نجد في القرآن الكريم تَقبُّلًا لكلِّ الرسالات السماوية التي ظَهرت قبل الإسلام، بكونِّها رسالات مُنَزَّلة مِن الله جَلّ علاه على الأقوام المُختلفة في البُلدان المُختلفة، ففي سورةِ (غافر)، الآية 40، يقول تعالى موجِّهًا حديثه إلى رسوله مُحمَّد صلى الله عليه وسلم: «وَلَقَدْ أرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُوْلٍ أنْ يَأتِي إلَّا بِإِذْنِ الله». وبهذا فإنَّ الإسلام قَد تَبَنَّى كل الرسالات السماوية التي تَدْعو إلى عبادة إله واحد، كاليهودية والمَسيحية، وغيرها مِن الرسالات التي لم يقصصها الله علينا. وهذا يسمح لنا -بحريةٍ شديدة- بعملية البحث المُتقَصِّي عَن الرسالات السماوية، أو الرسل، سواء نزلوا على قوم أو بلد أو قبيلة، وغيرهم.

ووفقًا لنظريات الخلق البشريّ المُتعددة، نجد أنَّ معظم النظريات تتفق على أنَّ (آدم) هو البشريّ الأول الذي خُلِق وفقًا لإرادة الله، و(المندائيون) بصفتهم على مِلَّةِ آدم، فتُعتَبر رسالتهم هي أول رسالة دعت إلى التوحيد الذي نعرفه في الإسلام، والمسيحية، واليهودية، وغيرها مِن الديانات، توحيدٌ يُعتقد فيه بخالقٍ واحد أزليّ، لا تناله الحواس ولا يفضي إليه مخلوق.

يقول «المندائيون» أو «الصابئة» إنَّهم على مِلَّة آدم، ونبيَّهم المُرسَل هو «يحيى بن زكريا» كما في الإسلام، أو «يوحَنَّا المعمدان» كما في المسيحية. وهم جماعة مُختلف على أصلهم، يقول البعض إنَّهم مِن فلسطين، ويقول البعض الآخر إنَّهم مِن بلادِ الرافدين، وما فصل بين الرأيين هو أنَّ نصوصهم المُقَدَّسة تحتوي على الكثير مِن الكلمات التي تُشير إلى وطنها الأول، مِثل: أورشليم، سيناء، بحر سوف -البحر الأحمر-.. إلخ، إذن فموطنهم الأصلي هو فلسطين، ويعبدون إلهًا واحدًا لا يصل إلى قدرته أحد.

تزامن ظهور «المندائية» مع اليهودية مِمَّا أدَّى إلى حقدٍ دفين زُرِع داخل كل طَرف مِن الأطراف، فاليهودية لا تقبل أي رسالة غير رسالتها، وذلك الاختلاط الزَمنيّ والمكانيّ أدَّى إلى تأثير واضح مِن كل طرف في الآخر، فهناك الكثير مِن الأمور المُتشابهة بين الرسالتين سواء في المُعتقد أو الممارسات التعبديَّة. كان اليهود أكثر بأسًا مِن المندائيين، لذلك طاردوهم، وضَيَّقوا عَليهم الخناق في فلسطين فهجروها إلى بلادِ الرافديين، ومِن المفارقات الجديرة بالذِّكر أنَّه في يَوم عاشوراء مِن كلِّ عام، يُقيم المندائيون وليمة طَقسية على أرواح المصريين الذين غرقوا في البحر الأحمر أثناء مُطاردتهم لليهود، حيث انشَقَّ البحر وعَبر اليهود، وغرق المصريون فيه. وفي نفس اليوم مِن كلِّ عام، يحتفل اليهود بهذا الخروج العظيم، ويحتفل المسلمون أيضًا بهذه المُعجزة المذكورة في القرآن الكريم!

فلَمَّا عَبَر موسى البحر الأحمر، عبر معه أتباعه مِن بني إسرائيل، ونجوا مِن بطشِ المصريين، أمَّا بالنسبةِ للمندائيين فكان هذا الخروج خسارة لهم.

وفي مدينة «حَرَّان» التركيَّة، اختلطت المندائية بالمسيحية، فتوَلَّدت تأثيرات مُتبَادلة في مجالاتٍ عِدَّة، ويترَكَّز الخلاف فيما بينهم في نقطةٍ رئيسية، هي أنَّ المندائيين يرفضون مِن الأساس رسالة السَيِّد المسيح، ويقولون إنَّه اقتبس مِن تراثهم الديني كل تلك الأشياء التي أتى بها، فعِند المندائيين كان هناك راعيًا وطبيبًا يُدعى «أنوش»، وكان يَشفي المرضى بلا أجر، فيُزيل العمى، والصم، والبكم، والبَرَص، كما أنَّه كان يُحيي المَوتى، وهي أعمال قام بِها السَيِّد المَسيح أيضًا، وكذلك قام «منداد هيي» بطلب العمادة مِن يوحَنَّا المعمدان كالمسيح؛ ولذلك لا نستغرب التشابه الكبير بين العبادة المسيحية والمندائيِّة، فالعمادة عِندهم بديل عَن التضحية بالدَّم، ولايزال في الديانتين إلى الآن: التطهير الجسدي والروحي.

ويأتي في «الكِنزا رَبَّا» أي «الكنز العظيم» وهو الكتاب المُقَدَّس للمندائيين، في نصوص حران كويثا 1:

«جاء في رحم ماري ابنة موسى، لقد كان مختفيًا في رحمها لمدة تسعة أشهر، وكانت تحتفظ بسرها، إلى أن تمت الأشهر التسع، وجاءها المخاض، فولدت مسيحًا، دعا الناس إلى نفسه، وتكلَّم عن موته، واستلب بعض أسرار الوجبة الطقسية، وامتنع عن تناول الطعام المقدّس، واتخذ لنفسه قومًا، ودعي باسم المسيح»، إذن فإنَّ المندائيين يؤكِّدون ظهور المَسيح، لكِنَّهم يَنْفون مُلكه، أي نبوَّته، أو ألوهيِّته.

أمَّا بالنسبةِ لعلاقة المندائيَّة بالإسلام فهي أفضل مِن علاقتها بالمَسيحية واليهودية إلى حَدٍّ كَبير، فكما ذكرنا مِن قبل أنَّ الإسلام قد سَمح بمساحةٍ لامحدودة لتقَصِّي الأديان إن كانت سماوية أو وضعيِّة، وذُكِر المندائيون في القرآن الكريم باسم الصابئة، أي الذين تركوا عبادةِ الموجودات، وعبدوا الواجد الواحد الأزليّ. واستخدمت كلمة «الصابئة» في التراثِ العربيّ لتَدلّ على أقوام بائدة قديمة عبَدت إلهًا واحدًا. وعلى هَذا اعتُبِر المندائيون صابئة، وهم رَحَّبوا بهذا المُسَمَّى؛ لأنَّه ذُكِر في القرآن الكريم، ويقول الدكتور منذر الحايك في ذلك: «وكون الصابئة مذكورين بكتابِ المسلمين مع الديانات السماوية الأخرى، فهذا أفضل لوضعهم، فتبَنَّت الطائفة المندائية تسمية الصابئة رسميًا، ونراها الآن في واجهاتِ معابدهم، وعلى مواقعهم، ونشراتهم، وكتبهم، وطالما أنَّ ذَلك يعجبهم، ولا يضير أحدًا، فلا بأس به».

مَع أنَّ الإسلام ظَهر كدينٍ كاملٍ بعد ظهور المندائية واليهودية والمسيحية بقرونٍ عِدَّة، فإنَّ التأثير بين الإسلام والمندائية كان كبيرًا أيضًا، مَع انَّ الاختلاط بينهما لَمْ يتم إلَّا بعد الفتح العربيّ للعراق.

فتتوافق الرؤية المندائية والرؤية الإسلامية لموقفِ أبليس مِن آدم، ولَعْن الأول، وطرده مِن السماء، ففي النصوص المُقَدَّة المندائية جاء في التسبيح الثاني بالكتابِ الأول في الوصايا:

«قال الحَيّ: ليسجد ملائكة النَّار لآدم.. لا يخالفون له قولًا. فسجدوا إلَّا الشرير، فقد أبى، فأسره ربه أسرًا…»، وفي القرآن الكريم، تحديدًا سورة طه، الآية 116، يقول تعالى: «فَسَجَدَ الملائِكَةُ كلهم أجمعون، إلَّا أبليس أبى أنْ يكون مِنْ الساجدين».

كمَا أنَّ التشابه بين المندائيِّة والتصَوف الإسلامي تشابه كبير جدًا، ففي بعض التراتيل المندائية، نجد روح الصوفيّة الإسلامية بأوضح صورها، مِثْل:

«خارجٌ أنا للقاءِ شَبيهي

وخارج شَبيهي للقائي

حَنَا عَليّ، وحنَوتُ عليه

كأنني عائد مِن السبي إليه».

ففكرة «الحلول» واضحة جَليَّة في هَذا المَقْطَع، أي تَوَحُّد المخلوق بالخالِق، تلك الفكرة التي تَطوَّرت في العصرِ الإسلامي مَع فلاسفة التصَوف مِثل السهروردي وابن عربي والحلاج.

وفي قِصَّة «طوفان نوح»، جاء في الكتاب الـ19 مِن النصوص المندائية المُقَدَّسة، الطوفان: «ونودي على نوح أن ابنِ فلكًا فسيأتي الطوفان، وليكن فيه من كل جنس حي زوجان، ذكران وأنثيان». وجاء في وصف الفُلك: «300 عام عمل فيه الصناع، طوله 300 ذراع، وعرضه 50 ذراعًا، و30 الارتفاع».

«انفتحت ينابيع الماء، ينابيع عُليا تنهمر مِن السماء، وينابيع سُفلى تنبجس مِن الغبراء»، «واختفى التراب، وغرقت الجبال والهضاب، ثم أخذ العالم كله بالعباب». وفي القرآن الكريم، تحديدًا في سورةِ هود، الآية 40، 37: «واصنع الفلك بأعيننا ووحينا». «قلنا أحمل فيها مِن كل زوجين اثنين، وأهلك». وجاء أيضًا في سورةِ القمر، الآية 11-12: «ففتحنا أبواب السماء بماءٍ منهمر، وفجرنا الأرض عيونًا فالتقى الماء على أمرٍ قد قُدرَ».

كما أنَّ قصَّة الطوفان لا يقتصر وجودها على النصوص المقَدَّسة للمندائيين والمسلمين فقط، بل وعِند اليهودية والمَسيحية أيضًا.

خُلاصة القول البعيد عن التعصب المُعْتَقديّ الأعمى لا يُلاحِظ هذا الكَمّ الكبير المُتشابِه بين الرسالات السماوية، فإمَّا أنَّ هذه الكتب منقولة مِن بعضها بعضًا، وإمَّا هذه الكتب والرسالات المُقَدَّسة نابعة مِن بوتقة واحدة ومَصدر واحد، وهو ما يتقبله العقل والمنطق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

فكر

المصادر

1- كِنزا رِبَّا "الكتاب المقدَّس للمندائيين".
2- دراسة مقارنة لـ كِنزا رَبَّا .. للدكتور منذر الحايك، سلسلة كتب مقدسة2، طبعة دار صفحات
3-ويكيبيديا الموسوعة الحرة "المندائية أ، الصابئة"
4-الصابئة في حاضرهم وماضيهم، عبد الرزاق حسني، مِن موسوعة العيون المعرفية.
5- وثائقي الصابئة المندائيين، إعداد قناة الشرقية.
عرض التعليقات
تحميل المزيد