مولد يا مولد، بأي حال عدتَ يا مولد! يبدو أن الاحتفالات الجوفاء منعدمة المسوغات هي الخيط الوحيد الذي لا زال يشدنا إلى حظيرة الوجود التاريخي في بعده المجموعي والفردي، ولم يبق يفصلنا على الخروج من التاريخ، سوى انقطاع هذا الخيط وانفراط هذه العقدة.

ونعم، فنحن اليوم نتقوقع على هامش المسار العالمي الإنساني، نرد الفعل ولا نفعل. وشتان بينهما، نستقبل الطوارئ، ولا نأخذ بزمام المبادرة فضلًا عن استشراف الآتي بشتى مناحيه المختلفة، نستهلك ولا ننتج، نحاكي ولا نبدع، نتبع ولا نبتدع، تتقاذفنا الرياح شمالا وجنوبا، تعوزنا خارطة طريق تحدد وجهتنا، بل نفتقد لاصطرلاب كنا قد اخترعناه ذات يوم، يحدد تموقعنا، وحجم المسافات التي تفصلنا عن الآخر. نحن لم نتعرف علينا، نحيا أزمة هوية (جماعية) كما قال موسى وهبة في جرثومة التخلف. فالوضع الذي إلنا إليه من سيادة منطق الطائفية في المناطق الساخنة (الشرق الأوسط) وبزوغ أصوات تعاني من متلازمة أستوكهولم تحن إلى الديكتاتورية في المناطق شبه المدارية بالمعنى السياسي (المغرب الأقصى والأدنى).

لا أعرف متى يثوب إلينا رشدنا فنوقفَ قاطرة الاستنزاف والإفناء الداخلي من أجل تحسس الطريق ومراجعة ما كنا نعتبره ثوابت وتقييم الأسس ورسم الأهداف وإرساء آليات التفعيل. فإذا لم يحتم هذا الوضع الذي تغافل عن إطلاق صافرات الإنذار وصيحات الفزع نتيجة إيمانه المفرط بالمقولات الصراطية القائمة على الحق والحقيقة. فماذا يستلزم الأمر حتى نفعل؟

أن يواصل العرب المسلمون انتهاج سياسة النعامة القائمة على الهروب إلى الأمام أمر يخلو من كل غرابة، أما الغريب فعلا فهو أن يتعاطوا مع وضعهم المأسوي ببهجة وغِبطة تؤشر على ازدهار بيئة سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية نُحسد عليها، لكن ليتَ شعري، فهذه الأهازيج المتعالية من مرقد سليمان وجامع الأمويين ومسجد عقبة والأزهر لا تعبّر في إلا عن انتظار لخراب مالطا.
قد يثرّب مثرِّب على هذا النفس القاتم الذي يكتنف هذه الكلمات، وهو مُحق في ذلك إلى حد بعيد باعتبار أن حدوس التفاؤل والتشاؤم تقوم في قدْر كبير منها على انطباعات ذاتية صرفة تتعلق بطبع صاحبها وإن تأزّرت بإزار من الأسس الموضوعية، غير أنه علينا الاعتراف بالموقع الحضيضي الذي نتردى فيه كما كان يقول دوستويفسكي حتى نعلم أننا استوفينا دركات التقوقع ومن ثمة نقرر ماذا نحن فاعلون.

أريد أن أعرف بماذا نحتفل بالضبط؟ بماذا؟ بمولِد لا زال يشكل في حكمه الشرعي نقطة عداء شرس بين طوائف مسلمة جعلت من المسألة أسا من أسس العقيدة وعمادا من أعمدة الدين؟ أم باستئسادنا، نحن معاشر المسلمين بعضنا على بعض كما حدث في حرب الخليج الثانية، وكما يحدث في أزمة الخليج، أم بنبذنا لكتاب الله وراء ظهورنا، أم بإهمالنا روح التطبيق النبوي وجوهره مقابل تشبثنا بهوامشه وأعراضه؟ أم بشعب يمني جار سحقه وإفناؤه من الوجود؟ أم برعاية سعودية تئن تحت وطأة تهارش الديكة في أعلى السدة؟ أم بشعب سوري كابد تقتيل الأولاد وتذبيح النساء لسبع سنوات من الويلات؟ أم بشعب مصري دفع ثمن مطالبته بالتغيير وتشبثه بالمبادئ الدستورية؟ أم بتذيل دولنا (الإسلامية) أنظمة ومؤسسات وشعوبا لشتى قوائم المنجزات الحضارية الإنسانية؟ أم بتصدرها لشتى قوائم الرذائل (القذارية). أم أم أم…

ثم كيف نحتفل؟ من خلال كليشيهات مقيتة تتصدر أفواه وعاظ أبوا إلا تطليق ما يجدّ في الواقع من تبدّل يطال شتى أوجه الحياة بما يستدعي تطوير أسلوب الخِطاب كما قاعدته على النحو الذي يتلاءم والمستجدات، فالنوائب تدور والأيام تتداول والعالم يشهد تسارعا جنونيا وتطورا لم يسبق له مثيل، كل ذلك وسط ثبات فج لسرديات أصحاب العمائم (مولده صلى الله عليه وسلم مختونا، وشق الصدر وأسوار سراقة بن مالك)، فقد صار نبي اللامعجزة، كما يؤكد على ذلك القرآن في غيرما موضع (الأنعام 35، 37، الأعراف 203 يونس 20، هود 12، الرعد 7، 27، طه 133، العنكبوت 50). وهو ما تقتضيه ضرورة الختم النبوي الملازمة للّلحظة الأرقى من مستوى الوعي الإنساني: ختم النبوة مصدق الجليدي صار نبيّ الثلاثة آلاف معجزة … (طرابيشي، المعجزة أو سبات العقل).

في الحقيقة ما يجب علينا فعله أدنى إلى الوقفة التأملية الشاملة منه إلى الاحتفال، ولينتف الحرج في الإقرار بمثالبنا كما فعل ذلك الصيني غوان موييه الذي وصف شعبه بأبشع الأوصاف، لا شتما له، وتعاليا عليه، وإنما ترجمة لإرادة إصلاحية في حدود المستطاع.

غير أن الأمر أكثر تعقيدا؛ فليته توقف على عوامله الداخلية فحسب، من تشرذم ملتحف بأسماء تيارات إيديولوجية عفا عليها الزمن، وغياب التفاف حول القضايا المشتركة، والهوة الساحقة التي تفصل القادة بالقواعد والنخب بعموم الشعب. فقد سرعت هذه الأعراض باتساع بآبئ القوى الاستعمارية حولنا بعد أن أغريناهم بوهننا، ورأو فينا لقمة سائغة. فتشخيص وضعنا الراهن يمكن رده إلى عاملين رئيسين أولهما داخلي وثانيهما خارجي؛ ألا وهما الاستحمار (بلغة علي شريعتي) والاستعمار. غير أنهما مترابطين برباط السبب والنتيجة بما أنه ما كان للإمبريالي التفكير في الانقضاض على فريسته، لولا قابلية هذه الأخيرة لذلك، وهو ما انتبه إليه مالك بن نبي بتأصيله للقابلية وصكه لمفهوم القابلية للاستعمار (la colonisabilité).

فهذه العلاقة الواشجة بين علتي رزوحنا في السافلين من شأنها أن توحيَ إلى نظام الأولويات الذي ينبغي أن يسم تعاملنا مع معضلتنا، والذي يجب أن يقوم على تصفية العامل الداخلي أولا من خلال الارتداد المسحي على خلفياتنا الثقافية ومراجعتها باعتبارها أساس كل تغيير واقعي بما يجعلنا قادرين على الانضواء تحت لواء الصالح المشترك والعام الذي يبتلع كل الميكرو-اختلافات. فإذا ما تحققت الوحدة يمكن لطريق القوة أن تتضح معالمه، ومن ثمة اكتساب الوزن على الساحة بما يجعل بؤبؤ العين الإمبريالية حذرا في اتساعه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد