واحدة، لأن كل عصبية منهم إذا أحست بغَلْبِ عصبية الرئيس لهم أقروا بالإذعان والاتِّباع].

وأقتبس أيضا من قول ابن خلدون: [المُغالبة والمُمانعة إنما تكون بالعصبية لما فيها من النُّعرة والتَّذَامُر (أي حَضّ بعضُهم بعضًا عَلَى القتال) واستماتة كل واحد منهم دون صاحبه. ثم إن المُلْك منصب شريف ملذوذ يشتمل على جميع الخيرات الدنيوية والشهوات البدنية والملاذ النفسانية، فيقع فيه التنافس غالباً، وقَلَّ أن يُسَلِّمَه أحدٌ لصاحبه إلا إذا غَلَبَ عليه، فتقع المُنازعة وتُفْضي إلى الحرب والقتال والمُغَالبة، وشيء منها لا يقع إلا بالعصبية كما ذكرناه آنفًا. وهذا الأمر بعيد عن أفهام الجمهور بالجملة ومتناسون له لأنهم نسوا عهد تمهيد الدولة منذ أولها].

فمن يريد من المسلمين اعتلاء الحكم كحاكم فعلي وليس صوريًا، حاكم ذي قرار ذاتي مبدئي يريد إقامة الإسلام، فلا بد له من قوة عسكرية مؤمنة بالله ومخلصة للحاكم وموالية له وليس لها أي تبعية لأي دولة غربية، قوة عسكرية تطيعه وتدعمه وتحميه وتزيل النظام الوظيفي الذي نصّبه الغرب. هذا ما تُعَلِّمه لنا الهجرة النبوية، فالحق يحتاج لقوة تنصره.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد