إن هذه المقالة تتحدث عن وضع المقابر السيئ في البلدان المغاربية، وبالذات منصبة على وضع المقابر في المغرب، هنالك بلدان أخرى حالة مقابرها سيئة، لكن ليس بالدرجة التي عليها مقابر المغرب أو بعضها الكثير، وبتعبير أدق مقابر الفقراء، مقابر الأحياء الشعبية، أليس عيبًا أن يعاني هذا الإنسان المغربي في بقعة جغرافية على هذه الأرض مدة من الزمن، وبعد موته يعاني أيضًا؟

إنك بمجرد دخولك لمقبرة شعبية تشعر بالألم، بالضعف والنقص، تشعر بالفرق الكبير بين بلدنا والبلدان الأخرى، وكذلك تشعر بالخوف، ليس الخوف من الموت وإنما الوضعية التي سيؤول إليها جسدك، وضعيتك في مثواك الأخير مزرية، كل شيء زائل. نعم نحن متفقون بما في ذلك جسد الإنسان لأنه عبارة عن مادة، والأبقى والأسمى هي الروح، الروح تعرف طريقها، لكن أليس من حق كل إنسان أن يكون مرتاح البال بمصير جسده، بمصير وضعه ورؤية أحبابه له، سواء في وضع سيئ أو جيد، لكن في العديد من المقابر الشعبية تعيش الأجساد الجحيم، ولا أتحدث عن الجسد داخل التراب، وإنما الشكل الخارجي أي القبر وموضعه وجوانبه وما إلى ذلك. ما هو هذا الجحيم الذي يحيط بالمقابر؟ من خلفه؟ هل من طريقة لإصلاحه؟

في أوروبا لو دخلت لمقبرة ستجدها كالجنة، الربيع والأزهار بمختلف الحلل وأشجار البلوط والكستناء، والروائح الطيبة المنبعثة، إلى آخره من الأشياء الطبيعية الجميلة التي تجعلك مطمئنًّا نفسيًّا، مطمئن لأنك مدرك تمامًا مآل مكان دفنك، نعلم أن الموت لا موعد محدد له، لكن أغلب الدول، الكثير حتى إن أوروبا بأكملها لا توجد فيها مقبرة سيئة، في الأمريكتين كذلك في العديد من الدول الكبرى وحتى الصغرى، وحتى هنا في المغرب توجد مقابر جيدة في مكانها الصحيح، فيها حراس يسهرون على حماية هؤلاء الأموات من أي خطر خارجي، أو تصرف أحمق من شخص ما، وهناك أيضًا أشخاص موكلون بالتنظيف وغرس الأشجار والعديد من الأشياء منطبقة هنا كما في الجانب المشرق، لكن ما نحث عليه هنا، هو مقابر الأحياء الشعبية.

إن مقابر الأحياء الشعبية حالتها مزرية، مهمشة، فبمجرد الدخول من الباب تسرح بعينيك في مداد كبير مليء بالمقابر، وهذا أمر طبيعي، لكن المشكلة هي الأزبال الكثيرة من حولها، والقوارير البلاستيكية المرمية بجانب القبور، بالإضافة لزجاجات الخمر وعلب السجائر، بل حتى الملابس، أشياء كثيرة ومنها ما لا قد يتصوره العقل البشري من مسائل أخرى مرمية هناك.

توجد أيضًا أشجار يابسة أو بقاياها الساقطة في الأرض، موضوعة هناك منسية حتى إن بعضها تكوم ليغلق بعض الطرق الصغيرة على المارة، وعلى ذكر الطريق، فهذا أمر مهم أيضًا. هذا أمر محزن أن تكون مقبرة كبيرة جدًّا ولها تاريخ قديم ولا توجد فيها طرق فرعية صغيرة تسمح للزائرين بسلكها دون لعب رياضة القفز من مكان لمكان، كما أنها تحوي آبارًا كثيرة ولا توجد عليها علامات تحذيرية، مغطاة فقط بأوراق الأشجار الكبيرة، وكذلك أمر يثير الانتباه وهو كثرة الحفر والأتربة والأحجار الموجودة في وسط الطريق. لا أحد يدري هل أصبحت المقابر الشعبية حقل ألغام أم ماذا؟

أما بالنسبة للمقابر فهناك من اختفت نهائيًّا وجرى تشييد مقابر جديدة فوقها، وتوجد أيضًا قبور مهدومة وطريحة مشكلة كومة من الأحجار والتراب مثل جبل صغير. أما الناس أيضًا أو الطبقة البسيطة التي لا تعرف قواعد الزيارات، تزيح التراب من قبر قريبها وتدفعه نحو قبر آخر غريب، بمعنى أنها ترى ما يناسب ذلك الشخص القريب المتوفى، أو ما يناسب مكانه ولا يهمها مكان غيره، إلا أن المقبرة هي المكان الذي يتساوى فيه المرء سواء كان أميرًا أو مواطنًا ضعيفًا، غنيًّا وفقيرًا.

لكن الأمر المخزي أن حتى هذا الأمر فيه تلاعبات أو أصبحت فيه فوارق، لأن قبر الغني ليس هو قبر الفقير، وقبر الأمير ليس قبر العبد في اعتبارهم، هناك فرق بالنسبة لهم، وهذا ما جعل قبور الأحياء الشعبية مهمشة، ولا توجد عليها رقابة من السلطات المعنية، لأنها الآن واقعًا أصبحت مرتعًا للسكارى والمجرمين ولكل أنواع التخريب والفساد، أما حالتها، فحقيقة لا يشعر بها إلا من زارها وله أحباب فيها، يرى بعينيه كيف أصبحت المقبرة مكانًا لرمي الأزبال بكل أشكالها، والأعمال الإجرامية بكل أنواعها، كل أنوع الفساد التي ذكرتها هي حقيقة ثابتة ولا يوجد بها ذرة كذب. نعم هنالك فوارق يا أصدقائي.

ومن المؤسف أيضًا أن الطبقة الضعيفة معذبة وغير متعلمة، ووعيها متصل بقدراتها الفعلية، ولا يوجد من يتحدث ويشتكي، لا يوجد من يتحدث عن حقه، بل إن هنالك عواقب صارمة في حق كل من قال لا، في حق كل من عارض وتحدث عن حقه بشفافية، وهذا هو التناقض الكبير المخزي، لأنه لا توجد إدارة أو مؤسسة أو منظمة حقوقية لا تتخذ الشفافية شعارًا لمهامها، ومبدأ تعامل أساسي، لكن مجرد كلمة لا معنى لها، لا قيمة للحق، لا قيمة للحياة عندهم، وها هي قيمة الموت تندثر وتنسحق ليصبح العالم مملكة للجشعين فقط، المحتكرين على الحقوق العامة، غير العادلين. وبهذا سنختم مقالتنا هذه وكل ما قيل فيها، كان من أجل تقديم توعية، ورؤية واضحة، ومحاولة للتصحيح، تصحيح الأفعال التي نرتكبها بدون شعور أو العكس، لكن الأسوأ أننا نرتكبها في حق من نحب، وبذلك نكون قد أذيناهم وأذينا أنفسنا وربما مهدنا طريقًا خاطئًا لأبنائنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد