إن منهج الإسلام، منذ أن أرسل الله نوحًا أول رسول إلى البشرية، وإلى خاتمهم محمد، صلوات الله عليهم جميعًا، لم يول أهمية كبيرة، لتاريخ مولدهم، ولم يذكر في كتابه الكريم، ولا على لسان رسوله، صلى الله عليه وسلم، تاريخًا محددًا لمولدهم!

لماذا لم يذكر الله تعالى تاريخ ميلاد الرسل في جميع كتبه؟

ولم يعرهم أي اهتمام على الإطلاق، بما فيهم سيد البشرية محمد صلى الله عليه وسلم، لأن البشرية لن تستفيد شيئًا البتة من معرفة تاريخ ميلاد نوح، أو إبراهيم، أو محمد عليهم السلام، ولو كان الله يعلم، أن ثمة فائدة من معرفة ميلاد الأنبياء لذكرها!

ولكنه سبحانه وتعالى، تركها مجهولة! لكيلا يتعلق الناس بتاريخ مولدهم، وبأشخاصهم، وينسوا الهدف الرئيسي من مولدهم، والرسالة التي وُلدوا لأجلها.

تسليط الأضواء على طبيعة الدعوة، وليس تاريخ مولد الرسل.

لذلك أولى الله تعالى كل الاهتمام، وسلط كل الأضواء، على طبيعة الدعوة، التي بلَّغها كل رسول لقومه، كما سلط الأضواء وبتركيز شديد، على الصفات العليا، والسجايا العالية، والأخلاق الرفيعة، الفريدة التي جُبلوا عليها، وعلى مقدار العذاب الشديد، الذي تلقاه كل رسول من قومه، والتكذيب، والمعاناة القاسية، التي تحملوها، والصبر المر المرير، الذي طالبهم الله، أن يروضوا أنفسهم على تحمل مشقته «وَٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَٱهۡجُرۡهُمۡ هَجۡرٗا جَمِيلٗا» {1}.

«وَٱصۡبِرۡ وَمَا صَبۡرُكَ إِلَّا بِٱللَّهِۚ وَلَا تَحۡزَنۡ عَلَيۡهِمۡ وَلَا تَكُ فِي ضَيۡقٖ مِّمَّا يَمۡكُرُونَ»{2}.

لكي يقتدي بها أتباعهم، وحواريوهم، وأنصارهم، وتكون لهم زادًا على تحمل مشاق الطريق، ويكون الأنبياء أسوة حسنة لهم، وعزاءً، وسلواناً لآلامهم، إذا ما عذبوا، وأوذوا، فلا يحزنون، ويثبتون على الطريق الطويل، الشائك.

الهدف الرئيسي للرسل

كما بيَّن الله، عز وجل، أن الهدف الأساسي والرئيسي للرسل عليهم السلام، هو: دعوة الناس إلى توحيد الله، وعبادته وحده لا شريك له. ونبذ عبادة الأصنام، والآلهة الأخرى، التي حرضهم الشيطان اللعين على عبادتها، وزين لهم عبادتها، وخدعهم بأن الغاية من عبادتها هو: التقرب بها إلى الله زلفى «وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءَ مَا نَعۡبُدُهُمۡ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلۡفَىٰٓ»{3}.

واستعراض بسيط جدًّا لأقوال كل رسول في القرآن الكريم، تجد أن كلهم على الإطلاق، كانوا يقولون لقومهم جملة واحدة، لا ثانيَ لها «يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓ»{4}.

بعد هذه المقدمة التوضيحية، التفسيرية الرائعة، والتي تؤكد، وتثبت بشكل يقيني، وقطعي، أن الغاية من هذا الوجود الإنسي والجني، هي: عبادة الله وحده كما أمر، وبالطريقة التي أمر بها، فلا يحق لأي مخلوق، نبي، أو مَلَكٍ أن يعبد غير الله، وبطريقة مغايرة للطريقة التي أمر بها الله، كما لا يحق لأي واحد منهم، أن يدعو إلى عبادة نفسه، أو أن يزعم أنه إله من دون الله «وَمَن يَقُلۡ مِنۡهُمۡ إِنِّيٓ إِلَٰه مِّن دُونِهِۦ فَذَٰلِكَ نَجۡزِيهِ جَهَنَّمَۚ كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلظَّٰلِمِينَ»{5}.

وظيفة الرسل

كما أنها تؤكد، وتثبت بشكل يقيني، وقطعي، أن الرسل هم عبارة عن وسطاء، مكرمين، بين الله تعالى، وبين الناس، اختارهم الله تعالى، وصنعهم على عينه، ووهبهم قدرات خارقة، واستثنائية، لتبليغ رسالة الله تعالى، والانشغال بها، والتفرغ لعبادة الله وحده، كما قال: «وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ»{6}.

وليس للانشغال، والاحتفال، بيوم ميلادهم! فيوم ميلادهم، ليس له أي اعتبار، ولا قيمة عند الله تعالى، ومعرفة هذا اليوم، لن يزيد المؤمنين إيمانًا، كما أن جهالته لن ينقص إيمان المؤمنين ولا مثقال حبة من خردل.

سؤال للمسلمين في غاية الأهمية

نصل بعد هذه المقدمة، وهذا التوضيح التفصيلي، إلى تساؤل مهم ومهم جدًّا يتعلق بالعقيدة، نطرحه على كل مسلم ومؤمن، من أنبأكم بأن الرسول، صلى الله عليه وسلم، قد وُلد في 12 ربيع الأول؟ هل أرسل لكم العليم الخبير، وحيًّا من السماء، يخبركم بيوم ولادته؟ هل كنتم شهداء على يوم ولادته؟ هل كنتم حاضرين يوم ولادته؟ أم أنكم ترددون ما قاله آباؤكم الأقدمون: «قَالُوا۟ بَلۡ وَجَدۡنَاۤ ءَابَاۤءَنَا كَذَ ٰ⁠لِكَ یَفۡعَلُون» {7}. «إِنَّا وَجَدۡنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰٓ أُمَّةٖ وَإِنَّا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم مُّقۡتَدُونَ»{8}. أم أنكم تفترون على الله، وعلى رسوله الكذب؟ وتزعمون زورًا وبهتانًا، أنه وُلد، صلى الله عليه وسلم، في 12 ربيع الأول؟!

علماً بأنه لا يوجد أحد في البشرية جمعاء، منذ آدم وإلى هذا اليوم، يعلم علم اليقين تاريخ مولده، إلا الله تعالى وحده فقط، وحتى رسوله، صلى الله عليه وسلم، لا يعلم إلا أنه ولد يوم الاثنين فقط، بدون تحديد التاريخ!

بداية ابتداع احتفالات المولد النبوي

ولكن حينما جاء ذلك الرجل الخبيث، العبيدي، الحاقد على الإسلام، وعلى نبي الله محمد، صلى الله عليه وسلم، وهو عدو لله ورسوله والمؤمنين، والذي أطلق على نفسه لقب «المعز لدين الله»، ليغطي بهذا الاسم الكبير، البراق، اللامع على جرائمه في حق المسلمين، وما اسمه الحقيقي الفعلي إلا المذل، والمدمر، والمهدم لدين الله!

واستولى على الحكم في مصر 362 هجريًّا، وحتى يثبت أركان حكمه، ويوطد دعائمه، عند عامة المسلمين التي كانت رافضة له، وحانقة عليه، فابتدع أعيادًا كثيرة، ستة أعياد، منها عيد المولد النبوي، ليضحك عليهم، ويستغل محبتهم لرسولهم، صلى الله عليه وسلم، فأشغلهم الخبيث، الزنيم، بأعياد وهمية، لا أصل لها في الدين.

ومن شدة حقده على الرسول، صلى الله عليه وسلم، وكراهيته له، وغيظه منه، اختار يوم وفاته المأساوي، ليعلن للمسلمين الجهلة، المغفلين أنه يوم ميلاده!

وتوارث المسلمون الجهلة، حتى بما فيهم أدعياء العلم، والمتفيهقون، الذين تأثروا، وتشبعت أفكارهم، وعقولهم بأكذوبة المولد النبوي، الموافق يوم وفاته، صلى الله عليه وسلم، ليمارسوا طقوسًا جاهليةً، فيها شماتة واضحة بموت الرسول صلى الله عليه وسلم، وإساءة له، بإظهار الفرح، والسرور، والحبور، يوم موته، ليتشفوا بموته.

توارث الحكام بدعة الاحتفال بالمولد النبوي

كما توارث الحكام الفجرة، الفسقة، إحياء هذه البدع الذميمة، وإغلاق الدوائر الرسمية، وتعطيل مصالح الناس في هذا اليوم الوهمي المكذوب، للضحك عليهم، واستغلال سذاجتهم، بإظهار حبهم له، في الوقت الذي يهجرون سنته، وينبذون شرع الله الذي جاء به، ويحكمون شرع الشيطان العلماني.

وبهذا الشكل استطاع القرامطة، والعبيديون، والشيعة الرافضة، أن يخدعوا المسلمين، ويصطنعوا لهم عيدًا وهميًّا عن المولد النبوي، كما استطاع اليهود، والوثنيون أن يصطنعوا للنصارى، عيدًا وهميًّا، عن ميلاد المسيح، عليه السلام، في 25 ديسمبر (كانون الأول).

وكل هذا كذب وافتراء على الله، فلا الرسول، صلى الله عليه وسلم، وُلد في 12 ربيع الأول، ولا المسيح عليه السلام، وُلد في 25 كانون الأول.

وكل المؤرخين، وكل الصحابة، وكل علماء الأمة، مجمعون، ومتفقون على أنه توفي يوم الاثنين 12 ربيع أول 11 للهجرة. فيكون الاحتفال في هذا اليوم الحزين، هو احتفال بموته، صلى الله عليه وسلم، وليس ولادته!

الاحتفال بالمولد النبوي هو عبادة وثنية

وكل من يحتفل في هذا اليوم، فإنما يمارس عبادة وثنية، لا أصل لها في دين الله، لأنها عبادة لم يشرعها الله تعالى، وكل من يمارس عبادة لم يشرعها الله، فهو يمارس عبادة وثنية!

وعلماء السوء، والجهالة، يكذبون على الله وعلى رسوله، ويضحكون على عوام الناس الجهلة، فيبررون احتفالهم بأنه بدعة حسنة، ولا يوجد في دين الله بدعة حسنة، وإنما هي بدعة ضلالة مرفوضة مردودة كما روى ابن عمر في الحديث الصحيح «كلُ بدعةٍ ضلالةٌ وإن رآها الناسُ حسنة»{9}

وفي حديث صحيح آخر «وإياكم ومحدثاتِ الأمورِ فإنَّ كلَّ بدعةٍ ضلالةٌ. وفي رواية : إياكم ومحدثاتِ الأمورِ فإن كلَّ محدثةٍ بدعةٌ وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ» المحدث الشوكاني{9}.

وظلت هذه الموالد عند بني عبيد، في مصر، وبعض بلدان الشام أثناء حكمهم لها، إلى أن انتهت دولتهم، في سنة 567 هجرية، وجاء من بعدها شيخ صوفي يدعى الملا عمر، وأقنع بها ملك إربل في العراق أبا سعيد كوكبري. ثم انتشرت بعد ذلك في سائر بلدان المسلمين، بسبب الجهل والتقليد الأعمى، حتى وصلت إلى ما تشاهدونه في العصر الحاضر.

وكان يحضر عنده في المولد، أعيان العلماء، والصوفية، فيخلع عليهم، ويطلق لهم، ويعمل للصوفية سماعًا من الظهر إلى الفجر، ويرقص بنفسه معهم، وكانت له دار ضيافة للوافدين من أي جهة على أي صفة{10}.

الاحتفال بعيد الميلاد هو عقيدة وثنية

أما أصل الاحتفال بعيد الميلاد، فهو عقيدة وثنية قديمة، وطقس من طقوس الديانات الوثنية، حيث كان الإله الوثني الروماني (أتيس) Attis مقدسًا عندهم، وزعموا أنه ولد من عذراء (نانا) Nana وكان الرومان يحتفلون بميلاده في 25 ديسمبر!

وكذلك الإله الوثني اليوناني (ديونيسس) Dionysus وهو إله مخلص آخر، كان اليونانيون يحتفلون بميلاده في 25 ديسمبر{11}.

ماذا تقول دائرة المعارف الكاثوليكية؟

تقول دائرة المعارف الكاثوليكية: لم يكن عيد الميلاد بين الأعياد الأولى للكنيسة! والدليل الأول، يرجع إِلى مصر. وتاريخ 25 كانون الأول يرجع إِلى الاحتفال بمولد زحل، وكان الرومان يحتفلون في عيد مولد الشمس! واختارت الكنيسة هذا العيد، لأن شعب رومية احتفل فيه، ولأول مرة احتفلت الكنيسة الكاثوليكية في سنة 354 بعد الميلاد.

وبما أِن عيد الميلاد وثني إِذن غالبية الممارسات أَيضًا هي وثنية. وتخبرنا أيضًا دائرة المعارف الدينية والأدبية أن كل الممارسات التي تجري في العيد ليست عادات مسيحية أَصيلة، ولكنها عادات وثنية، وهي ليست بتاتًا مدونة في الكتاب المقدس{12}.

ولا يوجد – أي عيد الميلاد – لا المسيح ولا الحواريون ولا نص من الكتاب المقدس، بل أخذ – فيما بعد – عن الوثنية.

لقد كان المصريون القدماء، يؤمنون يومًا بأن ابن إيزيس – وهو الاسم المصري لملكة السماء – ولد في الخامس والعشرين من ديسمبر.

وكان الوثنيون، يحتفلون بهذا العيد المشهور، في معظم أنحاء العالم المعروف على مدى قرون عديدة، قبل ولادة المسيح. لذا فإن الخامس والعشرين من ديسمبر، ليس هو يوم مولد يسوع المسيح الحقيقي {13}.

النتيجة الساطعة

وعلى النسق نفسه، الذي يحتفل به النصارى، بمولد المسيح المجهول الهوية والتاريخ، فالاحتفال بالمولد النبوي، الذي يمارسه جهلة المسلمين وعوامهم، هو عبادة وثنية، لم يأمر بها الله، ولا رسوله، صلى الله عليه وسلم، وإنما، أمر به العبيد الجهلاء، وعلماء الجهالة والسوء، ليضلوا المسلمين عن دين الله، ويلبسوا عليهم إسلامهم، وهو بدعة ضالة، منكرة، وعلى كل مسلم عاقل، أن يستنكره، ويرفضه، ولو استحسنه شيخ الإسلام!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد