ماذا لو كانت باريس هي من تحترق بنيران القصف الروسي وليس إدلب؟ ماذا لو كانت نيويورك هي من تتعرض للحصار والتجويع بدلًا من غزة؟ ماذا لو كانت بروكسل ترزح تحت وطأة هجوم الانقلابيين بدلًا من طرابلس؟ ماذا لو كانت مدريد محتلة من قبل ميليشيا مسلحة بدلًا عن صنعاء؟ ماذا لو كان ملايين القتلى والجرحى والمشردين ينتمون إلى الجغرافيا الأوروبية أو الأمريكية؟ هل سيطيب لهم أن يتناسوا هول مأساتهم ويحتفون برأس السنة الهجرية أو عيد الأضحى المبارك؟ هذا ضرب من الجنون، إنهم لن يحتفلوا برأس السنة الميلادية فما بالك بالهجرية، ولكن نحن المسلمون نفعل ذلك!

نموت كل يوم ونحن نودع الجنائز، نتفحص وجوه الشهداء الأحياء قبل أن تتطمر تحت التراب، ونعاني صراعات أهلكت الحرث والنسل، فإذا جاءت رأس السنة الميلادية أو أي عيد غربي، نحتفل كما لم نحتفل من قبل وحولنا مقابر جماعية، وجوارنا أهل شهيد ينتظرون منا احترام مشاعرهم، فلا نجازيهم إلا بالرقص والصفير على وقع موسيقى صاخبة كأنها صوت شيطان يحتفي بغواية أمة ضلت الطريق، ولم يبق لها من الإسلام إلا الاسم، ولم يبق لها من العروبة إلا الهوية.

مدننا لم تعد تتسع لاحتفالات مناسباتنا الدينية، فكيف تتسع لسواها؟ في كل شارع شهيد، وفي كل حي شهيد، وفي كل روح حية مشروع شهيد!

نحن رأس السنة ونهايتها، نحن القصة التي سطرت أحرفها بالدماء ولم ينته الراوي من حكايتها، نحن الميلاد الذي طال انتظاره فتصدت له دبابة الجيش العربي في دمشق، والقاهرة، وبنغازي، وتعز، نحن الذين ضاقت بنا أوطاننا واتسعت لنا المقابر، نحن الذين كسرنا جدار الخوف فهدموه أحجارًا فوق رؤوسنا، نحن الذين نطأطئ رؤوسنا عند دفن شهدائنا ونرفعها عاليًا أمام كل طاغية، ألا نستحق اهتمامًا كربع الاهتمام الذي يصرف للتوافه؟!

في ليلة رأس السنة، زينت الألعاب النارية سماء الرياض ودبي والمنامة، بينما غطت القذائف الصاروخية سماء إدلب وأصوات دوي المدافع في محيط طرابلس. وبينما كان الأطفال يحتفون بقدوم العام الجديد في مدن أوروبا والأمريكتين، كان الأطفال يلتحفون الشتاء في مخيمات مهترئة في سوريا واليمن لا تعرف البسمة إلى أفواههم سبيلًا. وبينما كانت ليالي البهرجة والطرب تصخب في بلاد الحرمين كانت ليالي البؤس تنخر في زنازينها وقد ضمّت العلماء والمفكرين وأحرار القلم. إنهم يقولون لنا بفخر: إن الأمة انفتحت على الثقافة الغربية بعد عقود من الانغلاق ولحقت بركاب العصر، ونحن نقول لهم بكل أسى: إن الأمة ضلت طريقها ولحقت بركاب التبعية والذوبان الثقافي.

وبينما تحتضر آلاف الأنفس في سوريا، واليمن، وليبيا، وفلسطين، تحتضر الضمائر في أبوظبي، والرياض، والقاهرة، ولم يعد من مشترك بين الحالين إلا مراسم الدفن؛ دفن الروح ودفن الضمير.

لم يصل الدم العربي من الرخص، كما وصل إليه في عصرنا الحاضر، قصفت إدلب بكل أنواع الأسلحة، وهجّر من ريفها ربع مليون إنسان، فإذا بنا نفاجأ بإدانة سعودية رسمية لحادثة اقتحام السفارة الأمريكية في بغداد، هذا مثال تكرر كثيرًا عند من لا يضعون أي اعتبار للدم المسلم، ويقدسون السفارات الغربية إذا طالها البصاق!

لو كان الكذب يجدي نفعًا مع أنظمة العار العربية ومن سار في ركبها، لكذبنا عليهم وأخبرناهم أن إدلب هي باريس، وطرابلس هي بروكسل، وصنعاء هي مدريد، لعل ضمائرهم المرهفة تستيقظ لتتضامن مع هذه المدن، وتعلن الحداد وتلغي حفلات الطرب وعروض والليالي المتلفعة بالضياع.

لقد تحولت الأعوام إلى مواسم جديدة لنبش المآسي وهي تستطيل في زمن غريب، ومواسم للاحتفاء والرقص على الأشلاء المبعثرة في كل شبر من بلاد العرب؛ البلاد التي ولدتنا مرة وقتلتنا أنظمتها مليون مرة!

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد