لأنني كاتب – وهي مأساة كبيرة – يدفعني هذا إلى الاطلاع المستمر على آراء الناس وطرق تعبيرهم طوال الوقت، يعتمد استمرار الكاتب في إرسال رسائله على قدرته على التواصل مع مجتمعه وحرصه على إبقاء عالمه غير منعزل عنهم، أعلم أن الناس لن يعجبهم هذا العنوان، أعلم أن أكثرهم سيرفضون هذه الحقائق، ولكن أسرع من يفصل بيني وبين اللائم هو تلك الأجيال التي تنشأ بيننا اليوم، يوم أن يبلغ المرء منهم مقام الآباء ويقوم ببناء جيل جديد، وقتها فقط سنشعر بمدى فقداننا للغة العربية.

أول تلك الأشياء التي تقول لي أن العربية ستنتهي بيننا عاجلًا أم آجلًا، هي الرقابة التي لا مُبرر لها، خوفنا الدائم من حدوث أي شيء خارج إطار العادي والممل، أول صفوف الرقابة التي تزور حياتنا بلا داعي هي الرقابة الأخلاقية، بدايةً من أن عليك تجنب قاموس كامل من الكلمات سواء أن كانت إباحية أو كانت سوقية من حيثُ إنها بعيدة عن ألفاظ الطبقة الراقية من المجتمع، صعودًا إلى بناء الجملة وتقديمها وختمها بقول معين، وطريقة نُطق بعضها، وربما أيضًا مزجها بتركيب معين مع لغة أخرى، كوجاهة اجتماعية.

ينضم إلى الرقابة الأخلاقية، رقابة الدين على رقاب الناس من حيثُ اللفظ، بالمنطق البسيط الذي لن يكلف الإنسان لحظة تفكير واحدة أن الإنسان يتعامل مع الدين بأنه نتيجة نهائية، لا يصح حقيقةً أن يتم محاسبة إنسان نتيجة نطق لفظ أو فعل ما في الدنيا وفقًا لمعيار الدين، ولكن لحسن حظنا في الوطن العربي أن هناك كتابات كثيرة يتم مراقبتها وفقًا للدين، وبعض الدول العربية – بالأخص دول الخليج – تقوم الدولة بمنع ومصادرة كُتاب كثيرين بدافع خروجها عن صحيح الدين، بينما يقوم الأهالي في بقية الدول العربية بتنفيذ هذا الفعل لأن الحكومات تقوم بإصدار قضايا ازدراء الأديان.

بين حصر المجتمع اللغة الراقية في قاموس محدود للغاية، وحرص الدولة والأهالي بأن الإبداع يجب أن يكون حلالًا، حتى وأن لم يكن الأمر داخل طور الحلال والحرام، هل يمكن مثلًا أن يقرأ طالب في الصف الإعدادي مسرحية «المومس الفاضلة» المترجمة عن الفرنسية والمكتوبة بيد الفيلسوف والأديب الفرنسي جان بول سارتر؟ هل مثلًا ستسمح بعض الأسر أن ترى بين رفوف مكتبة ابنهم رواية «الزانية» للروائي البرازيلي باولو كويلو، أو كتاب «أقنعة جنسية» للناقدة الأمريكية كاميلي باليا؟

سيكون رفض المجتمع والدين وفقًا لمُطبقيه على الأرض من الأسرة والدولة هو أن تلك الكتابات تمتلئ بما لا يليق للمعايير، ولكن الحقيقة يمتلك الأول رؤية نقدية لسياسات الولايات المتحدة الامريكية، والثاني يدرس ظاهرة من ظواهر المجتمعات اللاتينية وطبقاتها المتوسطة والطبقات الغنية، والأخير يقوم بدراسة الأنثى ورؤية المجتمع لها منذ عهد نفرتيتي إلى أميلي ديكنسون، في درب طويل من الدراسات الفنية والأدبية، يقع ها هنا مأساة اللفظ لا أكثر، بينما المضمون ليس قضيتهم.

سيقول البعض أن تلك النصوص غربية لا تعتبر مثالًا حقيقيًا لأن تلك المجتمعات تختلف عن مجتمعنا العربي، حقيقةً المجتمع المنغلق لا يدري عن الإبداع أي شيء، ولن يستطيع في هذا الزمان أن يخطو خطوة واحدة في طريق الإبداع، ولكن من الأمثلة العربية القوية لدينا مأساة كتاب ألف ليلة وليلة، الذي لديه لدينا اليوم في الوطن العربي نسختان، النسخة الأولى والتي نشرتها مؤسسة دار الكتاب في أربعة عشر مجلدًا، والأخرى المنقحة عن النص الأصلي والتي يتم نشرها عبر آلاف من دور النشر، والتي نُشرت في أربعة مجلدات، ولو اعتبر البعض أن المجلدات بين النسختين متساويتان في عدد الصفحات، هل يُعقل أن المجلدات العشر التي كُتبت في العصر العباسي مكونة من قصص جنسية وقصص لا ترقى للقراءة؟!

نحن لا نقرأ أدبًا آخر من لغة أخرى، ولا نقرأ أدبنا الخاص، لا نتعرف على المختلف عنا ولا نعرف أنفسنا، بحذف كتب كثيرة نظرًا أنها لا تليق، وبعدم قراءة العالم الحديث ومواريثه القديمة أيضًا لذات الأسباب تصبح لدينا شعوب لا تدري عن ماضيها ماضيًا حقيقيًا، ولا يعملون عن الآخر الذي يعيش بجوارهم أي شيء.

ذكر جابرييل جارثيا ماركيز في سيرته الذاتية أنه قرأ في طفولته نصف كتاب ألف ليلة وليلة نظرًا لأن نصفه الآخر كان مفقودًا، ويمكن أفضل ما يوضح تأثر اللغات باللغات الأخرى أن ليو تولستوي كان أحد دارسي قسم اللغات الشرقية في جامعة قازان، لم يستكمل دراسته في قسم اللغة العربية علي أي حال ولكنه تأثر به في كثير من الكتابات، مثل قصة في كرويترز التي يعيش بطلها «بوزدينشف» مأساة الملك الشهير شهريار، وعلى الأدب التركي مثال ناظم حكمت الذي تأثر بما تُرجم من أدب العباسيين إلى التركية، وتأثره الذي نقله إلى بابلو نيرودا، وصداقتهما المذكورة في كتاب نيرودا «شهادتي أني قد عشت»، تستمر الأمثلة حتى تصل إلى محمد إقبال وقائمة طويلة من الأسماء التي لا حصر لها.

ويمكن أن نرى اليوم أثر ذلك على الأدب العربي، بالرغم مما نقله الميراث العربي الفقيد إلى أدباء العالم، لم يكن لنا قدرة على الاحتفاظ به واستكماله إلا في صدفة مثل نجيب محفوظ أو عبد الله منيف، لكن ما نراه اليوم من أعمال كويتزي وأيشيجورو وتجربة أدونيس – أدونيس شاعر عربي الأصل – في اللغات الأخرى غير العربية، كل تلك أدلة أننا لسنا في سباق اللغات الحديثة وأمجاد أدبها.

يُضاف إلى ذلك غياب التطور الذي لحق باللغات الأخرى من طفرات الكُتاب والأدباء بالعالم الآخر، مما جعلنا نصل إلى تلك الأعمال الساذجة السطحية التي لا قيمة لها، والتي تعجز عن بقائها من ضمن تلك الأعمال التي حققت الخلود الأدبي، والتي قدر لها الإبداع أن تفنى يوم أن يفنى البشر أنفسهم.

هل عندما تموت اللغة تموت قدرة الإنسان على الإبداع؟ حقيقةً لا يمكن أن يتوقف الإنسان عن إنتاج أعمال لها قيمة وقدرة على البقاء، لكن ما سيتوقف هو أن تكون تلك اللغة الوسيلة المستخدمة لتحقيق تلك الأعمال، والحقيقة التي أراها نتيجة الرقابة وغياب تبادل الثقافات بين اللغة العربية واللغات الأخرى، هي أن اللغة العربية قد تصبح مستقبلًا أقل خصوبة للسرد، ولن تضيف للعالم في أي يوم آخر نصًا قد يعبر  إلى لغة أخرى، نظرًا لأن الأجيال القادمة لن تجد ما تقرؤه بالعربية أمام تلك الفنون الغربية الأكثر إبداعًا وإلهامًا وإتقانًا من حيث معايير الأدب والفن الحقيقية، هذا ما ينتجه لنا معايير الرقابة، فقدان المبدع وسيلته الأساسية وهي اللغة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد